بعد أكثر من ثلاثة عقود من التجميد الضمني لتنفيذ أحكام الإعدام، يجد الشارع الجزائري والأوساط الحقوقية والسياسية أنفسهم أمام منعرج قانوني حاسم، فمع الصدمات المتتالية التي خلفتها جرائم غير مسبوقة هزت الرأي العام، وتصاعد المطالب الشعبية بفرض أقصى درجات الحزم، تتجه السلطات الجزائرية نحو إعادة تفعيل هذه العقوبة القصوى جزئيا مع التنفيذ لمواجهة الجرائم المستحدثة والخطيرة كحرائق الغابات المتعمدة واختطاف الأطفال.
ويفتح هذا التحول المفاجئ الباب واسعا أمام جملة من الأسئلة الجوهرية: كيف سنعكس هذا القرار على الخارطة التشريعية في البلاد، وهل ستنجح العقوبة في كبح جماح الجرائم الكبرى؟ وكيف ستوازن الجزائر بين تكريس سيادتها القضائية وحماية أمنها القومي وبين التزاماتها الدبلوماسية وضغوط المنظمات الحقوقية الدولية؟
ومن الناحية التاريخية والتشريعية، تعتبر عقوبة الإعدام خيارا عقابيا منصوصا عليه في المنظومة الجنائية الجزائرية التي أقرت سابقا لحزمة من الجرائم بالغة الخطورة، ويتجلى ذلك بوضوح في الجنايات المرتبطة بأمن الدولة الداخلي والخارجي بموجب المواد من 61 إلى 64 من قانون العقوبات، وكذا جناية قتل الأصول بموجب المادة 261، وصولا إلى الجرائم الموصوفة بأفعال إرهابية أو تخريبية خاضعة للمادتين 87 و87 مكرر-01. وعلى الرغم من أن المحاكم الوطنية لم تتوقف يوما عن النطق بأحكام العقوبة القصوى إزاء هذه الجنايات، فإن إنفاذها الميداني ظل معلقا بفعل قرار "التجميد الضمني" الصادر منذ عام 1993.
التكييف الجنائي للفئات الإجرامية الكبرى
ولم يأت هذا التوجه الصارم من فراغ، بل أملته تحولات ميدانية مقلقة، وضعتها الحكومة تحت المجهر في عرض أسباب المشروع، إذ لم تعد خطورة جرائم الحرائق في منطوق المشروع تقتصر على كونها مجرد تخريب للأملاك والأموال العامة والخاصة فحسب، بل بلغت حد الإجرام المنظم والتهديد المباشر للأمن والنظام العموميين والاستقرار المجتمعي، والمساس بالاقتصاد الوطني.
فحسب ما أظهرته التحريات والتحقيقات القضائية والأمنية خلال السنوات الأخيرة، برز تحول خطير ومقلق في الأساليب المتبعة في ارتكاب جرائم الحرائق، لا سيما المتعلقة بالغابات، وما يترتب عليها من آثار وخيمة وقاسية، سواء بالنسبة للأرواح البشرية، أو بالغطاء النباتي، والتوازن البيئي، والتنوع البيولوجي.

ويتجاوز التوصيف الرسمي للحرائق مجرد رصد الخسائر نحو تفكيك استراتيجية "التخريب المنظم". فالجزائر تضع هذه الأفعال في سياق "الحروب غير التقليدية الخفية"، معتبرة التدمير البيئي الموجه بإيعاز أجنبي تهديدا مباشرا للسيادة الوطنية يرقى إلى مرتبة الخيانة. وتبرز هذه القراءة التحليلية خطورة النمط الإجرامي الجديد الذي يستغل الثغرات المناخية والتقنية لزعزعة الاستقرار وتقويض الأمن الغذائي والاقتصادي للبلاد.
وفي ترجمة عملية لهذه المقاربة الردعية المفصلية، لم يكتف مشروع قانون العقوبات الجديد بالتعديل التقني الهامشي، بل ذهبت السلطات مباشرة نحو تفعيل الترسانة العقابية الأشد عبر إقرار عقوبة الإعدام وتوجيهها صوب ثلاث فئات إجرامية كبرى.
ولتأطير هذا الحسم الجنائي في قالب تشريعي لا يحتمل التأويل، جاء منطوق المادة 395 مكرر ليحدد المسؤولية الجزائية لتنص على أنه: "يعاقب بالإعدام كل من وضع النار عمدا في غابات أو غيضة أو حقول مزروعة أو غير مزروعة أو أشجار أو مقاطع أشجار أو أخشاب موضوعة في أكوام على هيئة مكعبات داخل الغابات".
وفي مقابل هذا التأطير للمنظومة البيئية والأمن الحيوي للبلاد، يتجاوز المنحى التشددي مقاربة الأضرار المادية ليتمدد نحو مقاربة عقابية شاملة تتقاطع مع المرتكزات الحيوية للأمن القومي، إذ أضحت العقوبة القصوى تستهدف كل من يثبت تورطه في إضرام الحرائق عمدا بإيعاز لصالح دولة أجنبية أو طرف خارجي أو في سياق جرائم الخيانة والتخابر، متى استهدفت هذه الأفعال أملاكا عمومية أو خاصة بقصد تقويض أمن الدولة والمساس بحرمة التراب الوطني.
وينص منطوق المادة 396 على ما يلي: "يعاقب بالإعدام، كل من وضع النار عمدا في أية أملاك سواء كانت عمومية أو خاصة، بإيعاز أو لصالح دولة أجنبية أو طرف أجنبي أو في إطار جرائم الخيانة والتخابر مع دولة أجنبية أو في إطار جماعة إجرامية منظمة أو إذا كانت تستهدف الأمن والنظام العموميين، والوحدة الوطنية، واستقرار المؤسسات وسيرها العادي، والاقتصاد الوطني، أو الإضرار بالبيئة والتوازن البيئي أو بالثروة الغابية أو النباتية أو الحيوانية أو الزراعية".
ويظهر المدلول الجوهري لهذا التحول في المقاربة القانونية أن المشرع الجزائري أحدث انزياحا جنائيا فارقا، حيث رفع مرتبة الجرم من تصنيفه التقليدي كـ"تخريب مادي" إلى مصاف جنايات الخيانة العظمى والاعتداء المباشر على السيادة الوطنية.



