يحول الكاتب الجزائري الفرنكوفوني سليم باشي التاريخ في رواياته إلى مادة حية للخيال ويرصد آثار العنف والمنفى والذاكرة في اللغة والجسد والوعي. منذ أعماله الأولى تبلور صوته الروائي في قلب التوتر الجزائري، فصاغ من الجرح الجمعي كتابة تجمع الشعرية بالتأمل وتصل الأسطورة بالتاريخ والتجربة المعيشة.
دخل باشي المشهد الأدبي الفرنكوفوني عام 2001 بروايته الأولى، "كلب يوليسيس"، ثم اتسع رصيده ليبلغ خمسة عشر كتابا بين الرواية والسيرة والكتابة الذاتية، أبرزها "الكاهنة" و"صمت محمد" و"الصيف الأخير لشاب". حظيت تجربته بتقدير نقدي منذ بدايتها، فنالت "كلب يوليسيس" جائزتي "غونكور" للرواية الأولى و"فوكاسيون" الأدبية، وفازت "الكاهنة" بجائزة "تروبيك"، فيما حاز كتابه "الرب، الله، أنا والآخرون" جائزة "رينودو" لكتاب الجيب. هنا حوار "المجلة" معه.
يمتد مسارك من عنابة إلى باريس، غير أن رغبتك في أن تصبح كاتبا سبقت هذا الانتقال بزمن طويل. كيف تشكل مسارك كاتبا بين ما اخترته لنفسك وما فرضه عليك زمن نشأتك في الجزائر؟
يصعب علي أن أجيب عن سؤال كهذا، فالمرء يفقد المسافة اللازمة إلى الموضوعية حين يحاول أن يدرس حياته، ويصبح في الوقت نفسه صاحب التجربة وموضوعها. لماذا سلكت هذا الطريق دون غيره؟ لقد ولدت في زمن ومكان لم أخترهما، ونشأت في عنابة خلال مرحلة بعينها من تاريخ الجزائر ضمن بيئة وجدت نفسي جزءا منها.
لازمتني منذ طفولتي رغبة في أن أكون فنانا، موسيقيا أو رساما أو كاتبا، ثم وجدت في الكتابة المجال الذي أستطيع أن أحقق فيه ذاتي، فقد كانت مواهبي محدودة في الفنون الأخرى والعلوم. وفي الخامسة عشرة من عمري كنت على يقين بأنني سأؤلف كتبا، فرغم الظروف التي عاشتها الجزائر في ثمانينات القرن الماضي، كرست نفسي لدراسة الأدب تقودني غاية واحدة: أن أصبح كاتبا.
تشكل وعيي الأدبي في مرحلة تاريخية قاسية امتزج فيها الدم بالدموع، فحملت روايتاي الأوليان، "كلب يوليسيس" و"الكاهنة" أثر تلك السنوات. تتناول الروايتان الحرب الأهلية الجزائرية والاستعمار وكتابة التاريخ، وتكشفان ما يولده طمس التاريخ أو إخضاعه للأغراض السياسية من أساطير عنيفة.
بين العربية والفرنسية
تجاورت الفرنسية والعربية في طفولتك داخل العائلة الواحدة وصار التنقل بين لغتين وثقافتين جزءا من حياتك اليومية. كيف صاغت نشأتك بين لغتين علاقتك بكل من العربية والفرنسية؟
العلاقة باللغة تتكون في أعماقنا على نحو غامض وحميم، ويزداد الأمر تعقيدا حين تتجاور في حياة المرء لغات عدة. ينطبق ذلك علي وعلى كثير من الجزائريين الذين انتزع الاستعمار الفرنسي منهم لغتهم الأم، ثم وجدوا أنفسهم بعد الاستقلال أمام واقع متعدد اللغات ظل التوفيق بينها داخل الجزائر المعاصرة تحديا قائما. بعبارة أبسط، الفرنسية لغتي الأم وقد تعلمتها من والدي، أما العربية فهي "لغة أجدادي"، لغة جدي وجدتي اللذين كنت أمضي معهما وقتا طويلا. كنا نسكن المبنى نفسه، وما إن أذهب إلى شقتهما حتى أدخل عالما آخر بلغته وثقافته. كانت تجربة ممتعة جدا، وأدرك اليوم مدى عمق أثرها في تكويني.




