سليم باشي لـ"المجلة": الفرنسية لغتي الأم والعربية لغة أجدادي

الكتابة فعل تحد في مواجهة عبث وجودنا

y Eric Fougere/VIP Images/Corbis via Getty Images
y Eric Fougere/VIP Images/Corbis via Getty Images
الكاتب الجزائري سليم باشي خلال معرض الكتاب عام 2007

سليم باشي لـ"المجلة": الفرنسية لغتي الأم والعربية لغة أجدادي

يحول الكاتب الجزائري الفرنكوفوني سليم باشي التاريخ في رواياته إلى مادة حية للخيال ويرصد آثار العنف والمنفى والذاكرة في اللغة والجسد والوعي. منذ أعماله الأولى تبلور صوته الروائي في قلب التوتر الجزائري، فصاغ من الجرح الجمعي كتابة تجمع الشعرية بالتأمل وتصل الأسطورة بالتاريخ والتجربة المعيشة.

دخل باشي المشهد الأدبي الفرنكوفوني عام 2001 بروايته الأولى، "كلب يوليسيس"، ثم اتسع رصيده ليبلغ خمسة عشر كتابا بين الرواية والسيرة والكتابة الذاتية، أبرزها "الكاهنة" و"صمت محمد" و"الصيف الأخير لشاب". حظيت تجربته بتقدير نقدي منذ بدايتها، فنالت "كلب يوليسيس" جائزتي "غونكور" للرواية الأولى و"فوكاسيون" الأدبية، وفازت "الكاهنة" بجائزة "تروبيك"، فيما حاز كتابه "الرب، الله، أنا والآخرون" جائزة "رينودو" لكتاب الجيب. هنا حوار "المجلة" معه.

يمتد مسارك من عنابة إلى باريس، غير أن رغبتك في أن تصبح كاتبا سبقت هذا الانتقال بزمن طويل. كيف تشكل مسارك كاتبا بين ما اخترته لنفسك وما فرضه عليك زمن نشأتك في الجزائر؟

يصعب علي أن أجيب عن سؤال كهذا، فالمرء يفقد المسافة اللازمة إلى الموضوعية حين يحاول أن يدرس حياته، ويصبح في الوقت نفسه صاحب التجربة وموضوعها. لماذا سلكت هذا الطريق دون غيره؟ لقد ولدت في زمن ومكان لم أخترهما، ونشأت في عنابة خلال مرحلة بعينها من تاريخ الجزائر ضمن بيئة وجدت نفسي جزءا منها.

لازمتني منذ طفولتي رغبة في أن أكون فنانا، موسيقيا أو رساما أو كاتبا، ثم وجدت في الكتابة المجال الذي أستطيع أن أحقق فيه ذاتي، فقد كانت مواهبي محدودة في الفنون الأخرى والعلوم. وفي الخامسة عشرة من عمري كنت على يقين بأنني سأؤلف كتبا، فرغم الظروف التي عاشتها الجزائر في ثمانينات القرن الماضي، كرست نفسي لدراسة الأدب تقودني غاية واحدة: أن أصبح كاتبا.

تشكل وعيي الأدبي في مرحلة تاريخية قاسية امتزج فيها الدم بالدموع، فحملت روايتاي الأوليان، "كلب يوليسيس" و"الكاهنة" أثر تلك السنوات. تتناول الروايتان الحرب الأهلية الجزائرية والاستعمار وكتابة التاريخ، وتكشفان ما يولده طمس التاريخ أو إخضاعه للأغراض السياسية من أساطير عنيفة.

بين العربية والفرنسية

تجاورت الفرنسية والعربية في طفولتك داخل العائلة الواحدة وصار التنقل بين لغتين وثقافتين جزءا من حياتك اليومية. كيف صاغت نشأتك بين لغتين علاقتك بكل من العربية والفرنسية؟

العلاقة باللغة تتكون في أعماقنا على نحو غامض وحميم، ويزداد الأمر تعقيدا حين تتجاور في حياة المرء لغات عدة. ينطبق ذلك علي وعلى كثير من الجزائريين الذين انتزع الاستعمار الفرنسي منهم لغتهم الأم، ثم وجدوا أنفسهم بعد الاستقلال أمام واقع متعدد اللغات ظل التوفيق بينها داخل الجزائر المعاصرة تحديا قائما. بعبارة أبسط، الفرنسية لغتي الأم وقد تعلمتها من والدي، أما العربية فهي "لغة أجدادي"، لغة جدي وجدتي اللذين كنت أمضي معهما وقتا طويلا. كنا نسكن المبنى نفسه، وما إن أذهب إلى شقتهما حتى أدخل عالما آخر بلغته وثقافته. كانت تجربة ممتعة جدا، وأدرك اليوم مدى عمق أثرها في تكويني.

ما زلت مفتونا بالثقافة الإسلامية وتاريخ الإسلام، وبمسيرة اللغة العربية من أصولها النبطية إلى عصر النهضة

نشأت علاقتي بالعربية على الألفة، بخلاف ما عرفه كثير من أبناء جيلي الناطقين بالفرنسية من صراع معها. أما تعليم العربية في جزائر السبعينات فأنتقده بشدة، إذ بدأ محملا أيديولوجيا عروبية ثم غلبت عليه أيديولوجيا إسلاموية، فيما جرى تجاهل الخصوصيات اللغوية الجزائرية. يؤسفني أيضا اختزال العربية في تعليم نفعي وسياسي على حساب أبعادها الثقافية والحضارية. العربية في وجداني هي لغة جدتي وحكايات "ألف ليلة وليلة"، لغة الفلاحين في شرق الجزائر وتونس، وكذلك هي لغة الشارع الجزائري. ما زلت مفتونا بالثقافة الإسلامية وتاريخ الإسلام، وبمسيرة اللغة العربية من أصولها النبطية إلى عصر النهضة.

تستعيد رواياتك شخصيات تاريخية شديدة التباين غيب النسيان بعضها واختزل التقليد الأدبي والتاريخي بعضها الآخر في صورة ثابتة. ماذا يحدث بينك وبين هذه الشخصيات حتى تتحول حيواتها إلى روايات؟

إنها كتب تقوم على الأصوات، وفيها أستعيد أصواتا انتمت إلى ماض قريب أو سحيق وأتيح لها أن تسمع من جديد. أتعامل مع مادتي بروح الكاتب المسرحي الذي يستمد موضوعاته من سير العظماء، فأقرأ ما كتبه بوليبيوس وبلوتارخ بعين شكسبير وراسين. أقول ذلك بكل تواضع ويحق لنا أن نبتسم هنا، فأنا أدرك مقام هؤلاء المسرحيين الكبار ويكفيني أن أقتدي بهم. في هذا المعنى أنتمي إلى التقليد الكلاسيكي، فأضع العمل قبل هاجس التجديد مع وعي عميق بما تتيحه الأشكال الروائية من إمكانات لكتابة أعمال متفردة.

تبدأ الرحلة من الشخصيات نفسها، فهي التي تأتي إلي وتدخل عالمي، ثم تتملكني بسحر الأدب. ومتى سمعت أصواتها استطعت أن أكتب حيواتها في صيغة روائية. تكشف الرواية هنا قدرتها على بعث الماضي، فتعيد إلى الحياة القنصل أريستيدس دي سوزا مندس الذي غيبه النسيان ظلما. أما فيكتور هوغو وكامو فقد استقرت مكانتهما في ذاكرة الناس، وتأتي الكتابة لتحررهما من الصور الجامدة التي كرسها التقليد الأدبي أو التاريخي، وترد إليهما العمق الذي حجبته الأسطورة أو الأيديولوجيا.

 AFP
الكاتب الفرنسي ألبير كامو في باريس، 17 أكتوبر 1957، بعد أيام من فوزه بجائزة نوبل للآداب.

ولدت هذه الروايات من أسئلة شغلتني في مراحل مختلفة من حياتي: قادني المرض إلى كامو، والمنفى إلى هوغو، والالتزام إلى أريستيدس دي سوزا مندس. كامو جزائري بالمولد. أما فيكتور هوغو فأراه أعظم شاعر عربي في القرن التاسع عشر الفرنسي، بما في موضوعاته وشعريته وبنائه العروضي من روح تقترب من الشعر العربي. تمتد أنفاس قصائده الكبرى في إيقاعات طويلة وتنهض على تقابلات تبلغ أحيانا حد الفخامة، ويقدم نفسه فيها نبيا لعصره ،جامعا بين سلطان الكتابة وقوة القول، وهي منزلة تذكرني بالمتنبي. تحمل طريقته في إنشاد الحب والطبيعة والتاريخ روح شاعر عربي كلاسيكي، وعندما كتبت روايتي عنه اتخذت شكلا أرحب وأكثر حرية فجمعت بين منفاه ومنفاي.

غلاف "الكاهنة"

التاريخ والأسطورة

يتحول التاريخ والذاكرة والأسطورة في رواياتك إلى قوى تشكل الإنسان من الداخل. إلى أي أسئلة عن الإنسان يقودك هذا التداخل؟

الإنسان أصل كل شيء. ولد المسرحي اللاتيني تيرينس في قرطاج القريبة من موطني وكتب: "ما من شيء إنساني غريب عني". حياتنا مكتوبة قبل أن نكتبها، بالمعنيين الحرفي والرمزي: تكتبها الأحلام والحكايات المؤسسة والأساطير، ويشكلها التاريخ والذاكرة والتجربة الداخلية في أعماقنا.

فيكتور هوغو أعظم شاعر عربي في القرن التاسع عشر الفرنسي، بما في موضوعاته وشعريته وبنائه العروضي من روح تقترب من الشعر العربي

ما يحمينا من التحول إلى ألعوبة في يد قوى مدمرة هو وعينا بما يصوغنا. رواياتي محاولات لقراءة هذه الكتابة الحميمة: من نحن؟ لماذا نحن هنا؟ كيف أجاب من سبقونا عن هذين السؤالين؟ وهل تعيننا إجاباتهم على الحياة والموت؟ أحاول أن أواجه هذه الأسئلة وأتركها مفتوحة بعيدا عن الأجوبة التي تفرضها الأيديولوجيات والمعتقدات. أريد أن أضع الإنسان في مواجهة نفسه بلا قناع.

في رواياتك يروى العنف من داخل وعي جريح تتراكم فيه الإهانة والغضب حتى حافة الانفجار. كيف تمنح هذا العنف صوتا روائيا يحمل تناقضه ومأساته؟

أكتب وأنا أوازن خطواتي على خيط مشدود فوق هاوية، ويقيني الوحيد أن شغف المعرفة هو الذي يحملني. تسكن هذه الرغبة في المعرفة والفهم روايتيَّ "اقتلوهم جميعا" و"شاب غاضب". في هاتين الروايتين أحتاج إلى سماع أصوات شخصياتي، إذ يمنحها العمل الروائي فضاء تتسع فيه وتكشف تناقضاتها الداخلية، وآمل أن تظل مع ذلك ملموسة وملحة. أما غايتي من الكتابة عن العنف المطلق فهي أن يلامس القارئ كل ما تنطوي عليه حياتنا من مأساة.

المنفى

المنفى في أعمالك أوسع من تجربة الرحيل: إنه سؤال عن مكان الإنسان في العالم. متى يبدأ المنفى في حياة الإنسان وإلى أي معرفة يقوده؟

نحن جميعا منفيون، وإن بقي هذا المنفى خافيا على كثيرين منا. منذ الولادة نلقى في حياة غامضة وملغزة، وهذا منفانا الأول، ثم نتعلم الكلام فنبدأ ترويضه. في الطفولة يترسخ فينا الانتماء إلى عائلة وحي وبلد، بينما ندرك في أعماقنا أن هذه الانتماءات بناء مكتسب تصوغه السرديات التي نتلقاها. يكفي أن نسافر إلى بلد آخر وندخل ثقافة أخرى حتى نختبر المنفى من جديد.

يزحزحنا المنفى عن مركزنا ويعيدنا إلى ما هو جوهري فينا، وقد نشعر بلسعته ونحن في المكان نفسه، فخيبة حب أو زواج تعيس، أو ضائقة مالية أو مرض، أو فقد أو حرب، يكفي أي منها ليعيد إلينا تيه اليوم الأول ووحدته. يشفينا المنفى من وهم أننا نقف في موضعنا الصحيح ويفتح لنا من هذه الزاوية باب السؤال عن الوجود والكينونة. لذلك يصبح الشعور بالمنفى شرطا للتطور ومدخلا إلى فهم العالم. المنفى حزن وفرح في آن واحد: فرح الحرية.

غلاف "كلب أوليس"

تعيد رواياتك الجسد إلى قلب التجربة الإنسانية، حاضرا في المرض والحب واللذة والشيخوخة. كيف يغير حضور الجسد طريقتك في كتابة الإنسان؟

أجل، الكاتب جسد يكتب، وعليه كل يوم أن يتعامل مع جسد أنهكه نوم مضطرب، يتألم أحيانا وقد يثقل على الروح، لكنه يظل شرط الحياة والروح. الأفلاطونية بعيدة عن تصوري لأن الوجود في نظري يسبق الماهية، لذلك أمنح الجسد في رواياتي حضوره البيولوجي كاملا.

يشفينا المنفى من وهم أننا نقف في موضعنا الصحيح ويفتح لنا من هذه الزاوية باب السؤال عن الوجود والكينونة

في كتابتي عن كامو يحضر السل والحمى وهما ينهكانه، أما هوغو في منفاه فأصفه رجلا في الخمسين يواجه آلام جسد يتقدم في السن. لقد رافقني المرض منذ طفولتي، ولهذا أعرف تفاصيله الدقيقة وأستعيدها حين أكتب عن حياتي.

في السجون والمستشفيات تقيد الأجساد لأسباب مختلفة، وهناك تظهر حقيقة الإنسان عارية بكل عظمتها. وحين أكتب عن الحب أتناوله من زاوية الجسد أيضا. تبدو لي روايات كثيرة كتبها رجال، شديدة التحفظ تجاه الجنس حتى تبلغ حد التزمت، مما يفقد شخصياتها حرارتها وتصبح شخصيات من ورق. في المقابل يجيء الأدب الذي تكتبه النساء غالبا أكثر حرية ومغامرة وتجسدا. المرض والجنس والابتهاج باللذة من صميم الحياة، لذلك ينبغي أن تحضر في كتبنا. في الوقت نفسه أكتب عن الحلم واللامادي، فالكتابة تتسع للمادي واللامادي معا.

 NADAR / AFP
الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو في صورة تعود إلى عام 1878

تغدو اللغة في رواياتك مادة قائمة بذاتها ولها تلوناتها وإيقاعاتها والتواءاتها. بأي معنى تتحول اللغة إلى موضع للمساءلة ومجال للعب؟

حرصت على أن أمنح هذه الفروق الدقيقة والتلونات حضورا يراه القارئ ويسمعه، فهي التي تمنح الكتابة معناها. صاغتني قراءات وأسفار وتجارب ما زالت تغذي عملي بعمق، وإذا وصل شيء من هذا العمق إلى قارئ فقد أدت الكتابة غايتها. تبقى اللغة أول ما يستحق المساءلة، وهي كثيرا ما تخدعنا حين يتعلق الأمر بنياتنا ورغباتنا. وعلى الكاتب أن يكشف في عمله التخييلي دقائقها وطرائق استخدامها، بل التواءاتها أحيانا. ومع ذلك ينبغي أن تظل هذه العملية كلها لعبة يأخذها الكاتب وشريكه القارئ على محمل الجد.

عوالم

تتنوع عوالم رواياتك وموضوعاتها ويظل وراءها دافع واحد ينقلك من كتاب إلى آخر. من أين تستمد الكتابة ضرورتها لديك؟

إنه الشغف. كان أندريه مالرو يقول: "الفن شغف يهاجم العالم". أكتب بدافع الشغف، والكتابة عندي فعل تحد في مواجهة عبث وجودنا وعنف العالم، والشغف هو ما يمنحها ضرورتها.

أكتب حين أشعر بتلك الحرقة، بنار الشغف المستعرة، ومنها يستمد النص حرارته وضرورة وجوده

تحتاج الفكرة الجديرة بالكتابة، وكذلك الموضوع المهم، إلى أن توقظ في داخلي الطاقة التي تدفعني إلى البدء. عندها تنتقل الكتابة من إمكان إلى حاجة، ومن تأمل في العالم إلى وسيلة لمواجهته. أكتب حين أشعر بتلك الحرقة، بنار الشغف المستعرة، ومنها يستمد النص حرارته وضرورة وجوده.

تلامس أعمالك أسئلة حاضرة في العالم العربي، لكن وصولها إلى القراء في هذا العالم ما زال محدودا. كيف تنظر إلى محدودية حضور كتبك في اللغة العربية، وما الذي تنتظره من تلقيها؟

يفاجئني ما تقوله قليلا وربما أخطئ في تقديري، لكن أثر كتبي ظل محدودا في العالمين الفرنكوفوني والناطق بالعربية. تقف ندرة الترجمات عائقا إضافيا أمام وصولها إلى قراء العالم العربي، فالرواية الوحيدة التي وصلت إلى العربية هي "اقتلوهم جميعا" وصدرت ترجمتها في الجزائر. إنها حصيلة ضئيلة.

يصعب علي أن أضع توقعات دقيقة في شأن تلقي كتبي في عالم عربي واسع ومتنوع. كل ما أعرفه أن نصيب عملي من اهتمام الصحافة الناطقة بالعربية في الجزائر كان ضئيلا جدا.

font change