رحيل بلقيس فخرو رافعة لواء الحداثة ورسامة التجريد الحميمي

الفنانة التي لم تنجرف وراء متطلبات السوق

رحيل بلقيس فخرو رافعة لواء الحداثة ورسامة التجريد الحميمي

من يرى رسومها لا بد وأن يفكر في جماليات المكان الأول والحنين إليه. ذلك المكان الذي يشبه استرجاعه محاولة صنع حلم، هو في حقيقته مجموعة من متلاحقة من العلاقات التي لا يتوقع المرء وقوعها في الحياة العادية في وقت واحد.

ما فعلته الفنانة البحرينية بلقيس فخرو التي غيبها الموت قبل أيام هو تجسيد لمفهوم التجريد الحميمي. وهو ما يتعارض مع ما يمكن أن ينتج عن التجريد البارد الذي يستلهم العلاقات التي تقيمها عناصر الرسم، بعضها مع البعض الآخر على سطح اللوحة.

عاطفة المكان الأول

تتذكر فخرو بصريا غير أنها تحلم عن طريق الرسم في الوقت نفسه. تعيدنا رسومها إلى عاطفة المكان الأول أكثر مما تعيد المكان إلينا. فنحن أمام تلك الرسوم نرى بأعيننا الداخلية أشياء لا يمكن أن تلتقطها عيوننا الواقعية. متلقي تلك الرسوم يشعر بحاجته إلى أن يكون حالما بعدما كان محلوما به من قبل الرسامة التي اعادت إلى المكان الأول اعتباره، إذا لم نقل عاطفته.

عميقة هي بلقيس فخرو في علاقتها بالواقع. فهي لا تراه بعيون الآخرين، بل بعينيها اللتين تكنزان متحفا من الأشياء المفقودة والمضاعة التي ترى ضرورة لاسترجاعها عن طريق الرسم. وهي قادرة على القيام بذلك. رسوم فخرو تهذب الحواس حين تنقل وظيفتها من التلقي المباشر إلى موقع التماس غير المباشر بالأشياء. وهو ما ييسر الوصول إلى هدف جمالي، ينفتح الواقع من خلاله على احتمالات لا نهائية. هي الاحتمالات عينها التي ينطوي عليها المكان حين يكون مادة للتذكر.

نجحت في الانتقال بالمكان من محليته المحدودة إلى موقع ينفتح من خلاله على العالم

بهذه الصيغة فإن الرسامة نجحت في الانتقال بالمكان من محليته المحدودة إلى موقع ينفتح من خلاله على العالم. لذلك فإن اسلوبها التجريدي تخطى حدود العلاقات الشكلية ليشمل علاقات إنسانية كامنة، يحتاج إليها الإنسان وهو يصرف شؤون حياته عبر العصور.

كان في إمكان الفنانة ان تقول ما تشاء من أجل تفسير علاقتها بالمكان المحلي القديم، غير أن ذلك التفسير لا يقف حائلا دون اعتماد فكرة المكان المطلق الذي يلهم المرء عاطفة تشده إلى سحر وهناءة العيش بين جدران لا مرئية، يمكنها أن تكون موجودة في المسافة التي تفصل بين الحلم والواقع.     

مكان ما في مكان ما

ولدت بلقيس أحمد فخرو عام 1950 في المنامة من أم عراقية وأب بحريني. درست الفن وتاريخه في الولايات المتحدة، جامعة مونيس بسان فرانسيسكو. درست نظريات الفن في جامعة البحرين لسنوات ثم تفرغت للرسم. فهي إضافة إلى انهماكها في الرسم حرصت على تطوير معرفتها النظرية لا بتاريخ الفن وحده بل وأيضا بجوانب كثيرة تقع على تماس مع أسباب ودوافع وأهداف ونتائج التحولات الفنية الكبرى عبر العصور. لم يغرها التنظير الفني فسعت قدر ما استطاعت إلى أن توضح الأفكار الغامضة التي تتعلق بالممارسة الفنية وطبيعة علاقتها بالمجتمع من جهة فاعلية الجمال وقدرته على التأثير الثقافي.

: Balqees Fakhro/Instagram
بلقيس فخرو خلال معرض البحرين السنوي للفنون التشكيلية في دورته الـ44.

حين سئلت ذات مرة عن موقع المكان الذي ترسمه في الحياة الواقعية قالت بتعبير عميق في دلالته "مكان ما في مكان ما". فهل كانت تلك الإجابة الغامضة تنطوي على محاولة للهروب، أم أنها نطقت بالحقيقة التي لطالما عاشتها الرسامة وهي تتجول بين مفرداتها؟
الراجح أن فخرو كانت حريصة دائما على وضع مسافة بينها وبين ما يشاع من نظريات "الفن الملتزم" الذي يكرس من أجل غواية الجمهور العريض الكثير من المفاهيم الشعبوية. كان فنها على درجة من الرقي بما لا يسمح باستدراجه إلى مناطق لمعادلات الجاهزة التي صنعها دعاة التراث والمحلية والعودة إلى الجذور وسواها من المفاهيم التي كانت يوما ما بضاعة استهلاكية رائجة.

نخبوية فنها هي تجسيد لبحثها عن ذلك الجوهر الذي لا تحتويه المعادلات النظرية الجاهزة

يمكن القول إن فن بلقيس فخرو كان نخبويا في مختلف مراحل تحولاته الأسلوبية. ولكن بأي معنى؟ بالنسبة لها فإن ممارسة الفن في بلد مثل البحرين شهد تاريخه قيام حضارة عظيمة هي محاولة لوصل ما انقطع من خيوط بتلك الحضارة. هو ما يعني العمل على تجنيب الفن الانزلاق إلى التشبه بالحياة الواقعية أو تقليدها. ذلك لأن تلك الحياة لم تعد على اتصال عميق بالحضارة الإنسانية. وفي هذا المجال يمكن القول إن فخرو بحثت في الحياة اليومية عن الشيء المفقود. مفردة يعيدها لمعانها الخفي إلى جوهر الحياة. نخبوية فنها هي تجسيد لبحثها عن ذلك الجوهر الذي لا تحتويه المعادلات النظرية الجاهزة.

: Balqees Fakhro/Instagram
لوحة «بلا عنوان» لبلقيس فخرو، أكريليك على قماش، 150 × 100 سم، 2023.

كنوز من العاطفة المقيدة

ما من شيء يقع مصادفة في رسوم بلقيس فخرو. كان من الواضح أن الرسامة تبني رسومها بعد أن تخطط لها برهافة معمار وحساسية شاعر. المسافات بين الخطوط محسوبة وما من نزهة عشوائية للأصباغ. ما من ضربة فرشاة إلا في مكانها. كل مساحة تكتفي بذاتها. لا تحتاج تلك المساحات إلى ما يزينها من خارجها لتبدو جميلة. كانت لدى فخرو فكرة عن الجمال تتناقض كليا مع التزيين. لذلك فإنها لا تفكر في ما يمكن تسميته بـ "الطوارئ" من أجل شد انتباه عين المشاهد. كان لديها دائما ما تستلهمه، غير أنها لم تخضع لشروط ذلك الشيء المستلهم. فهي لا تخضع حين الرسم لعاطفة بدائية تجمعها بإشارات أو رموز أو علامات لها وقعها الخاص في حياتها الشخصية. الرسم شيء آخر وممارسته بالنسبة لها تتطلب الكثير من الحياد وهو ما تشي به أعمالها، حيث الغنائية تقع تحت السطح وبطريقة غير مفضوحة.

رسوم فخرو لا تصرح بعاطفتها على الرغم من أنها تنطوي على كنوز من العاطفة، لكنها عاطفة مقيدة. وهو ما نجحت الرسامة في التحكم به، اخلاصا منها لفكرة النقاء في الفن. وهي فكرة لم يعمل عليها في العالم إلا عدد محدود من الفنانين من بينهم الفنانة البحرينية التي قاومت بنقاء فنها الأسلوب التجريدي الذي انجرف إلى السوق لإشباع رغبات المستهلكين.

: Balqees Fakhro/Instagram
بلقيس فخرو مع منحوتات للدكتور أحمد خلال افتتاح المعرض السنوي الدولي للفنون في دورته الـ46 في البحرين، 15 يناير 2020.

ما يحسب لفخرو أنها أبقت علاقتها بالرسم في منطقة رصينة لم تخترقها حسابات التلقي السهل. لذلك يمكن اعتبار رسومها محاولة للارتقاء بالمتلقي إلى مستوى، يكون قادرا من خلاله على التعامل مع الفن باعتباره جهدا مستقلا غير تابع له. واحد من أعظم الدروس التي صنعتها الرسامة يكمن في أنها حفظت للفن عصمته في مواجهة تيارات فنية رفعت خدمة السوق شعارا لها.   

هذا التشابك بين فنها وحياتها هو ما صنع وحدة تجربتها وتماسك طريقة تفكيرها في الفن ومن خلاله

على الرغم من قطيعة فن بلقيس فخرو مع الواقع كما يراه الآخرون، فإنه لا يتعالى على الواقع حين يوسع من مفهومه ويوسع من المساحة التي يحتلها، وهي مساحة تقع خارج ما يرى منه. كأن الرسامة شاءت الوقوف على ضفة تجربتها الإنسانية لتشير إلى أماكن بعيدة وهي تقول "هناك جانب آخر من الواقع". الميزة الأهم في ذلك الفن أنه يعلمنا أن نفتح عيوننا على مستويات غير مرئية من الواقع. من خلال ذلك المسعى تؤكد الفنانة انتماءها إلى الفكر الحديث وليس إلى تقنيات وأساليب الرسم الحديث وحدها.

لم يكن من اليسير تخيل إمكانية أن تتراجع فخرو عن حداثتها الفنية كما فعل كثيرون. فحداثة فنها هي انعكاس لحداثة الحياة التي تدعو إليها. هذا التشابك بين فنها وحياتها هو ما صنع وحدة تجربتها وتماسك طريقة تفكيرها في الفن ومن خلاله.

ومن هذا المنطلق يمكن القول إن بلقيس فخرو هي واحدة من أهم الفنانات اللواتي رفعن لواء الحداثة في العالم العربي.

font change

مقالات ذات صلة