من يرى رسومها لا بد وأن يفكر في جماليات المكان الأول والحنين إليه. ذلك المكان الذي يشبه استرجاعه محاولة صنع حلم، هو في حقيقته مجموعة من متلاحقة من العلاقات التي لا يتوقع المرء وقوعها في الحياة العادية في وقت واحد.
ما فعلته الفنانة البحرينية بلقيس فخرو التي غيبها الموت قبل أيام هو تجسيد لمفهوم التجريد الحميمي. وهو ما يتعارض مع ما يمكن أن ينتج عن التجريد البارد الذي يستلهم العلاقات التي تقيمها عناصر الرسم، بعضها مع البعض الآخر على سطح اللوحة.
عاطفة المكان الأول
تتذكر فخرو بصريا غير أنها تحلم عن طريق الرسم في الوقت نفسه. تعيدنا رسومها إلى عاطفة المكان الأول أكثر مما تعيد المكان إلينا. فنحن أمام تلك الرسوم نرى بأعيننا الداخلية أشياء لا يمكن أن تلتقطها عيوننا الواقعية. متلقي تلك الرسوم يشعر بحاجته إلى أن يكون حالما بعدما كان محلوما به من قبل الرسامة التي اعادت إلى المكان الأول اعتباره، إذا لم نقل عاطفته.
عميقة هي بلقيس فخرو في علاقتها بالواقع. فهي لا تراه بعيون الآخرين، بل بعينيها اللتين تكنزان متحفا من الأشياء المفقودة والمضاعة التي ترى ضرورة لاسترجاعها عن طريق الرسم. وهي قادرة على القيام بذلك. رسوم فخرو تهذب الحواس حين تنقل وظيفتها من التلقي المباشر إلى موقع التماس غير المباشر بالأشياء. وهو ما ييسر الوصول إلى هدف جمالي، ينفتح الواقع من خلاله على احتمالات لا نهائية. هي الاحتمالات عينها التي ينطوي عليها المكان حين يكون مادة للتذكر.



