نوبليون طاولهم النسيان... حين لا تضمن الجائزة خلود الكاتب

الكتب لها أجنحة لكنها قد لا تحلق بعيدا أحيانا

 Jonathan Nackstrand / AFP
Jonathan Nackstrand / AFP
تمثال نصفي للكيميائي والمخترع ورجل الأعمال السويدي ألفرد نوبل، مؤسس جوائز نوبل، في معهد كارولينسكا بستوكهولم، 5 أكتوبر 2026

نوبليون طاولهم النسيان... حين لا تضمن الجائزة خلود الكاتب

ثمة سؤال يستحق أن يطرح كلما أعلنت الأكاديمية السويدية اسم الفائز الجديد بجائزة نوبل للآداب: ماذا يحدث للكاتب بعد الجائزة؟ يبدو السؤال في ظاهره غريبا، لأن نوبل هي أقرب ما ابتكره العالم الأدبي إلى شهادة بالخلود. الكاتب الذي يفوز بها يتحول في أيام قليلة إلى اسم عالمي، وتتهافت دور النشر على إعادة طبع كتبه، وتزداد الترجمات، وتستعاد أعماله في الصحافة والجامعات، وتصبح صورته جزءا من المشهد الثقافي العالمي. لكن تاريخ الجائزة، الممتد منذ 1901، يقول شيئا آخر أكثر تعقيدا: هناك فائزون ظلوا حاضرين في القراءة العالمية حتى بعد رحيلهم، وهناك آخرون تراجعوا تدريجيا إلى حدود لغاتهم وثقافاتهم، بل إن بعضهم لا يكاد يعرف اليوم خارج الدوائر الأكاديمية المتخصصة.

ومنذ 1901 إلى 2025، حين منحت الجائزة للكاتب المجري لازلو كراسناهوركاي، راكمت نوبل أكثر من قرن من الاختيارات الأدبية التي تسمح لنا بمراقبة هذه الظاهرة. والصدمة بالنسبة إلى كثر قد تكون أن أكثر من نصف المتوجين بالجائزة، لم يبق لهم أثر يذكر، أقله على صعيد الحضور العالمي.

حين تعمل المحلية الشديدة ضد الكاتب

ليس المقصود هنا أن هؤلاء الكتاب كانوا ضعفاء، أو أن الأكاديمية السويدية أخطأت بالضرورة في اختيارهم. مثل هذا الاستنتاج سيكون متسرعا وغير عادل.

بعضهم كان من كبار كتاب عصره، وبعضهم لا يزال يحتفظ بمكانة راسخة في بلده، وبعض أعماله لا يزال يقرأ ويدرس ويترجم. المسألة مختلفة: لماذا لم تتحول قيمة هؤلاء، التي كانت واضحة في لحظة حصولهم على الجائزة، إلى حضور عالمي مستمر؟ ولماذا استطاعت أعمال لم تحصل على نوبل أصلا أن تصبح أرسخ في الذاكرة من أعمال حاز أصحابها أعلى تكريم أدبي في العالم؟ هنا يتحول النوبليون المنسيون من قائمة أسماء طريفة إلى مدخل لفهم الطريقة التي يصنع بها الأدب ذاكرته، والطريقة التي يسقط بها بعضه من هذه الذاكرة.

الكاتب لا يختفي بالضرورة لأن موهبته اختفت، وإنما لأن الشكل الأدبي الذي حمل موهبته قد يتوقف عن أن يكون الشكل الذي يبحث عنه القراء

من الصعب اليوم، خارج إسبانيا، أن يستحضر القارئ اسم خوسيه إتشيغاراي، الذي تقاسم جائزة 1904 مع الشاعر الفرنسي فريديريك ميسترال. كان إتشيغاراي شخصية استثنائية حتى بمعايير عصره: مهندس وأستاذ للرياضيات والفيزياء، وسياسي تولى مناصب وزارية، وكاتب مسرحي غزير الإنتاج. بدأ الكتابة المسرحية متأخرا، لكنه كتب عشرات المسرحيات، وحظي بشعبية كبيرة في إسبانيا. وحين منحته الأكاديمية الجائزة، أشادت بإنتاجه المسرحي الذي أعاد، في نظرها، إحياء تقاليد المسرح الإسباني الكبرى. كان هذا التقدير مفهوما داخل سياق المسرح الأوروبي في نهاية القرن التاسع عشر، لكن المسرح نفسه كان على وشك أن يتغير جذريا. جاءت الواقعية الجديدة، ثم الرمزية، ثم التعبيرية، ثم بريخت، ثم العبث، ثم المسرح السياسي والنفسي الحديث، فتراجع تدريجيا ذلك النوع من المسرح الميلودرامي الذي كان إتشيغاراي أحد أبرز ممثليه. هنا نرى أحد قوانين النسيان الأدبي: الكاتب لا يختفي بالضرورة لأن موهبته اختفت، وإنما لأن الشكل الأدبي الذي حمل موهبته قد يتوقف عن أن يكون الشكل الذي يبحث عنه القراء.

Wikimedia Commons
هنريك بونتوبيدان

والأمر يبدو أوضح مع الدانماركيين كارل أدولف غيلروب وهنريك بونتوبيدان، اللذين تقاسما جائزة 1917. كان غيلروب شاعرا وروائيا ومترجما، وتناول في أعماله صراعات الدين والأخلاق والفرد والمجتمع، بينما ارتبط بونتوبيدان ارتباطا وثيقا بتحولات المجتمع الدانماركي في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. من أهم أعماله رواية "بير المحظوظ"، وهي رواية ترسم رحلة شاب يرفض البيئة الدينية والاجتماعية التي نشأ فيها ويسعى إلى بناء حياته وفق تصوره الخاص، كما تناولت أعماله الأخرى التوتر بين المحافظين والليبيراليين، والتصنيع، والتحولات السياسية والاجتماعية في الدانمارك. وحين منحته الأكاديمية الجائزة، ركزت على "تصويره الأصيل للحياة المعاصرة في الدانمارك". وهنا تكمن المفارقة: الشيء الذي كان جزءا من قوة بونتوبيدان يمكن أن يكون جزءا من سبب تراجع حضوره العالمي. لقد كان شديد الالتصاق بالمجتمع الذي وصفه، وكلما ابتعد القارئ عن ذلك المجتمع احتاج إلى معرفة تاريخية وثقافية أوسع حتى يدخل عالم الرواية. الأدب المحلي يستطيع أن يصبح عالميا، لكنه يحتاج إلى أن يحول خصوصيته إلى تجربة يستطيع القارئ البعيد التعرف إليها.

الأمر نفسه ينطبق على الإسباني خاسينتو بينافينتي، الذي حصل على نوبل سنة 1922. كان بينافينتي من أهم رجال المسرح الإسباني في عصره، وترك عددا ضخما من المسرحيات، وارتبط اسمه بتجديد المسرح الإسباني وبنقد العادات الاجتماعية والطبقية. لكن المسرح، أكثر من الرواية، مرتبط بالبنية الاجتماعية والذوق العام والتمثيل في عصر معين. النص المسرحي يعيش حياة ثانية حين يعاد تمثيله، وحين تعثر عليه فرق مسرحية جديدة، وإلا فإنه يمكن أن يتحول إلى مادة تاريخية. وقد كان بينافينتي، مثل إتشيغاراي، جزءا من تاريخ المسرح الإسباني أكثر مما أصبح جزءا من المسرح العالمي المعاصر.

تغير العوالم والأمزجة

أما البولندي فلاديسلاف ريمونت، الفائز سنة 1924، فيقدم حالة مختلفة. كانت شهرته مرتبطة خصوصا برواية "الفلاحون"، وهي عمل ضخم في أربعة أجزاء، موزعة على الفصول الأربعة: الخريف والشتاء والربيع والصيف. ترسم الرواية حياة قرية بولندية، وعلاقات الأرض والعمل والأسرة والدين والملكية والرغبة والصراع الاجتماعي.

Wikimedia Commons
فلاديسلاف ريمونت

وقد اعتبرت الأكاديمية العمل ملحمة أدبية للحياة الريفية البولندية. لا يصعب اكتشاف عظمة المشروع، لكن تحويل "الفلاحين" إلى قراءة عالمية ليس أمرا بسيطا. فالرواية ليست مجرد حكاية عن الإنسان الريفي، إنها مشبعة بتاريخ المجتمع البولندي وتقاليده ولغته وطبقاته وذاكرته. وكلما ابتعدنا عن هذا السياق احتجنا إلى معرفة إضافية. وهنا يظهر عامل حاسم في صناعة الخلود: الكتاب الذي يستطيع أن يكون محليا وعالميا في آن واحد تكون فرصه أكبر في البقاء من الكتاب الذي تظل مفاتيحه الأساس محصورة في سياقه الأصلي.

خصوصية المكان يمكن أن تمنح الكاتب صوته، لكنها قد تتحول أيضا إلى حاجز أمام الانتشار إذا لم يجد القارئ خارج المكان مدخلا إلى التجربة

الإيطالية غراتسيا ديليدا هي ربما المثل الأكثر إثارة، لأنها لم تكن كاتبة مغمورة حين فازت بنوبل سنة 1926. كانت شهرتها الدولية قد بدأت قبل الجائزة بسنوات، وخصوصا من خلال روايات مثل "إلياس بورتولو" و"الرماد"، وظلت مرشحة للجائزة لسنوات طويلة. وقد تركت أكثر من ثلاثين رواية ومئات القصص القصيرة، وكان عالمها الأدبي شديد الارتباط بسردينيا: الطبيعة، القرية، الدين، الخطيئة، الشرف، العائلة، الرغبة، والقدر. قوتها الأساس كانت في تحويل عالم سردينيا إلى أدب، لكن هذا العالم نفسه أصبح مع مرور الزمن أقل حضورا في الخيال العالمي. لم تختف ديليدا من الأدب الإيطالي، لكنها تراجعت في الثقافة العالمية مقارنة بكتاب إيطاليين آخرين استطاعوا أن يتجاوزوا جغرافيتهم بصورة أكثر مباشرة. إن خصوصية المكان يمكن أن تمنح الكاتب صوته، لكنها قد تتحول أيضا إلى حاجز أمام الانتشار إذا لم يجد القارئ خارج المكان مدخلا إلى التجربة.

AFP
الروائي الفرنسي روجيه مارتان دو غار (يمين) يتسلم جائزة نوبل للآداب في أوسلو، ديسمبر 1937

ومن الأسماء التي تكشف العلاقة بين المجد الأدبي والنسيان الفرنسي روجيه مارتان دو غار، الفائز سنة 1937. ارتبط اسمه خصوصا برواية "آل تيبو"، تلك الرواية النهرية الضخمة التي تتتبع مصائر عائلة في سياق التحولات الاجتماعية والفكرية والسياسية التي سبقت الحرب العالمية الأولى. كان المشروع الروائي في زمنه نموذجا للطموح الأدبي الكبير: عدد كبير من الشخصيات، سنوات طويلة من السرد، نقاشات فكرية، صراعات عائلية، وتحولات سياسية. لكن "آل تيبو" تكشف مشكلة أخرى في الخلود: حجم الكتاب وشكل القراءة نفسه. في زمن تتغير فيه عادات القراءة، ويصبح القارئ أكثر استعجالا، تحتاج الأعمال الضخمة إلى مؤسسات تعيد تقديمها باستمرار. الرواية الطويلة لا تموت، لكنها تصبح أكثر اعتمادا على الجامعات والنقاد والقراء المتخصصين كي تعود إلى التداول العام.

ثم هناك الفنلندي فرانس إميل سيلانبا، الفائز سنة 1939، الذي كان عالمه الأدبي مرتبطا بالريف الفنلندي والطبيعة وبالحياة النفسية للإنسان البسيط. كان أحد أهم الأصوات التي عرفت القارئ الأوروبي إلى الأدب الفنلندي، لكن الأدب الريفي نفسه فقد تدريجيا موقعه المركزي في المخيلة الأدبية العالمية. تغيرت الرواية بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت المدينة، والمنفى، والاستعمار، والاغتراب، والجسد، والسياسة، والهجرة، والهوية موضوعات أكثر إلحاحا. لم يعد الريف الأوروبي يحتل الموقع نفسه الذي كان يحتله في بدايات القرن العشرين. وهكذا يمكن عملا أدبيا كان في لحظته تعبيرا قويا عن الإنسان أن يتحول لاحقا إلى سجل حساس لعالم اجتماعي آخذ في الاختفاء.

الغنائية والعبور بين اللغات

تتكرر المسألة في الشعر بطريقة أكثر قسوة. الإيطالي سالفاتوري كوازيمودو، الفائز سنة 1959، كان من أبرز شعراء القرن العشرين في إيطاليا. بدأ في إطار الشعر الهرمسي، ثم اتجه بعد الحرب العالمية الثانية إلى شعر أكثر انفتاحا على التاريخ والمجتمع والحرب والإنسان. وقد منح نوبل تقديرا لشعره الغنائي الذي عبر، بحسب الأكاديمية، عن التجربة المأسوية للإنسان في العصر الحديث بقوة كلاسيكية. لكن كوازيمودو مثل على المشكلة التي يواجهها الشعر أكثر من الرواية: الشاعر يمكن أن يخسر كثيرا من قوته عندما يعبر اللغة. فالقصيدة ليست فكرة فقط، إنها إيقاع وصوت وتركيب وصورة وإيحاء. قد يصل المعنى إلى اللغة الأخرى، لكن لا يصل بالضرورة ذلك التوتر الموسيقي الذي جعل القصيدة مؤثرة في أصلها.

هكذا يمكن لعمل أدبي كان في لحظته تعبيرا قويا عن الإنسان أن يتحول لاحقا إلى سجل حساس لعالم اجتماعي آخذ في الاختفاء

وهذا ما يمكن أن يقال أيضا عن الإسباني فيسنتي أليكساندري، الفائز سنة 1977، واليوناني أوديسيوس إليتيس، الفائز سنة 1979، والتشيكي ياروسلاف سيفرت، الفائز سنة 1984. أليكساندري كان أحد كبار شعراء جيل 27 الإسباني، وكانت قصيدته تنشغل بالحب والجسد والوجود والطبيعة والإنسان. وإليتيس حمل في شعره البحر والضوء واليونان والتاريخ والحرية، بينما ارتبط سيفرت باللغة والثقافة والذاكرة التشيكية ارتباطا وثيقا. جميعهم يحتلون مكانة مهمة في آدابهم الوطنية، لكنهم لم يصبحوا، خارج لغاتهم، أسماء جماهيرية بالمستوى نفسه الذي بلغه شعراء مثل بابلو نيرودا أو ت. س. إليوت أو ييتس. هنا لا تكفي الجائزة، لأن ترجمة الشعر تحتاج إلى سلسلة كاملة من المترجمين والناشرين والنقاد القادرين على إعادة خلق الصوت الشعري، لا مجرد نقل الكلمات.

Wikimedia Commons
هاري مارتنسون

والأكثر مفارقة هما السويديان إيفيند يونسون وهاري مارتنسون، اللذان تقاسما جائزة 1974. كان يونسون روائيا شديد الاهتمام بالحرية الفردية والتاريخ والأفكار، بينما كان مارتنسون شاعرا وكاتبا ذا سيرة تكاد تبدو رواية في حد ذاتها، فقد عاش طفولة مضطربة، وعمل بحارا، وسافر في بلدان عدة، ثم أصبح أحد الأصوات الشعرية البارزة في السويد. أشهر أعماله "أنيارا"، وهي قصيدة ملحمية طويلة كتبها سنة 1956 عن سفينة فضائية تبتعد عن الأرض بعد كارثة نووية، ثم تضل طريقها في الفضاء. وقد رأت الأكاديمية في مارتنسون شاعرا قادرا على "التقاط قطرة الندى وعكس الكون"، بينما أشادت في يونسون بفنه السردي الذي يخدم الحرية. ومع ذلك تراجع حضور الاسمين عالميا بصورة كبيرة. والمثير في حالة مارتنسون خصوصا أن "أنيارا" تبدو اليوم، في موضوعاتها المتعلقة بالكارثة النووية والبيئة ومصير الإنسان والتكنولوجيا، أكثر راهنية مما قد يوحي به تراجع شهرتها. لكنها لم تحصل على حياة ثانية عالمية شبيهة بالحياة التي حصلت عليها أعمال أخرى من الخيال العلمي والأدب الديستوبي.

ويمثل الأوسترالي باتريك وايت، الفائز سنة 1973، حالة أعقد لأنه كتب بالإنكليزية، أي في اللغة التي تمتلك أقوى سوق أدبي عالمي. منحته الأكاديمية الجائزة عن "فن سردي ملحمي ونفسي أدخل قارة جديدة إلى الأدب"، ومن أهم أعماله "شجرة الإنسان" و"الطائر المريض العين" وغيرهما. كانت رواياته شديدة الطموح، تتناول أوستراليا والروحانية والوحدة والاغتراب والعلاقات الإنسانية، وتميل إلى لغة كثيفة وصور رمزية وتحليل نفسي عميق. حصل وايت على الاعتراف العالمي، لكنه لم يتحول إلى كاتب جماهيري مستمر. وربما تكمن إحدى الإجابات في طبيعة كتابته نفسها: فالعمل الذي يتطلب من القارئ صبرا وتأملا وإقامة طويلة داخل اللغة أقل قدرة على المنافسة في سوق تتحكم فيه أحيانا الحبكة السريعة وسهولة القراءة وقابلية تحويل الرواية إلى فيلم.

الأحداث التاريخية الكبرى نفسها لا تضمن خلود النص الذي يتناولها، فالأدب الذي كتب عنها يحتاج، مع كل جيل، إلى إعادة قراءة حتى لا يتحول من تجربة حية إلى وثيقة تاريخية

ومن اللافت أيضا أن بعض هؤلاء الكتاب كانوا في لحظة فوزهم أكثر حضورا مما هم عليه اليوم. نيلي زاكس، التي تقاسمت جائزة 1966 مع شموئيل يوسف عجنون، مثل على ذلك. كانت زاكس، المولودة في ألمانيا ثم اللاجئة إلى السويد، قد جعلت من تجربة الاضطهاد والمنفى والمحرقة مركزا لشعرها وكتابتها المسرحية. أما عجنون فكان من أهم مؤسسي الأدب العبري الحديث، واستعاد في أعماله الصراع بين التراث اليهودي والعالم الحديث، ومن أشهر أعماله "مظلة العروس". لا يمكن وصف أي منهما بأنه "منسي" بالمعنى المطلق، لكن حضورهما اليوم أكثر تخصصا مما قد يوحي به حجم الاعتراف الذي حصلا عليه. وهذه حالة تكشف أن الأحداث التاريخية الكبرى نفسها لا تضمن خلود النص الذي يتناولها، فالأدب الذي كتب عنها يحتاج، مع كل جيل، إلى إعادة قراءة حتى لا يتحول من تجربة حية إلى وثيقة تاريخية.

شرط إعادة إنتاج القيمة

ومن هنا ربما نصل إلى السبب الأهم في تراجع بعض النوبليين: الأدب لا يعيش بفضل القيمة وحدها، بل بفضل إعادة الإنتاج الثقافي للقيمة. بحتاج الكاتب إلى مترجمين، وإلى ناشرين يعيدون طباعة أعماله، وإلى نقاد يعيدون تفسيرها، وإلى جامعات تدرسها، وإلى كتاب آخرين يتأثرون بها، وإلى قراء يكتشفون فيها شيئا يتجاوز لحظة كتابتها. وقد يملك كاتب كل هذه الشروط في عصره ثم يفقدها بعد موته. وقد يحدث العكس تماما: يعجز كتاب عن تحقيق النجاح عند صدوره، ثم يأتي جيل جديد ويكتشف فيه ما لم يره معاصروه.

ولهذا لا يمكن أن تكون نوبل معيارا نهائيا للخلود. فهي تمنح اعترافا مؤسسيا، لكنها لا تتحكم في مستقبل القراءة. إن وجود كافكا وبورخيس وبروست وجيمس جويس وفيرجينيا وولف في قلب الأدب العالمي، رغم عدم حصول بعضهم على الجائزة أصلا، يثبت أن هناك محكمة أخرى تعمل خارج ستوكهولم: محكمة القراء والزمن. وفي المقابل، فإن تراجع أسماء مثل إتشيغاراي وبونتوبيدان وريمونت وديليدا وكوازيمودو ومارتنسون وأليكساندري وإليتيس ووايت لا يعني أن نوبل أخطأت حين كرمتهم، وإنما يعني أن الزمن أعاد توزيع الأهمية وفق شروط لم تكن لجنة الجائزة قادرة على معرفتها.

Wikimedia Commons
خوسيه إتشيغاراي

ربما لهذا السبب يكون البحث في "النوبليين المنسيين" أكثر إثارة من البحث في النوبليين المشهورين. فالمشهورون يؤكدون لنا ما نعرفه أصلا عن قوة الأدب، أما المنسيون فيطرحون السؤال الصعب: ما الذي يجعل كتابا يبقى؟ هل هي عبقرية الكاتب؟ أم قوة اللغة؟ أم سهولة الترجمة؟ أم قدرة العمل على تجاوز محيطه الوطني؟ أم ملاءمته لكل عصر؟ أم وجود نقاد ومترجمين وناشرين يحرسون ذاكرته؟ لا توجد إجابة واحدة. فديليدا تكشف قوة المكان وحدوده، وبونتوبيدان يكشف خطر المحلية التاريخية، وإتشيغاراي يكشف تغير الأذواق المسرحية، وريمونت يكشف مأزق الرواية الوطنية، وكوازيمودو وأليكساندري وإليتيس وسيفرت يكشفون مأزق الشعر في الترجمة، ومارتان دو غار يكشف مشكلة الأعمال الضخمة، ووايت يكشف أن الكتابة الصعبة لا تكفيها حتى اللغة العالمية، ومارتنسون يذكرنا بأن عملا سابقا لعصره يمكن أن يظل بلا حياة ثانية إذا لم يجد من يعيد اكتشافه.

حين تنتهي الاحتفالات، وتسقط الصور من الصفحات الأولى، وتختفي خطب التكريم، لا يبقى أمام النص سوى امتحانه الأصعب: هل يستطيع قارئ لم يولد بعد أن يفتحه، بعد سبعين عاما أو مئة

إن الخلود الأدبي، في النهاية، ليس مكافأة تمنحها لجنة، وإنما عملية لا تنتهي. الجائزة تستطيع أن تفتح أبواب العالم أمام الكاتب، لكنها لا تستطيع أن تجبر القراء على عبورها بعد خمسين أو مئة سنة. تستطيع أن ترفع كتابا إلى الواجهة، لكنها لا تستطيع أن تمنحه قارئا جديدا. بل إن تاريخ نوبل نفسه يثبت أن الاعتراف والخلود شيئان مختلفان: الأول يمكن أن يحدث في مساء واحد في ستوكهولم، أما الثاني فقد يحتاج إلى قرن كامل، وربما لا يحدث أبدا.

وهذا هو الدرس الأكثر إثارة الذي تقدمه لنا أسماء هؤلاء النوبليين الذين خفت ضوؤهم: الجائزة تمنح الكاتب الشهرة، لكن الكتاب هو الذي عليه أن ينجو منها. فحين تنتهي الاحتفالات، وتسقط الصور من الصفحات الأولى، وتختفي خطب التكريم، لا يبقى أمام النص سوى امتحانه الأصعب: هل يستطيع قارئ لم يولد بعد أن يفتحه، بعد سبعين عاما أو مئة، ويجد فيه شيئا يمس حياته هو؟ إذا استطاع، فقد انتصر على الزمن. وإذا لم يستطع، فلن تنقذه حتى نوبل.

لكن المؤكد أن نوبل لا تستطيع أن تمنح أحدا ما وعدت به ضمنيا منذ أكثر من قرن: الخلود.  الخلود الأدبي لا تمنحه الأكاديمية السويدية، ولا تمنحه الميدالية، ولا يضمنه عدد الترجمات التي صدرت بعد إعلان الجائزة. الخلود هو أن يبقى النص قادرا على إنتاج قارئ جديد. وهذا، في النهاية، شيء لا تستطيع أي جائزة أن تقرره.

font change

مقالات ذات صلة