لم تعد الرسوم الجمركية الأميركية مجرد أداة لرفع تكلفة الواردات أو حماية بعض الصناعات المحلية. فمع اتساع نطاقها وتغيرها المتكرر، بدأت تؤثر في قرارات الشركات في شأن مصادر الواردات، وسلاسل الإمداد، ومواقع الإنتاج، والأسواق البديلة. والنتيجة لا تبدو حتى الآن في صورة انحسار شامل للتجارة العالمية، بقدر ما هي في إعادة توزيع جزء منها بين مراكز إنتاج وأسواق وممرات تجارية متعددة.
وتكشف البيانات الأميركية والكندية والأوروبية، إلى جانب التطورات في آسيا والخليج، عن ثلاث حركات متزامنة: تغير في خريطة الواردات الأميركية، إعادة حساب للعلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين، فضلا عن اتساع دور الاقتصادات التي تستطيع توفير بدائل في الإنتاج أو النقل أو الأسواق.
الخريطة الأولى: الواردات الأميركية تتجه بعيدا عن الصين
أحد أوضح المؤشرات الى إعادة تشكيل خريطة التجارة الأميركية يظهر في توزيع الواردات بحسب مصادرها. فقد أظهر تحليل لمعهد "ماكينزي" العالمي للفترة من يناير/كانون الثاني إلى مايو/أيار 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، تراجع حصة الصين من إجمالي الواردات الأميركية بمقدار 2.7 نقطة مئوية، مقابل ارتفاع حصة دول رابطة "آسيان" 4.6 نقاط مئوية، وحصة بقية منطقة آسيا والمحيط الهادئ 3.7 نقاط. في المقابل، انخفضت حصة أوروبا 8.1 نقاط مئوية، وهو تراجع عكس إلى حد كبير انحسار موجة الاستيراد المبكر في 2025، ولا سيما في الكيماويات والأدوية والذهب، وامتد أيضا إلى فئات أخرى، بينها السيارات.
هذه الأرقام لا تعني أن الواردات الأميركية انتقلت ببساطة من الصين إلى دولة أخرى. فمعهد "ماكينزي" نفسه يحذر من أن بلد المنشأ لا يكشف بالضرورة عن مكان توليد القيمة المضافة، لأن بعض الاقتصادات الآسيوية أصبحت حلقات وسيطة في سلاسل إنتاج تضم مدخلات صينية وغيرها. لكن الاتجاه الأساس واضح، وهو أن تنويع مصادر الواردات الأميركية يتقدم، ولا يعني بالضرورة إعادة الإنتاج إلى الولايات المتحدة.








