27.6 مليون شخص عالقون في العمل القسري عالميا والشرق الأوسط يسجل أعلى معدل انتشار
رويترز
لافتة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب معلّقة خارج مبنى وزارة العدل، في اليوم الذي شنّت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، في واشنطن العاصمة، 28 فبراير/شباط 2026
أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب قضية "العمل القسري" إلى واجهة النقاش التجاري العالمي، بعدما فرضت إدارته رسوما جمركية إضافية على واردات من عشرات الاقتصادات، بحجة أن هذه الدول لا تفرض حظرا فعالا على السلع المصنوعة بالعمل القسري أو لا تطبقه بصورة كافية. وترى واشنطن أن السماح بدخول هذه السلع يمكن أن يمنح المنتجين ميزة تنافسية غير عادلة عبر خفض تكاليف الإنتاج.
تعرّف منظمة العمل الدولية العمل القسري بأنه كل عمل أو خدمة تُفرض على شخص تحت التهديد بعقوبة ومن دون أن يكون قد عرض نفسه للعمل طوعا، وهو تعريف أقرته اتفاقية العمل الجبري رقم 29 لعام 1930. ولا يقتصر العمل القسري على الإكراه البدني، بل قد يشمل أشكالا أخرى من التهديد أو الإكراه، وقد يتداخل في بعض الحالات مع ممارسات العبودية الحديثة.
يختلف العمل غير الطوعي من مجتمع إلى آخر حسب حجم الاقتصاد ومستوى التقدم الاجتماعي والحقوقي، لكنه يشكل خرقا في مجال التجارة العالمية، واعتداء على الحريات الفردية والجماعية، وسرقة لجيوب فئات ضعيفة من المجتمع فرضت عليها ظروفها أن تكون في خانة الفاقة والحاجة والاحتياج.
أعاد ترمب قضية العمل القسري إلى صدارة التجارة العالمية، عبر فرض رسوم إضافية على واردات من عشرات الاقتصادات بدعوى ضعف حظر السلع المنتجة بالعمل القسري أو عدم تطبيقه بفاعلية
وترتبط الهجرة غير الشرعية والنزوح الجماعي ارتباطا وثيقا بالعمل القسري. وفي كثير من الأحيان، يكون هؤلاء الأشخاص عرضة للاستغلال المفرط والاتجار في البشر، لعدم امتلاكهم وضعية قانونية تحميهم، مما يجعلهم مجبرين على القيام بمهام في ظروف غير إنسانية.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدلي بتصريحات حول الرسوم الجمركية المتبادلة خلال فعالية في حديقة الورود بالبيت الأبيض، واشنطن العاصمة، 2 أبريل/نيسان 2025.
وتتعرض النساء والفتيات لأنواع من الاستغلال الجنسي، ويُستغل الأطفال القاصرون في أعمال تفوق أعمارهم وتحرمهم مواصلة التعليم والتأهيل. وهناك عصابات إجرامية تجند أطفالا في أعمال يعاقب عليها القانون الدولي مثل الاتجار في المخدرات وحتى الأعمال القتالية والإرهاب.
236 مليار دولار عائدات العمل القسري سنويا
قدرت منظمة العمل الدولية الأرباح غير المشروعة الناتجة من العمل القسري في الاقتصاد الخاص العالمي بأكثر من 236 مليار دولار سنويا. وزادت هذه القيمة 37 في المئة منذ آخر إحصاء كان عام 2014.
وتتحدث مصادر أممية عن اتساع نطاق العمل القسري بسبب الحروب والنزاعات والنزوح الجماعي والانقطاع الدراسي وغيرها. وتشير أحدث التقديرات العالمية لمنظمة العمل الدولية واليونيسف إلى أن نحو 138 مليون طفل كانوا منخرطين في عمالة الأطفال حول العالم عام 2024، بينهم 59 مليون فتاة و78 مليون فتى، فيما كان نحو 54 مليونا منهم يعملون في أشغل خطرة تهدد صحتهم وسلامتهم أو نموهم. وهذا يمثل نحو 8 في المئة من مجموع أطفال العالم. وهناك 54 مليون طفل يعملون في أنشطة خطرة تهدد صحتهم.
تبلغ الأرباح غير المشروعة الناتجة من العمل القسري في الاقتصاد الخاص العالمي أكثر من 236 مليار دولار سنويا
وبين 2020 إلى 2024 انخفضت عمالة الأطفال بنحو 22 مليون طفل مما يِؤشر الى نجاعة التعاون الدولي في حماية حقوق الأطفال خاصة في المناطق الريفية. لكن الطريق لا يزال طويلا حيث يعمل ملايين الأطفال في الزراعة بنسبة 61 في المئة، في الخدمات المنزلية 27 في المئة، ويعمل 13 في المئة في الصناعة والبناء والتعدين.
الهجرة غير النظامية ومخاطر السقوط في العمل القسري
يستعد الاتحاد الأوروبي لتطبيق لائحة العمل القسري (EUFLR) اعتبارا من 14 ديسمبر/كانون الأول 2027، وتحظر طرح أو إتاحة المنتجات المصنّعة باستخدام العمل القسري في سوق الاتحاد الأوروبي، كما تحظر تصدير هذه المنتجات من الاتحاد، سواء صُنّعت كليا أو جزئيا بالعمل القسري، وبغض النظر عن بلد منشأ المنتج أو القطاع الذي ينتمي إليه.
سيمنع دخول البضائع التي فيها شكوك بالعمل القسري، واعتماد آليات لتدقيق وتقييم المخاطر الاقتصادية والاجتماعية، وتحليل البيانات المرتبطة بهذا النوع من الاقتصاد غير المشروع وتبادل المعطيات مع الدول الشريكة للاتحاد.
ولا تزال تقديرات حجم العمل القسري في أوروبا تواجه فجوات في البيانات، إلا أن أحدث تقديرات منظمة العمل الدولية تشير إلى وجود نحو 4.1 مليون شخص في حالات العمل القسري في أوروبا وآسيا الوسطى. وتشمل هذه التقديرات ضحايا العمل القسري بصرف النظر عن وضعهم القانوني، فيما يمثل المهاجرون غير النظاميين إحدى الفئات الأكثر عرضة للاستغلال بسبب هشاشة أوضاعهم القانونية والاقتصادية.
وتبرز إسبانيا في هذا السياق بعدما أعلنت حكومتها في يناير/كانون الثاني 2026 خطة لتسوية أوضاع نحو 500 ألف مهاجر غير نظامي، في خطوة أثارت تحفظات وانتقادات من عدد من الدول الأوروبية، بينها إيطاليا وألمانيا، وسط مخاوف من أن تؤدي إلى زيادة حوافز الهجرة أو انتقال جزء من المهاجرين إلى دول أوروبية أخرى.
يشير أحدث تقديرات منظمة العمل الدولية إلى وجود نحو 4.1 مليون شخص في حالات العمل القسري في أوروبا وآسيا الوسطى
ويفيد مركز البحث والتحليل في شأن الهجرة (CReAM) التابع لـ"آر أف برلين" (RFBerlin) بأن عدد السكان المولودين خارج بلدانهم والمقيمين في الاتحاد الأوروبي بلغ مستوى قياسيا عند 64.2 مليون شخص عام 2025، بزيادة نحو 2.1 مليون شخص مقارنة بعام 2024، استنادا إلى بيانات يوروستات ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وفي أواخر يوليو/تموز 2026، شهدت سبتة، الجيب الإسباني في شمال أفريقيا، موجة تدفق غير مسبوقة، إذ قدرت السلطات الإسبانية أن أكثر من 70 ألف شخص حاولوا دخولها بصورة غير نظامية خلال أيام. وأوضحت مؤسسات أوروبية أن المهاجرين من دول ثالثة الذين دخلوا المدينة بصورة غير نظامية لا يتمتعون بحق حرية التنقل إلى إسبانيا القارية أو بقية منطقة "شنغن"، مما يعني أن دخول سبتة لا يمنح تلقائيا حق الانتقال إلى بقية فضاء حرية الحركة الأوروبي.
أشخاص يغادرون سبتة باتجاه الحدود المغربية، 31 يوليو/تموز 2026
وعاد معظم الذين دخلوا سبتة إلى المغرب خلال الأيام التالية، فيما بقي آلاف الأشخاص في المدينة، بينهم قاصرون غير مصحوبين، على أمل إيجاد مسار يتيح لهم البقاء في الأراضي الإسبانية أو الانتقال لاحقا إلى إسبانيا القارية.
وأبدت منظمات حقوقية وإنسانية مخاوف من تعرض من تبقوا داخل المدينة، وخصوصا القاصرين غير المصحوبين والفتيات، للإساءة والاستغلال والاتجار بالبشر، في ظل اكتظاظ مرافق الإيواء ونقص أماكن الحماية والرعاية المتخصصة.
وفي قراءة لأزمة الهجرة، يطرح المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD) في طنجة تساؤلات حول دوافع الشباب المغاربة للمخاطرة بالهجرة، وعلاقة ذلك بفرص العمل والواقع التنموي وسوق العمل، معتبرا أن أزمة الهجرة تطرح تحديات أمام النموذج التنموي وقدرة المؤسسات على الاستجابة لتطلعات الشباب.
وتمثل الهجرة نحو أوروبا طموحا لغالبية شباب دول المغرب العربي الباحثين عن عمل بشروط وعائد مالي أفضل. وتبرز الجالية المغاربية بقوة في خريطة الهجرة الأوروبية، ولا سيما في فرنسا. فوفق أحدث بيانات المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء، كان الجزائريون يمثلون 12.6 في المئة من إجمالي المهاجرين المقيمين في فرنسا عام 2025، يليهم المغاربة بنسبة 11.7 في المئة، بينما بلغت حصة التونسيين 4.9 في المئة.
وتُعدّ ألمانيا من أكبر الدول الأوروبية استقبالا للمهاجرين واللاجئين، وكانت أكبر دول الاتحاد الأوروبي استقبالا لطلبات اللجوء الأولى في 2024، إذ سجلت نحو 230 ألف طلب، فيما شكل السوريون أكبر مجموعة من طالبي اللجوء في الاتحاد بـ148 ألف طلب.
وبحسب بيانات "يوروستات"، بلغ عدد المواطنين غير الحاملين جنسية دول الاتحاد الأوروبي المقيمين في دول التكتل 30.6 مليون شخص في الأول من يناير/كانون الثاني 2025، تصدرتها ألمانيا بنحو 12.4 مليونا، تلتها إسبانيا بـ6.9 مليون، وفرنسا بـ6.5 مليون، وإيطاليا بـ5.4 مليون. وتشكل الدول الأربع مجتمعة نحو 69.7 في المئة من إجمالي المواطنين غير الأوروبيين المقيمين في الاتحاد. وعلى المستوى العالمي، بلغ عدد المهاجرين الدوليين نحو 304 ملايين شخص في 2024، بما يعادل 3.7 في المئة من سكان العالم، وفق الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة.
العمل القسري ميزة إنتاجية غير عادلة
طبقت الإدارة الأميركية في يوليو/تموز 2026 رسوما جمركية إضافية بنسبة 10 في المئة أو 12.5 في المئة على واردات من 60 اقتصادا، في إطار إجراءات مرتبطة بما وصفته واشنطن بإخفاق هذه الاقتصادات في حظر استيراد السلع المنتجة بالعمل القسري أو إنفاذ هذا الحظر بفاعلية. وشملت القائمة شركاء تجاريين رئيسين مثل الصين والاتحاد الأوروبي والهند، إلى جانب عدد من الدول العربية، مع اختلاف المعدلات وآلية احتسابها بحسب الرسوم القائمة والاتفاقيات التجارية المطبقة.
وأبقيت بعض الإعفاءات التي تغطي مواد غذائية وزراعية وطاقية وتكنولوجية ومواد أولية وتجهيزية لا يتم إنتاجها بشكل كاف داخل الولايات المتحدة.
عمال مهاجرون يعملون في موقع بناء في منطقة أسباير زون في الدوحة، قطر، 26 مارس/آذار 2016
ويحذر محللون من أن التعريفات الجديدة قد تضيف ضغوطا على الأسعار والتضخم، في وقت تبدو فيه قريبة من حيث الأثر والمعدلات من الرسوم التي فرضها ترمب في إطار ما عُرف بـ"يوم التحرير"، قبل أن تحكم المحكمة العليا بعدم قانونية أساسها القانوني. ويطرح ذلك تساؤلات حول ما إذا كانت الرسوم الجديدة أداة تجارية لتصحيح ممارسات اقتصادية تعتبرها واشنطن غير عادلة، أم أنها تتحول إلى وسيلة سياسية لإعادة تشكيل شروط المنافسة مع اقتصادات تتهمها الولايات المتحدة بالتساهل مع العمل القسري.
وتنظر إدارة الرئيس ترمب إلى العمل القسري باعتباره قضية تتجاوز حقوق الإنسان إلى قواعد المنافسة التجارية، إذ ترى أن الاقتصادات التي لا تفرض حظرا فعالا على استيراد السلع المنتجة بالعمل القسري تمنح منتجيها "ميزة غير عادلة" مقارنة بالمنافسين الأميركيين. وفي ملف منفصل، تتعامل الإدارة مع الهجرة غير النظامية باعتبارها قضية تتصل بأمن الحدود والأمن العام ومكافحة المخدرات والجريمة، إلا أن هذه الاعتبارات ليست الأساس المعلن للرسوم الجديدة المرتبطة بالعمل القسري. ويُقدّر عدد المهاجرين غير النظاميين المقيمين في الولايات المتحدة بنحو 14 مليون شخص عام 2023، وفق "مركز بيو للأبحاث" (Pew Research Center)، وهو ما يعادل نحو 4.1 في المئة من سكان البلاد و27 في المئة من إجمالي المهاجرين المقيمين فيها.
حذر محللون من أن التعريفات الجديدة قد تضيف ضغوطا على الأسعار والتضخم، في وقت تبدو فيه قريبة من حيث الأثر والمعدلات من الرسوم التي فرضها ترمب في إطار ما عُرف بـ"يوم التحرير"، قبل أن تحكم المحكمة العليا بعدم قانونية أساسها القانوني
وتواجه الصادرات الأميركية بدورها تحديات في بعض الأسواق التي تفرض قيودا أو حواجز تجارية، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى الحد من المنافسة التي تعتبرها غير عادلة، بما في ذلك السلع المنتجة باستخدام العمل القسري. وفي يونيو/حزيران 2026، بلغ العجز الأميركي في تجارة السلع والخدمات 73.3 مليار دولار، وفق بيانات مكتب الإحصاء الأميركي ومكتب التحليل الاقتصادي، في مؤشر الى استمرار الفجوة بين قيمة الواردات والصادرات. كما لوحظ تراجع في العجز الخارجي فبلغت الصادرات 314.7 مليار دولار أما الواردات، فبلغت 388 مليار دولار.
وقد تسهم الرسوم الجديدة في الحد من بعض الواردات الأميركية من الاقتصادات المستهدفة، لكن أثرها في العجز التجاري خلال الأشهر المقبلة يظل رهنا بتطور الواردات والصادرات وردود الشركاء التجاريين. وتأتي هذه الرسوم تنفيذا لإجراءات اتخذتها واشنطن بموجب المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974، على خلفية ما اعتبرته إخفاقا من اقتصادات عدة في حظر استيراد السلع المنتجة بالعمل القسري أو إنفاذ هذا الحظر بفاعلية. ويتقاطع ذلك مع الإطار الدولي لمكافحة العمل القسري، ولا سيما اتفاقية العمل الجبري رقم 29 لمنظمة العمل الدولية، التي اعتمدها مؤتمر العمل الدولي في جنيف في 28 يونيو/حزيران 1930.
28 مليون من عمال الرق الاقتصادي
وعلى الرغم من مرور 96 عاما على اعتماد اتفاقية منظمة العمل الدولية في شأن العمل الجبري رقم 29، لا يزال العمل القسري يشكل انتهاكا واسع النطاق لحقوق الإنسان، إذ تقدر منظمة العمل الدولية وجود 27.6 مليون رجل وامرأة وطفل في حالات عمل قسري حول العالم، وفق أحدث تقديراتها العالمية.
عامل مهاجر يحمل عموداً في موقع بناء في العاصمة القطرية الدوحة، 6 ديسمبر/كانون الأول 2016
وتغض بعض الحكومات الطرف عن ممارسات اقتصادية محلية للحفاظ على بعض التنافسية الخارجية. ويشير تقرير صادر عن منظمة العمل الدولية الى أن نحو 28 مليون شخص سقطوا في فخ ما يعرف بالعمل القسري وهو نوع من العبودية الحديثة، وتصل الأرباح غير القانونية المتأتية من هذا الاستغلال إلى نحو 236 مليار دولار سنويا.
ويتركز العمل القسري بدرجة كبيرة في الاقتصاد الخاص، إذ تشير منظمة العمل الدولية إلى أن 86 في المئة من حالات العمل القسري يفرضها فاعلون من القطاع الخاص، منها 63 في المئة في أنشطة الاقتصاد الخاص باستثناء الاستغلال الجنسي التجاري، و23 في المئة في الاستغلال الجنسي التجاري القسري.
وتعد العمالة المهاجرة من الفئات الأكثر عرضة للعمل القسري، إذ يزيد معدل انتشار العمل القسري بين العمال المهاجرين البالغين بأكثر من ثلاثة أضعاف مقارنة بغير المهاجرين، وفق منظمة العمل الدولية. وترتبط هذه الهشاشة، من بين عوامل أخرى، بضعف الحماية القانونية وعدم القدرة على ممارسة الحقوق، ولا سيما عندما تكون الهجرة غير نظامية أو سيئة الإدارة، أو عندما يواجه العامل صعوبات في الحصول على تصاريح العمل والإقامة أو الاستفادة من الحماية الاجتماعية وآليات الانتصاف.
لكن ذلك لا يمنع وجود عمل قسري شبه قانوني تقوم به الحكومات والقطاع العام. وتشير أرقام منظمة العمل الدولية الى أن 14 في المئة من العمل القسري تفرضها الدولة، أي نحو أربعة ملايين شخص عبر العالم.
يتركز العمل القسري بدرجة كبيرة في الاقتصاد الخاص، إذ تشير منظمة العمل الدولية إلى أن 86 في المئة من حالات العمل القسري يفرضها فاعلون من القطاع الخاص، منها 63 في المئة في أنشطة الاقتصاد الخاص باستثناء الاستغلال الجنسي التجاري
يمثل الاستغلال الجنسي التجاري القسري أكثر من ثلثي الأرباح غير المشروعة الناتجة من العمل القسري، بنحو 73 في المئة من الإجمالي.
ويرجع ذلك إلى الفارق الكبير في الأرباح التي يحققها المستغِل عن كل ضحية، إذ تبلغ نحو 27,252 دولارا سنويا لكل ضحية في الاستغلال الجنسي التجاري القسري، مقابل 3,687 دولارا في أشكال الاستغلال الأخرى للعمل القسري غير المفروض من الدولة.
وتأتي الصناعة في المرتبة الثانية من حيث الأرباح غير المشروعة، بنحو 35 مليار دولار سنويا، تليها الخدمات بـ20.8 مليار دولار، ثم الزراعة بـ5 مليارات دولار، والعمل المنزلي بـ2.6 مليار دولار.
المنطقة العربية في مقدم العمل القسري
تقدر منظمة العمل الدولية عدد الأشخاص الواقعين في العمل القسري في منطقة آسيا والمحيط الهادئ بنحو 15.1 مليون شخص، أي أكثر من نصف إجمالي ضحايا العمل القسري عالميا. تليها أوروبا وآسيا الوسطى 4.1 بمليون شخص، وأفريقيا بـ 3.8 مليون شخص، والأميركيتان الشمالية والجنوبية 3.6 مليون شخص، والدول العربية 0.9 مليون شخص. وعلى الرغم من أن هذا الرقم الأخير يبدو صغيرا قياسا بمناطق أخرى في العالم لديها عمالة قسرية أكبر، إلا أن الدول العربية تحوز أعلى معدل في الكثافة قياسا بعدد السكان يقدر بـ 5.3 شخص من كل ألف شخص، وهو الأعلى عالميا مقابل 4.4 حالات في أوروبا وآسيا الوسطى.
امرأة سودانية نازحة تحمل حاويات مياه بلاستيكية في مخيم أبو النجا للنازحين بولاية القضارف، على بُعد نحو 420 كيلومتراً شرق العاصمة الخرطوم، 6 فبراير/شباط 2026
فقد تأثرت المنطقة العربية بآثار الصراعات والحروب المتعاقبة وحالة عدم الاستقرار السياسي والصدمات الاقتصادية والربيع العربي والتغيرات المناخية، مما دفع نحو العبودية الحديثة ملايين الأشخاص وفق المنظمات الدولية.
وتشير تقديرات مؤشر العبودية العالمي إلى أن أكثر من 20 مليون لاجئ وطالب لجوء ونازح داخليا ينحدرون من الدول العربية، فيما تستضيف المنطقة نحو 14.5 مليون شخص ممن أُجبروا على النزوح.
وتتصدر الدول العربية أيضا قائمة أكبر أزمات النزوح القسري عالميا، إذ كان السودان أكبر حالة نزوح في العالم، مع نحو 13.4 مليون لاجئ وطالب لجوء ونازح داخليا في منتصف 2025، يليه عدد من أكبر أزمات النزوح في المنطقة، وفي مقدمتها سوريا، وفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وتشير بيانات المفوضية إلى وجود نحو 3.8 مليون لاجئ سوري مسجل خارج البلاد مطلع 2026، بعد عودة أكثر من 1.5 مليون لاجئ إلى سوريا منذ ديسمبر/كانون الأول 2024. ولا يزال أكثر من 12 مليون سوري في عداد النازحين قسرا، بمن فيهم نحو 6 ملايين لاجئ تستضيفهم دول أخرى.
تتصدر الدول العربية قائمة أكبر أزمات النزوح القسري عالميا، إذ كان السودان أكبر حالة نزوح في العالم، مع نحو 13.4 مليون لاجئ وطالب لجوء ونازح داخليا في منتصف 2025، يليه عدد من أكبر أزمات النزوح في المنطقة، وفي مقدمتها سوريا
ويقدر مؤشر العبودية العالمي أن نحو 1.7 مليون شخص كانوا يعيشون في ظروف العبودية الحديثة في الدول العربية عام 2021، بمعدل انتشار بلغ 10.1 حالة لكل ألف نسمة، وهو الأعلى عالميا بين المناطق التي شملها المؤشر. وشكل العمل القسري 52 في المئة من الحالات، مقابل 48 في المئة للزواج القسري.
وتعاني المنطقة العربية من آثار الصراعات المطولة في العراق ولبنان وسوريا واليمن وغزة، كما أن الثروة النفطية وتقدم اقتصاد بعض الدول يجلب لها عمالا يشتغلون في ظروف غير ملائمة قادمين من داخل آسيا والمحيط الهادئ وأفريقيا. ويشير تقرير مؤشر العبودية العالمي إلى أن نظام الكفالة التقليدي، الذي يربط العمال المهاجرين بأصحاب العمل ويمنحهم في بعض الحالات سيطرة واسعة على دخول العامل وإقامته وعمله وتنقله، يزيد هشاشة العمالة الوافدة أمام الاستغلال والعمل القسري، ولا سيما في قطاعات العمل المنزلي والبناء والضيافة.
لاجئون سوريون يتظاهرون في مخيم تابع لمركز احتجاز في اليونان في 3 أبريل/نيسان 2016
وأدت النزاعات والأزمات والحروب وعدم الاستقرار في بعض أجزاء المنطقة إلى ضعف الرقابة وتراجع حماية الفئات الهشة واللاجئين.
وفي شمال أفريقيا، تصدرت موريتانيا دول المنطقة من حيث انتشار العبودية الحديثة، إذ قدر مؤشر العبودية العالمي وجود 32 شخصا في أوضاع العبودية الحديثة لكل ألف نسمة عام 2021، أي نحو 149 ألف شخص، لتحتل المرتبة الثالثة عالميا بعد كوريا الشمالية وإريتريا، والثانية أفريقيا بعد إريتريا.
ويتداخل ذلك مع عقود من الصراعات وعدم الاستقرار في أجزاء واسعة من المنطقة، التي دفعت ملايين الأشخاص إلى النزوح والهجرة، وزادت هشاشة بعض الفئات، وخصوصا المهاجرين والنساء والأطفال، أمام مخاطر العمل القسري والاستغلال والاتجار بالبشر.
وزادت في السنوات الأخيرة وتيرة جرائم الاتجار بالبشر وتعددت مجالاته وضحاياه خاصة سكان المخيمات.
وتعتبر الأمم المتحدة الاتجار بالأشخاص انتهاكا جسيما لحقوق الإنسان وجريمة عابرة للحدود تتطلب تعاونا دوليا لمكافحتها، فيما ترتبط هذه الجريمة بشبكات إجرامية منظمة تستغل الفئات الأكثر هشاشة، خصوصا النساء والأطفال والمهاجرين. ويأتي الاتجار بالأشخاص ضمن مجموعة من الممارسات التي تندرج تحت مظلة "العبودية الحديثة"، التي قدر تقرير مشترك لمنظمة العمل الدولية والمنظمة الدولية للهجرة و"واك فري" (Walk Free) عدد ضحاياها بنحو 50 مليون شخص في عام 2021، بينهم 27.6 مليونا في العمل القسري و22 مليونا في الزواج القسري.
أميركا مستفيدة من التجارة مع العرب فلماذا تفرض رسوما جديدة؟
ارتفع ثمن السلع والبضائع العربية المتجهة نحو الأسواق الأميركية بنسبة 12.5 في المئة طبقا لرسوم العمل القسري، مع استثناء بعض المجالات والمواد، في مقدمها الأسمدة وبعض أنواع الطاقة والحديد ومنتجات زراعية وغيرها. لكن من يتابع هذه التجارة سيلاحظ أن المستهلك الأميركي سيدفع أكثر مقابل تلك السلع أيا يكن مصدرها الجغرافي.
وخلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى أبريل/ نيسان بلغت الصادرات الأميركية إلى العالم العربي 27.5 مليار دولار بزيادة 18.4 في المئة عن الفترة نفسها من عام 2025 في حين ظلت الواردات مستقرة، واتسع الفائض التجاري الأميركي مع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وبلغ 12.45 مليار دولار حتى نهاية نيسان/أبريل مغطيا 4 أشهر من المبادلات، وفق غرفة التجارة الأميركية العربية (NUSACC). وهذا رقم يأخذ في الاعتبار أن الولايات المتحدة تسجل عجزا تجاريا كبيرا مع عدد من أكبر شركائها التجاريين، في مقدمتهم المكسيك والصين وكندا، بينما تحولت بعض العلاقات التجارية الأخرى إلى فائض لصالح واشنطن خلال 2026، ومنها التجارة مع البرازيل والاتحاد الأوروبي في تجارة السلع.
وفي عام 2025 بلغت تجارة الولايات المتحدة مع 22 دولة عربية 121.7 مليار دولار، بلغت منها الصادرات الأميركية إلى الدول العربية 78.66 مليار دولار، فيما بلغت الصادرات العربية إلى الولايات المتحدة 43 مليار دولار وزادت المبادلات مع العالم العربي بنسبة 14.7 في المئة العام الماضي.
بلغت الصادرات الأميركية إلى العالم العربي 27.5 مليار دولار بزيادة 18.4 في المئة عن الفترة نفسها من عام 2025
وتجدر الإشارة إلى أن الرسوم الجمركية لا تمثل حلا يستفيد منه أي من الطرفين، الأميركي أو العربي، فمشكلة العمل القسري في المنطقة العربية ترتبط بدرجة كبيرة بالحروب وعدم الاستقرار والنزوح، وليس في الضرورة بمحاولة تحقيق ميزة تنافسية للصادرات، كما قد يكون الحال في بعض الاقتصادات الآسيوية.
من ثم، فإن المساعدة الأميركية في إحلال السلام وترسيخ الاستقرار وتهيئة الظروف لعودة النازحين والمهجرين إلى ديارهم تبدو أكثر فاعلية في معالجة جذور المشكلة من فرض الرسوم الجمركية. فاستعادة الاستقرار وخلق فرص العمل والحماية الاجتماعية يمكن أن تضع المنطقة على مسار أكثر استدامة نحو الازدهار والرفاه وتحقيق أهداف التنمية المستدامة لعام 2030، وتعزيز التزام مبادئ اتفاقية منظمة العمل الدولية في شأن العمل الجبري لعام 1930.
فالحد من العمل القسري لا يتحقق بالتجارة العقابية وحدها، إنما بمعالجة أسبابه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حتى لا تدفع الحروب وعدم الاستقرار العالم إلى التراجع قرنا إلى الوراء في مكافحة العمل القسري والعبودية الحديثة.