حان الوقت لتعيد بكين النظر في سياستها تجاه الحوثيين

تجد نفسها أمام هامش ضيق للمناورة

رويترز- المجلة
رويترز- المجلة

حان الوقت لتعيد بكين النظر في سياستها تجاه الحوثيين

بين 6 و11 أكتوبر/تشرين الأول، شن الحوثيون سلسلة من الهجمات الدامية على مطار الملك خالد الدولي في الرياض أسفرت عن مقتل 20 مدنيا وإصابة أكثر من 370 آخرين. كما حاولوا استهداف مطار الملك فهد الدولي في الدمام، لكن الدفاعات الجوية تمكنت من اعتراض تلك الهجمات.

وسبق للحوثيين أن استهدفوا المدنيين والمنشآت المدنية في السعودية. فمنذ تجدد الصراع بين المملكة والجماعة في وقت سابق من العام الجاري، شن الحوثيون هجمات متكررة على منشآت نفطية في أنحاء البلاد أوقعت خسائر بشرية فادحة وألحقت أضرارا جسيمة.

وتكشف الهجمات الأخيرة عن تطور مقلق في قدرات الجماعة. ففي السابق، كانت معظم صواريخ الحوثيين وطائراتهم المسيرة تخطئ أهدافها أو تعترضها الدفاعات الجوية، ولم يصب أهدافه سوى عدد محدود منها. أما اليوم، فقد ارتفعت نسبة نجاح هجماتهم بصورة ملحوظة.

ومن الواضح أن الحوثيين وإيران، الداعمة لهم، واصلوا تعزيز ترسانة الجماعة من الصواريخ والطائرات المسيرة منذ هدنة عام 2022، رغم حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة والحصار الذي تقوده السعودية.

وزادت الحرب الأميركية على إيران الوضع تعقيدا، بعدما وجدت السعودية نفسها عالقة وسط تبادل الضربات. فقد استنزفت الهجمات المتكررة التي شنتها إيران والجماعات الموالية لها معظم مخزون المملكة من الصواريخ الاعتراضية. وفي الظروف المعتادة، كان بوسع الولايات المتحدة، أكبر مورد للسلاح إلى السعودية، أن تسارع إلى تعويض هذا النقص.

لكن الولايات المتحدة تواجه هي الأخرى نقصا في مخزونها من الصواريخ الاعتراضية، فيما تعجز طاقتها الإنتاجية عن تلبية احتياجاتها العسكرية في المدى القريب. ومع استمرار احتمال تجدد المواجهة مع إيران، تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى إعطاء الأولوية لاحتياجاتها الدفاعية، ما يترك حليفتها السعودية أكثر عرضة لهجمات الحوثيين.

وتثير هذه التطورات قلق بكين. فقد أدانت الهجمات، على عادتها، ودعت إلى ضبط النفس وخفض التصعيد والعودة إلى طاولة المفاوضات، في موقف ينسجم مع نهجها التقليدي إزاء صراعات الشرق الأوسط. غير أن المخاطر هذه المرة أكبر بكثير، وربما حان الوقت لتقدم الصين دعما أكثر جدية للسعودية يتجاوز الدعوات الدبلوماسية المعتادة.

إمدادات الصين النفطية في خطر

اقتصاديا، تهدد هجمات الحوثيين بتقليص إمدادات النفط الخام إلى الصين، وما قد يترتب على ذلك من أضرار باقتصادها. فالسعودية هي ثاني أكبر مورد للنفط الخام إلى الصين، وتوفر نحو 14 في المئة من إجمالي وارداتها. وبعد اندلاع الحرب الأميركية على إيران، وقبل إعلان الحوثيين إغلاق مضيق باب المندب أمام السفن السعودية، حولت المملكة إلى البحر الأحمر صادرات نفطية تعادل أكثر من 70 في المئة من إجمالي صادراتها قبل الحرب، وكان معظمها يمر عبر باب المندب في طريقه إلى أسواق شرق آسيا.

وأتاح هذا التحول خط أنابيب شرق غرب، الذي ينقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية السعودية قرب ساحل الخليج العربي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.

وقد مكن هذا الخط السعودية من تجاوز مضيق هرمز، الذي أغلقته إيران، إلى حد كبير، وساعد على إبقاء أسعار النفط العالمية ضمن مستويات مرتفعة لكنها تظل محتملة، كما حال دون استنزاف الصين احتياطياتها النفطية بوتيرة سريعة.

لكن إعلان الحوثيين إغلاق باب المندب، وما أعقبه من هجمات شنتها ميليشيات شيعية عراقية مدعومة من إيران على خط أنابيب شرق غرب، دفع السعودية إلى العودة للاعتماد على مضيق هرمز وقناة السويس. وكلا المسارين ينطوي على صعوبات كبيرة، ما وضع المملكة أمام خيارات صعبة.

يتعين على بكين البحث عن وسائل أخرى للدفاع عن شريكتها السعودية. فالصين تتمسك منذ عقود بالمبادئ الخمسة للتعايش السلمي، ولم تبرم معاهدة دفاعية مع السعودية، فضلا عن حرصها على تجنب الإضرار بعلاقاتها مع إيران

وقد عطلت الولايات المتحدة عددا كافيا من الرادارات الإيرانية، بما أتاح للسفن عبور مضيق هرمز بمرافقة قطع بحرية أميركية. ومع ذلك، لا تزال الملاحة عبره محفوفة بالمخاطر. أما قناة السويس، فلا تستطيع ناقلات النفط الخام العملاقة عبورها وهي محملة بكامل طاقتها، ما يضطر الناقلات السعودية إلى الالتفاف حول القارة الأفريقية للوصول إلى أسواق شرق آسيا، مع ما يستتبعه ذلك من ارتفاع تكاليف الشحن وإطالة زمن الرحلات.

ولذلك، لم يكن مستغربا أن تقفز أسعار النفط العالمية خلال الأيام الأخيرة، متجاوزة 100 دولار للبرميل. وحتى وقت قريب، كانت الصين بمنأى إلى حد بعيد عن تداعيات صراعات الشرق الأوسط، بفضل مخزونها النفطي الضخم ووارداتها من النفط الخام الروسي.

لكن تداعيات الأزمة باتت تطال الصين نفسها. فمع تصاعد الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية منذ يوليو/تموز، إلى جانب عوامل أخرى، علقت بكين صادرات الديزل والبنزين ووقود الطائرات خلال أكتوبر/تشرين الأول الجاري.

جمود بكين يهدد علاقاتها بالرياض

سياسيا، تنذر هجمات الحوثيين بتوتر العلاقات بين الصين والسعودية. فقد حرصت بكين طويلا على إقامة علاقات طيبة مع الدول العربية وإيران في آن واحد، غير أن الحفاظ على هذا التوازن بات أكثر صعوبة منذ اندلاع الحرب الأميركية على إيران. فقد فاقمت الهجمات الإيرانية على الدول العربية وإغلاق مضيق هرمز التوتر بين طهران والعواصم العربية.

وخشية أن تتحول القمة الصينية العربية، التي كان مقررا عقدها هذا العام، إلى منبر تستخدمه الدول العربية للضغط على بكين لاتخاذ موقف أوضح تجاه إيران، قررت الصين تأجيل القمة إلى أجل غير مسمى.

وتدرك الرياض أن حرص بكين على النأي بنفسها عن صراعات الشرق الأوسط ليس جديدا، وأن العلاقات الصينية السعودية تقوم أساسا على المصالح الاقتصادية. ولذلك اكتفت حتى الآن بالإدانة الصينية للهجمات الإيرانية، رغم غياب خطوات عملية تتجاوزها.

أ.ف.ب
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الصيني شي جينبينغ في صورة تذكارية مع قادة مجلس التعاون الخليجي خلال القمة الخليجية -الصينية في العاصمة السعودية الرياض، في 9 ديسمبر 2022

غير أن استمرار هجمات الحوثيين على السعودية قد يدفع الرياض إلى رفع سقف توقعاتها من بكين. ومع تضاؤل الخيارات المتاحة أمام المملكة، قد تجد نفسها مضطرة إلى طلب المساعدة الصينية مباشرة، وعندها سيصعب على بكين مواصلة الوقوف على الحياد.

فالسعودية، بما لها من دور قيادي فعلي في العالم العربي ونفوذ واسع في العالم الإسلامي، تعد من أهم شركاء الصين.

نفوذ طهران المحدود على الحوثيين

في سبتمبر/أيلول الماضي، وبعد طلب تقدمت به الرياض، دعت بكين طهران إلى كبح جماح الحوثيين، غير أن هذه المساعي لم تحقق، على ما يبدو، نجاحا يذكر.

وفي 12 أكتوبر/تشرين الأول، عرض وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال اتصال هاتفي مع نظيره السعودي، التوسط في محادثات بين السعودية والحوثيين. غير أن الجماعة، وقد سيطرت مؤخرا على المخا وفرضت الحصار على تعز، لا تجد ما يدفعها للجلوس إلى طاولة المفاوضات. وحتى إن وافقت على التفاوض، فمن المستبعد أن تخوض المحادثات بحسن نية.

خيارات بكين دون تجاوز خطوطها الحمراء

في ضوء ذلك، يتعين على بكين البحث عن وسائل أخرى للدفاع عن شريكتها السعودية. فالصين تتمسك منذ عقود بالمبادئ الخمسة للتعايش السلمي، ولم تبرم معاهدة دفاعية مع السعودية، فضلا عن حرصها على تجنب الإضرار بعلاقاتها مع إيران. وهذه الاعتبارات مجتمعة تستبعد خيار التدخل العسكري الصيني ضد الحوثيين.

بكين أمام هامش ضيق للمناورة وهي تحاول الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع الرياض وطهران، لكن الخيارات لم تنفد بعد

ومع ذلك، تتوافر أمام بكين خيارات أخرى، من بينها تزويد السعودية بمزيد من منظومات الدفاع الجوي. فدول الخليج تستخدم بالفعل منظومات دفاع جوي صينية الصنع للتصدي للصواريخ والمقذوفات الإيرانية، وليس ثمة ما يمنع الصين من توفير المزيد منها.

وقد يكون تزويد السعودية بمزيد من الطائرات المسيرة خيارا أجدى. فالصواريخ الاعتراضية باهظة التكلفة، حتى الصينية الصنع منها، وقد يتطلب إسقاط مقذوف واحد إطلاق عدة صواريخ اعتراضية. ومن الصعب تحمل هذه الكلفة على المدى الطويل، حتى بالنسبة إلى دولة ثرية كالسعودية، ولا سيما أن الصواريخ والمسيرات الحوثية أقل تكلفة بكثير من وسائل اعتراضها.

أما الطائرات المسيرة، وخصوصا الصينية الصنع التي تستخدمها السعودية بالفعل، فتوفر خيارا أقل كلفة. إذ تستطيع المسيرات المسلحة إطلاق الصواريخ مرارا على الأهداف العسكرية الحوثية، فيما لا تتجاوز تكلفة المسيرات الهجومية أحادية الاتجاه جزءا يسيرا من ثمن الصاروخ الاعتراضي.

أ.ف.ب
طائرة بدون طيار من طراز "وينغ لونغ إكس"، تابعة لشركة صناعة الطيران الصينية (AVIC)، معروضة خلال معرض الدفاع العالمي في الرياض، في 9 فبراير 2026

ويمكن لكلا النوعين التحليق لفترات طويلة فوق المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، واستهداف مواقعهم العسكرية لإخماد نيرانهم أو الحد من قدرتهم على إطلاقها. ورغم أن الطائرات المسيرة لا تستطيع أن تحل محل الصواريخ الاعتراضية، فإن توفير أعداد كافية منها قد يمنح الرياض خط دفاع أول أقل كلفة وأكثر فاعلية.

بكين بين الرياض وطهران... توازن قد لا يدوم

تجد بكين نفسها أمام هامش ضيق للمناورة وهي تحاول الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع الرياض وطهران، لكن الخيارات لم تنفد بعد. فتزويد السعودية بمزيد من منظومات الدفاع الجوي والطائرات المسيرة قد يساعد المملكة على تعزيز دفاعاتها من دون أن تتجاوز الصين خطوطها الحمراء.

ويبقى السؤال عما إذا كانت بكين مستعدة للإقدام على هذه الخطوة. فالتوازن الذي تحرص على صونه لا يزال قائما حتى الآن، لكنه لن يصمد إلى الأبد.

font change

مقالات ذات صلة