"الجزء الغائب" لرشيدة براكني... طريقة واحدة لاستعادة الاسم

عن الهوية المنشطرة بين عالمين

  GUILLAUME SOUVANT / AFP
GUILLAUME SOUVANT / AFP
الممثلة الفرنسية رشيدة براكني خلال مؤتمر صحافي قبل حفل موسيقي ضمن الدورة الحادية والأربعين من مهرجان "ربيع بورج" لموسيقى الروك والبوب، في مدينة بورج الفرنسية، 22 أبريل 2017

"الجزء الغائب" لرشيدة براكني... طريقة واحدة لاستعادة الاسم

تسرد الفرنسية من أصل جزائري رشيدة براكني في روايتها الثانية "الجزء الغائب"، الصادرة عن "دار ستوك" الفرنسية، حكاية عائلة ممزقة، لتشرع من خلالها في مساءلة أعمق تتعلق بما قد يتبقى من الإنسان حين يستبدل اسمه العربي، رغبة في الاندماج في مجتمع يرفضه أصلا. مساءلة تستعيد فيها شخصيات من ذاكرة حرب التحرير الجزائرية، لتسقطها في صالونات باريس الفنية المعاصرة، في محاولة لتقديم تشريح موجع لحقيقة الاندماج المستحيل للمغتربين الجزائريين.

الغرفة المتعددة الأصوات

تبني براكني روايتها على إيقاع أصوات ومسارات سردية متجاورة لا تتضح صلاتها إلا بالقراءة المستمرة للرواية، لعل أكثر هذه الأصوات إثارة للفضول صوت كارينا لوروا، صاحبة غاليري فنية ناجحة، تروي حاضرها الباريسي اللامع بلغة يقظة، وهي رياضية مهووسة بالتفاصيل اليومية المملة والمهمة في الوقت نفسه: الركض الصباحي، منافسة فنانها المفضل على جائزة مارسيل دوشان في مركز جورج بومبيدو، والعشاء العائلي البورجوازي الذي تتقاطع فيه المجاملة بالعنصرية الناعمة.

إلى جانب صوت كارينا، يحضر صوت نعيمة، الأخت التي بقيت في الضفة الأخرى من الحكاية، حارسة البيت والأم والذاكرة. فيما تستعيد بركاني جزائر الخمسينات من خلال صوت زهرة، ضحية اغتصاب إبان الفترة الاستعمارية، وهي شخصية وظفت على عكس ما قد يفترضه القارئ، لتساعد في بناء ذاكرة حية تواصل ضغطها على الأجساد والأسماء والأجيال، لا لتكون خلفية تاريخية تسمح بفهم حاضر الشخصيات فحسب.

هذا التوازي لشخصيات "الجزء الغائب" هو الذي يمثل المنطق العميق للرواية، إذ يمضي القارئ في الظن أنه أمام مسارات منفصلة: كارينا في باريس، نعيمة في الضاحية وهي تبحث عن أختها وزهرة في الجزائر وهي تواجه الحرب ونتائجها، ليدرك مع تقدمه في قراءة العمل، أنها مسارات تتشابك وتتقاطع في ما بينها باستمرار، من خلال صور ومقالات وذكريات وأسماء تتقدم ببطء حتى يتكشف أن كارينا لوروا ليست سوى كريمة بن مهدي، ابنة زهرة، تلك الفتاة التي ستصير أما تلاحقها الحرب حتى بعد انتهائها.

لقد غيرت كريمة اسمها على مراحل، من كريمة بن مهدي إلى كارينا مهدي ثم كارينا لوروا، لتصبح "الباريسية الأنيقة بامتياز"، تاركة وراءها أما يأكلها الخرف وأختا، نعيمة، حملت وحدها عبء العائلة، وأختا أخرى، ياسمينة، ابنة الاغتصاب الذي تعرضت له زهرة، أبعدتها الظروف وتبناها زوجان فرنسيان، قبل أن يضيع أثرها في متاهة الإدارة الاستعمارية وما بعد الاستعمارية.

استعارة الجري

يتكرر في الرواية منذ فصلها الافتتاحي مشهد كارينا وهي تركض في شوارع باريس عند الفجر، بانضباط يومي لا يفسره حتى زوجها. وعلى عكس النص الذي يجعلنا ندرك أن جريها ليس إلا هروبا دائما من شيء لا تسميه كارينا بنفسها، يكتسب جريها اليومي، مع التقدم في قراءة العمل، معنى مختلفا تماما عن الهروب من اسمها القديم ولغتها الأصلية، وكأنه طقس محو واستعادة في الوقت نفسه.

براكني في هذا العمل لا تكتب عن الحنين بالمعنى الذي تعودنا عليه في هذا النوع من الروايات، إنما عن تكلفة الاختباء اليومية

فكارينا رغم هروبها من ماضيها، في أثناء الركض، لا تملك حين تنتهي من العدو إلا أن تعود إليه، فجسدها الرياضي والقوي أيضا، يحمل في داخله ارتباك هوية متمردة وضعيفة لا تهدأ، تجعلها بعد كل ركض تدرك أنها لا تركض إلى الأمام بقدر ما تدور حول مركز غائب.

تبلغ الرواية ذروتها الفكرية حين تصف كارينا نفسها، في لحظة اعتراف قاس مع ذاتها، بأنها "بونتي"، تلك الحلوى ذات الغلاف الأسود واللب الأبيض. وهي استعارة تختزل، رغم بساطتها، صفحات كاملة من أدب الاندماج الفرنسي الجزائري، السابح في بركة ضحلة وملوثة بخوف دائم من الانكشاف عند أي بوابة أمنية، أو في كل صالة صامتة تقرأ فيها آيات الشعور الدائم بالذنب. فبراكني في هذا العمل لا تكتب عن الحنين بالمعنى الذي تعودنا عليه في هذا النوع من الروايات، إنما عن كلفة الاختباء اليومية، وعن الجسد الذي يتصلب دون إرادة صاحبته كلما اقترب من كاشف معدني.

غلاف "الجزء الغائب"

تخصص براكني مشهدا طويلا لعشاء عائلي في بيت أهل زوج كارينا، يجلس حوله الجميع إلى مائدة واحدة، بينما يدور حديث عابر عن الهجرة والاقتصاد. لا أحد يرفع صوته أو يقول كلاما عنصريا صريحا، فالأمر أخف من ذلك وأخطر: عم الزوج يلمح بجملة غامضة دون أن يكمل فكرته، وأخته تتحدث عن المهاجرين بوصفهم يدا عاملة يحتاجها البلد، وكأنهم مجرد أرقام. وكارينا، الجالسة بينهم، تسمع كل هذا وتبتلعه بصمت أتقنته على مدى خمسة وعشرين عاما من التمرن على عدم الانكشاف. مشهد لا يصرخ ولا يفضح أحدا بشكل مباشر، فالعنصرية فيه ليست عداء معلنا، إنها راحة بال طبقة اجتماعية اعتادت الحديث عن المهاجرين كفئة بعيدة عنها، دون أن تدرك أن كارينا نفسها، الجالسة معها إلى المائدة منذ خمسة وعشرين عاما، هي واحدة ممن يتحدثون عنهم.

أما زهرة التي اغتصبت وأقصيت إلى دار للنساء "المدنسات"، فتكتبها براكني لتكون امرأة حملت صليبها دون أن تظهر أي ضعف ومن غير أن تجعل من نفسها مركزا لأي شيء، على عكس كارينا التي قد تبدو للوهلة الأولى انتهازية باردة، تخفي برودتها إنهاكا وجوديا مستمرا، وخوفا يوميا من الانكشاف.

ياسمينة، الغائبة الحقيقية

إذا كانت كارينا هي محور الرواية الظاهر، فإن ياسمينة، الأخت غير الشقيقة التي لا تظهر أبدا، هي الجزء الغائب بمعناه الحرفي والأعمق، فهي ثمرة الاغتصاب الذي تعرضت له زهرة، والتي تبناها زوجان فرنسيان، ثم ضاع أثرها في متاهة الإدارة الاستعمارية. وهنا تحديدا، تفضل براكني ألا تمنح القارئ حل هذا الخيط. فهي ترسم له شخصية ياسمينة لتبقى حتى السطر الأخير احتمالا معلقا، توأما معكوسا لكارينا كما تصفها الرواية نفسها: كلتاهما تعيش تحت هوية ليست هويتها الأصلية، لكن إحداهما تعرف ذلك والأخرى لا.

هذا القرار بترك الغياب غيابا، بلا مصالحة مصطنعة، هو من أكثر خيارات الرواية نضجا، وإن كان يعوض جزئيا عن استسهال الحل الفني في نهايتها، فالعثور على ياسمينة كان سيمنح الرواية إغلاقا مريحا حتى إن كان كاذبا، أما إبقاؤها في منطقة الاحتمال فيحافظ على قسوة التاريخ، وعلى حقيقة أن بعض الأسماء لا تعود، وبعض العائلات لا تستعيد صورتها كاملة.

في ختام العمل تلتقي كارينا أختها نعيمة بعد سنوات من القطيعة، في مطعم بمرسيليا، لمناسبة معرض فني عالمي يحمل عنوان "ذكريات حية"، مستوحى من قصة الأم، وسيجول من لندن إلى نيويورك وبرلين.

JEFF PACHOUD / AFP
الممثلة الفرنسية رشيدة براكني (في الوسط) خلال وصولها إلى افتتاح مهرجان أفلام الجريمة والتشويق الدولي في مدينة بون وسط فرنسا، 1 أبريل 2009. وأقيم المهرجان من 1 إلى 5 أبريل 2009

هذا الحل السردي المتمثل في تحويل مأساة زهرة إلى عمل يعرض في متاحف العالم، يحمل مفارقة لافتة لم تستثمرها براكني نقديا بالقدر الكافي: أليست هذه، حرفيا، الآلية ذاتها التي تنتقدها الرواية حين تصور سوق الفن الباريسي فضاء يسلع كل شيء؟ الجسد، والذاكرة، والدم، والهوية، وحتى المأساة حين تصبح قابلة للعرض والاقتناء.

ربما كانت هذه المفارقة هي بالضبط ما تريد الكاتبة أن تتركه معلقا، فحتى حين تنقذ الذاكرة، فهي لا تنقذ بلا ثمن. قد يحول الفن الألم إلى شهادة، لكنه قد يحوله أيضا إلى منتج

لكن ربما كانت هذه المفارقة هي بالضبط ما تريد الكاتبة أن تتركه معلقا، فحتى حين تنقذ الذاكرة، فهي لا تنقذ بلا ثمن. قد يحول الفن الألم إلى شهادة، لكنه قد يحوله أيضا إلى منتج. وقد تكون كارينا، وهي تستعيد قصة أمها داخل المؤسسة الفنية التي صنعت نجاحها، في صدد رد ما سلبته من عائلتها، أو في صدد ارتكاب شكل جديد من الاستحواذ عليها.

تختتم براكني عملها عند شاهد قبر يحمل اسم "زهرة بوزيان 1945 ـ 2025"، لتترك القارئ أمام سؤال مفتوح: هل يكفي أن يعاد بناء الاسم الحقيقي لامرأة على رخامة، بعدما محي طوال عقود، كي يتحقق شيء من العدالة؟ الرواية لا تجيب إجابة قاطعة، لكنها مثل زهرة تمنحنا شيئا نمسك به ونحن نواجه هذا السؤال بأنفسنا، دون رغبة في الجواب عنه.

font change

مقالات ذات صلة