تسرد الفرنسية من أصل جزائري رشيدة براكني في روايتها الثانية "الجزء الغائب"، الصادرة عن "دار ستوك" الفرنسية، حكاية عائلة ممزقة، لتشرع من خلالها في مساءلة أعمق تتعلق بما قد يتبقى من الإنسان حين يستبدل اسمه العربي، رغبة في الاندماج في مجتمع يرفضه أصلا. مساءلة تستعيد فيها شخصيات من ذاكرة حرب التحرير الجزائرية، لتسقطها في صالونات باريس الفنية المعاصرة، في محاولة لتقديم تشريح موجع لحقيقة الاندماج المستحيل للمغتربين الجزائريين.
الغرفة المتعددة الأصوات
تبني براكني روايتها على إيقاع أصوات ومسارات سردية متجاورة لا تتضح صلاتها إلا بالقراءة المستمرة للرواية، لعل أكثر هذه الأصوات إثارة للفضول صوت كارينا لوروا، صاحبة غاليري فنية ناجحة، تروي حاضرها الباريسي اللامع بلغة يقظة، وهي رياضية مهووسة بالتفاصيل اليومية المملة والمهمة في الوقت نفسه: الركض الصباحي، منافسة فنانها المفضل على جائزة مارسيل دوشان في مركز جورج بومبيدو، والعشاء العائلي البورجوازي الذي تتقاطع فيه المجاملة بالعنصرية الناعمة.
إلى جانب صوت كارينا، يحضر صوت نعيمة، الأخت التي بقيت في الضفة الأخرى من الحكاية، حارسة البيت والأم والذاكرة. فيما تستعيد بركاني جزائر الخمسينات من خلال صوت زهرة، ضحية اغتصاب إبان الفترة الاستعمارية، وهي شخصية وظفت على عكس ما قد يفترضه القارئ، لتساعد في بناء ذاكرة حية تواصل ضغطها على الأجساد والأسماء والأجيال، لا لتكون خلفية تاريخية تسمح بفهم حاضر الشخصيات فحسب.
هذا التوازي لشخصيات "الجزء الغائب" هو الذي يمثل المنطق العميق للرواية، إذ يمضي القارئ في الظن أنه أمام مسارات منفصلة: كارينا في باريس، نعيمة في الضاحية وهي تبحث عن أختها وزهرة في الجزائر وهي تواجه الحرب ونتائجها، ليدرك مع تقدمه في قراءة العمل، أنها مسارات تتشابك وتتقاطع في ما بينها باستمرار، من خلال صور ومقالات وذكريات وأسماء تتقدم ببطء حتى يتكشف أن كارينا لوروا ليست سوى كريمة بن مهدي، ابنة زهرة، تلك الفتاة التي ستصير أما تلاحقها الحرب حتى بعد انتهائها.
لقد غيرت كريمة اسمها على مراحل، من كريمة بن مهدي إلى كارينا مهدي ثم كارينا لوروا، لتصبح "الباريسية الأنيقة بامتياز"، تاركة وراءها أما يأكلها الخرف وأختا، نعيمة، حملت وحدها عبء العائلة، وأختا أخرى، ياسمينة، ابنة الاغتصاب الذي تعرضت له زهرة، أبعدتها الظروف وتبناها زوجان فرنسيان، قبل أن يضيع أثرها في متاهة الإدارة الاستعمارية وما بعد الاستعمارية.
استعارة الجري
يتكرر في الرواية منذ فصلها الافتتاحي مشهد كارينا وهي تركض في شوارع باريس عند الفجر، بانضباط يومي لا يفسره حتى زوجها. وعلى عكس النص الذي يجعلنا ندرك أن جريها ليس إلا هروبا دائما من شيء لا تسميه كارينا بنفسها، يكتسب جريها اليومي، مع التقدم في قراءة العمل، معنى مختلفا تماما عن الهروب من اسمها القديم ولغتها الأصلية، وكأنه طقس محو واستعادة في الوقت نفسه.


