سباق النمو العالمي يتسارع… هل يقتنص العالم العربي فرصته؟

بين طفرة الذكاء الاصطناعي وتباطؤ الاقتصادات التقليدية، تتغير محركات النمو العالمي

أ.ف.ب
أ.ف.ب
أشخاص يحضرون الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك، 12 أكتوبر 2026

سباق النمو العالمي يتسارع… هل يقتنص العالم العربي فرصته؟

استضافت بانكوك عاصمة تايلاند الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي، بعد غياب ثماني سنوات عن منطقة جنوب شرق آسيا. تأتي الاجتماعات في وقت تعزز فيه اقتصادات جنوب شرق آسيا موقعها في سلاسل الإمداد العالمية، مستفيدة من تدفقات الاستثمار الصناعي والتكنولوجي وتسارع التحول الرقمي، فيما تتجه الأنظار إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه محركا جديدا للنمو الاقتصادي.

لكن التبشير بالزمن التكنولوجي الجديد، يتزامن مع استمرار الحروب والنزاعات والأزمات في مناطق أخرى من العالم، أخطرها في الشرق الأوسط، وأفريقيا، وشرق أوروبا، التي سجلت معدلات نمو ضعيفة أو سالبة. وحذّر تقرير للمجلس الأطلسي عن جيو-اقتصاد "بريتون وودز" من تصاعد التجزؤ في الاقتصاد العالمي، بفعل المنافسة الجيو-اقتصادية والحمائية والتعريفات الجمركية والصراعات العسكرية، التي تعيد رسم خرائط التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد. في موازاة ذلك، تتسع الفجوة بين الاقتصادات في قدرتها على الاستفادة من ثورة الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، بما ينذر بتفاوت أكبر في فرص النمو والإنتاجية.

توترات جيوسياسية تكبح الاقتصاد

لم ينزلق الاقتصاد العالمي إلى أزمة شاملة رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية وتوالي الصدمات، لكنه يواجه تباطؤا في النمو وضغوطا تضخمية متزايدة. في المقابل، بلغت التجارة العالمية مستوى قياسيا قدره 35 تريليون دولار في 2025، وإن كان استمرار نموها لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد العالمي تعافى من آثار الأزمات المتلاحقة.

وفي رأي ثلاثة خبراء اقتصاد لدى البنك الدولي هم محمد أيهان كوسه وجيتانجالي كومار وبيتر سيلجوك، أظهر الاقتصاد العالمي قدرة على الصمود أمام الصدمات، لكن المخاطر لم تنتهِ بعد. فقد أضافت الصراعات ضغوطا تضخمية ورفعت تكاليف الاقتراض، فيما استنزفت الصدمات المتعاقبة الهوامش المالية لدى اقتصادات نامية عديدة.

وأدت الحرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز إلى اضطراب إمدادات الطاقة والتجارة، مما انعكس سلبا على النشاط الاقتصادي في المنطقة. ويتوقع البنك الدولي انكماش الناتج في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان بنسبة 2.1 في المئة في عام 2026، بعد نموه بنسبة 3.3 في المئة في عام 2025. وتتحمل الاقتصادات الخليجية المصدّرة للنفط العبء الأكبر من هذه الصدمة، إذ يُتوقع أن تنكمش اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بمعدل 4.3 في المئة خلال العام الجاري. ولا تقتصر التداعيات على قطاع الطاقة، بل تمتد إلى السياحة والطيران والخدمات اللوجستية، فضلا عن تراجع ثقة المستثمرين وضغوط الأسعار.

يتوقع البنك الدولي انكماش الناتج في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان بنسبة 2.1 في المئة في عام 2026، وتتحمل الاقتصادات الخليجية المصدّرة للنفط العبء الأكبر من هذه الصدمة، إذ يُتوقع أن تنكمش اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بمعدل 4.3 في المئة خلال العام الجاري

وقد تشهد اقتصادات الخليج انتعاشا في عام 2027 إذا انتهت الحرب واستعادت حركة الملاحة وإنتاج الطاقة طبيعتهما. ويتوقع صندوق النقد الدولي تعافيا إقليميا متفاوتا، لكنه يظل رهنا باستقرار الأوضاع الجيوسياسية. وفي مواجهة تراجع الإيرادات النفطية، تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي أصولا في صناديقها السيادية تُقدّر بنحو 5.2 تريليون دولار، تشكل إحدى ركائز قدرتها على امتصاص الصدمات، وإن كانت لا تلغي الضغوط المالية الناجمة عن استمرار الحرب أو ارتفاع الإنفاق الحكومي.

وعلى الرغم من التداعيات الاقتصادية للصراع، يرى البنك الدولي أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تتيح فرصة لتعزيز الإنتاجية، إذ يمكنها رفع إنتاجية ما بين 13 و20 في المئة من الوظائف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان. ويتوقع البنك أن يرتد النمو الاقتصادي في المنطقة، باستثناء إيران، إلى 7.8 في المئة في عام 2027، إذا تراجع الصراع في نهاية العام الجاري، مدفوعا أساسا بتعافي إنتاج المحروقات وصادراتها. 

من جانبه، يتوقع صندوق النقد الدولي، في تقريره "آفاق الاقتصاد العالمي" الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2026، انكماش اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان بنسبة 1.3 في المئة خلال العام الجاري، بعد نموه 3.3 في المئة في عام 2025. ويرجح الصندوق تعافي النمو إلى 6.6 في المئة في عام 2027، مدفوعا بافتراض عودة حركة التجارة إلى طبيعتها واستئناف إنتاج النفط، وإن ظل التعافي متفاوتا بين دول المنطقة ومعرّضا لمخاطر استمرار الصراع.

أ.ف.ب
مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، خلال إطلاق تقرير "آفاق الاقتصاد الإقليمي للشرق الأوسط وآسيا الوسطى"، بانكوك، 15 أكتوبر 2026

وقال جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي "من المنتظر أن يقود التعافي التدريجي في الإنتاج والتجارة إلى انتعاش قوي في نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال 2027، إلا أن مستويات الإنتاج ستظل دون المسار الذي كان متوقعا قبل اندلاع النزاع". وأضاف: "أثر صدمة الطاقة كان أقل حدة مما أوحت به التقديرات الأولية، بفضل الفوائض المتراكمة قبل الحرب، وإنتاج الدول غير الخليجية، وطرق النقل البديلة، وتكيّف الطلب، والسحب من المخزونات". 

وسيتوقف حجم التعافي الاقتصادي على فترة إنهاء الحرب، لأن إطالة أمدها أو حدوث اضطرابات إضافية في إنتاج الطاقة، أو طرق الشحن، أو البنية التحتية الحيوية، ستضعف النشاط الاقتصادي الإقليمي، وتفاقم الضغوط المالية. 

وأوضح أزعور أن "الدول المصدّرة للنفط تواجه انكماشا ملحوظا في 2026، على الرغم من أن ارتفاع أسعار النفط سيوفر بعض الدعم". في المقابل، "حافظت الدول العربية المستوردة للطاقة على نشاطها الاقتصادي خلال 2026، أسهمت فيه تحويلات العاملين في الخارج، وإيرادات السياحة، والأوضاع المالية المرنة، مما حدّ من تأثير الصدمة".

إغلاق مضيق هرمز والتداعيات الإقليمية 

أدى إغلاق مضيق هرمز إلى صدمة مزدوجة لاقتصادات المنطقة، إذ واجهت الدول المصدّرة للطاقة تراجعا في قدرتها على شحن النفط والغاز، بينما تعرضت الدول المستوردة لضغوط إضافية جراء ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن. وانعكست هذه التداعيات في توقعات النمو لعام 2026، إذ رجّح البنك الدولي انكماش اقتصادات مجلس التعاون الخليجي بنسبة 4.3 في المئة، مع هبوط إنتاج النفط الخليجي من نحو 26 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى 16 مليونا في مارس/آذار.

الدول المصدّرة للنفط تواجه انكماشا ملحوظا في 2026، على الرغم من أن ارتفاع أسعار النفط سيوفر بعض الدعم. في المقابل، حافظت الدول العربية المستوردة للطاقة ،على نشاطها الاقتصادي خلال 2026، أسهمت فيه تحويلات العاملين في الخارج، وإيرادات السياحة، والأوضاع المالية المرنة، مما حًدّ من تأثير الصدمة

جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي

وفي تقديراته الصادرة في أكتوبر/تشرين الأول، توقع صندوق النقد الدولي انكماش اقتصادات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بنسبة 0.3 في المئة، فيما تشير تقديرات أخرى إلى انكماش بنحو 2 في المئة عند اعتماد نطاق جغرافي أضيق. ولا تعكس هذه الفروق بالضرورة خلافا تحليليا مباشرا بين المؤسستين، بل ترتبط جزئيا باختلاف التغطية الجغرافية. وفي مواجهة اضطراب الملاحة، ساعدت مسارات التصدير البديلة عبر البحر الأحمر وخليج عُمان في الحد من الخسائر في بعض الدول، خصوصا السعودية والإمارات، لكنها لا تلغي الأثر الاقتصادي لتعطل المضيق.

السعودية أكبر اقتصاد وأقل المتضررين

يُعدّ الاقتصاد السعودي الأكبر بين اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، إذ يُقدّر ناتجه المحلي الإجمالي الاسمي بنحو 1.34 تريليون دولار في عام 2026، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.

وبحسب وزارة المالية السعودية، بلغت الإيرادات النفطية الحكومية الفعلية في 2024 نحو 756.6 مليار ريال، (قرابة 201.8 مليار دولار). وخلال الربع الثاني من عام 2026، بلغت الإيرادات الفعلية للموازنة العامة السعودية نحو 90.3 مليار دولار، مقابل مصروفات بقيمة 99.5 مليار دولار، مما أسفر عن عجز مالي بلغ نحو 9.1 مليار دولار، وفق تقرير أداء الموازنة الصادر عن وزارة المالية السعودية. وكشف التقرير أن إجمالي إيرادات النصف الأول من عام 2026 بلغت نحو 160 مليار دولار. 

أ.ف.ب
المقر الرئيس لشركة الزيت العربية السعودية (أرامكو السعودية) في الظهران، شرقيالمملكة العربية السعودية، 14 أكتوبر 2026

وارتفع إنتاج تحالف "أوبك+" بنحو 903 آلاف برميل يوميا خلال سبتمبر/أيلول 2026، مقارنة بالشهر السابق، بقيادة السعودية والعراق، وفق التقرير الشهري لمنظمة "أوبك".

ووفق الموازنات الحكومية المعتمدة لعام 2026، تتصدر السعودية دول الخليج من حيث الإنفاق العام المقدر، بنحو 349 مليار دولار، تليها الكويت بنحو 85 مليار دولار، ثم قطر بنحو 61 مليار دولار، وعُمان بنحو 31 مليار دولار. أما الإمارات، فتبلغ نفقات موازنتها الاتحادية نحو 25 مليار دولار، في حين تُقدّر نفقات البحرين بنحو 12 مليار دولار. وتستند هذه المقارنة إلى موازنات ذات أطر مالية مختلفة، كما أن الرقم الإماراتي يخص الحكومة الاتحادية وحدها.

وتملك دول مجلس التعاون الخليجي فوائض مالية وأصولا استثمارية عبر صناديق سيادية تقدر قيمتها الإجمالية نحو 5.2 تريليون دولار. 

وحسب تصنيف نشرته منصة "أرقام" في يناير/كانون الثاني 2026، استنادا إلى بيانات معهد صناديق الثروة السيادية العالمي، تصدرت الولايات المتحدة القائمة بأصول سيادية مدارة تُقدّر بنحو 13.2 تريليون دولار، تلتها الصين بـ8.22 تريليون دولار واليابان بـ3.85 تريليون دولار. وجاءت الإمارات رابعة بنحو 2.93 تريليون دولار، والسعودية سادسة بنحو 2.18 تريليون دولار.

وفق الموازنات الحكومية المعتمدة لعام 2026، تتصدر السعودية دول الخليج من حيث الإنفاق العام المقدر، بنحو 349 مليار دولار

وفي تحديث توقعاته الاقتصادية الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2026، صنّف صندوق النقد الدولي العراق والكويت وقطر والبحرين ضمن الاقتصادات الأكثر تضررا من اضطرابات إنتاج الطاقة والنقل، متوقعا انكماش اقتصادات الدول الأربع بنسب تتجاوز 10 في المئة خلال عام 2026، قبل انتعاشها في 2027 مع استعادة الإنتاج والصادرات وحركة النقل مستوياتها الطبيعية.

أ.ف.ب
رجل يمرّ بجانب لوحة تحمل شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي لعام 2026، خلال الاستعدادات للحدث في مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك، 9 أكتوبر 2026

ووفقا لجداول التقرير، من المتوقع أن ينكمش اقتصاد الكويت بنسبة 16.7 في المئة في عام 2026، والعراق بنسبة 16 في المئة، وقطر بنسبة 15.6 في المئة، والبحرين بنسبة 11.3 في المئة. وفي حال إعادة فتح مضيق هرمز يتوقع الصندوق، انتعاشا سريعا في النمو عام 2027، يقدر 19 في المئة في العراق، و 18.8 في المئة في قطر، و17.1 في المئة في الكويت، و13.9 في المئة في البحرين.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد السعودي أظهر قدرة على الصمود أمام تداعيات الحرب، مدعوما بتنوع البنية التحتية النفطية واللوجستية ومسارات التصدير. وعلى الرغم من توقع انكماشه بنسبة 3.3 في المئة في عام 2026، يرجح الصندوق أن يحقق نموا بنسبة 7.9 في المئة في 2027.

كما يتوقع انتعاش الاقتصاد الإماراتي بمعدل 7.7 في المئة في 2027. وفي المقابل، أدت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطيل تدفقات نفطية كانت تبلغ نحو 20 مليون برميل يوميا، أي قرابة خُمس إمدادات النفط العالمية في الظروف الطبيعية.

شمال أفريقيا في منظار صندوق النقد الدولي

على الرغم من الضغوط التي فرضها ارتفاع فاتورة الطاقة على الحسابات الخارجية للدول المستوردة في شمال أفريقيا، ساعدت تدفقات العملات الأجنبية من السياحة وتحويلات المغتربين مصر والمغرب في تخفيف آثار الصدمة. وبلغت الإيرادات المجمعة من المصدرين نحو 66 مليار دولار خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى أغسطس/آب 2026، وفق تقديرات منشورة، مما عزز قدرة البلدين على توفير النقد الأجنبي ومواجهة الضغوط على ميزان المدفوعات.

رويترز
سفينة تعبر قناة السويس في مصر، 25 نوفمبر 2025

واعتمدت الرباط على صادرات السيارات وأجزاء الطيران، والسياحة، الفوسفات، والمنتجات الزراعية والغذائية. ويقول صندوق النقد الدولي في تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي"، "إن النمو في الاقتصاد المغربي سيصل إلى 4.5 في المئة عام 2026، ويستقر عند 4.2 في المئة عام 2027". في المقابل، يتوقع صندوق النقد الدولي اتساع عجز الحساب الجاري المغربي إلى 4.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، قبل تراجعه إلى 4.1 في المئة في 2027، في ظل الضغوط على فاتورة الواردات. وعلى الرغم من هذه التحديات، يُرجّح أن يظل التضخم منخفضا عند 0.9 في المئة في 2026، مقارنة بـ0.8 في المئة في 2025، فيما توفر الإيرادات السياحية وتحويلات المغتربين دعما مهما للتدفقات الخارجية للمملكة.

وحصلت مصر على تدفقات بالعملة الأجنبية بلغت نحو 46 مليار دولار من تحويلات المغتربين (33.9 مليار دولار) وإيرادات السياحة (12 مليار دولار) خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، مما عزز موارد النقد الأجنبي وساعد في تخفيف الضغوط على الحساب الجاري، في ظل اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وارتفاع تكلفة واردات الطاقة.

وأظهر الاقتصاد المصري قدرة على الصمود أمام تداعيات الحرب، مما دفع صندوق النقد الدولي إلى رفع توقعاته لنمو الاقتصاد المصري إلى 5.1 في المئة في عام 2026، على أن يتباطأ إلى 4.7 في المئة في 2027، مع استمرار التحديات المرتبطة بارتفاع الدين العام واحتياجات التمويل، وأن يرتفع التضخم إلى 14.8 في المئة، بعدما بلغ 20.4 في المئة عام 2025. وسجل الحساب الجاري عجزا بنسبة 4.9 في المئة من الناتج الإجمالي، نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن الدولي والسلع الأساس المستوردة.

على الرغم من الضغوط التي فرضها ارتفاع فاتورة الطاقة على الحسابات الخارجية للدول المستوردة في شمال أفريقيا، ساعدت تدفقات العملات الأجنبية من السياحة وتحويلات المغتربين مصر والمغرب في تخفيف آثار الصدمة

في المقابل، يواجه الاقتصاد التونسي ضغوطا مرتبطة بضعف النمو وارتفاع احتياجات التمويل والعجز الخارجي. ويتوقع صندوق النقد الدولي نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.4 في المئة في عام 2026، مقارنة بـ2.7 في المئة في 2025، على أن يتباطأ إلى 2 في المئة في 2027.

أ.ف.ب
قاع خزان سد الهوارب الجاف، الواقع قرب القيروان على بعد نحو 160 كيلومترا جنوب تونس العاصمة، 13 يوليو 2017

كما يرجح ارتفاع متوسط التضخم من 5.3 في المئة في 2025 إلى 5.5 في المئة في 2026، ثم إلى 6.3 في المئة في 2027، في ظل استمرار الضغوط على الأسعار والحساب الجاري.

الرهان على الذكاء الاصطناعي لتحفيز الاقتصاد

تباينت توقعات المؤسسات الدولية في شأن آفاق الاقتصاد العالمي في عام 2026، إذ توقع صندوق النقد الدولي نموا بنسبة 3.1 في المئة، مقابل 2.5 في المئة وفق البنك الدولي، فيما قدّر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) النمو بنحو 2.6 في المئة. وتعكس هذه الفروق اختلافا في التقديرات والافتراضات في شأن تداعيات الحرب وارتفاع أسعار الطاقة والتجارة العالمية.

وعلى الرغم من تباين التوقعات، تتفق المؤسسات الدولية على أن الاقتصاد العالمي يواجه ضغوطا متراكمة جراء توالي الأزمات والصراعات، وأن قدرته على امتصاص الصدمات لم تعد كما كانت قبل سبع سنوات. فقد نجح في تجاوز أزمات متتالية، لكن الهوامش التي ساعدته في احتواء تداعياتها، من الحيز المالي إلى مرونة أسواق الطاقة، آخذة في التقلص، مما يجعله أكثر عرضة لأي صدمة جديدة.

ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.4 في المئة في عام 2027، مدعوما بطفرة الاستثمار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، التي أسهمت في دعم النشاط التجاري والاستثماري. كما ساعدت إعادة توجيه إمدادات الطاقة، وزيادة الإنتاج في دول أخرى، والسحب من المخزونات، في تخفيف أثر اضطراب الإمدادات النفطية. غير أن هذه الهوامش ليست بلا حدود، إذ يحذر الصندوق من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الاقتراض قد يفاقم أعباء الدين العام ويقلّص الحيز المالي المتاح لمواجهة الصدمات المقبلة.

ويرى صندوق النقد الدولي أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزز الإنتاجية ويدعم النمو الاقتصادي العالمي، شرط أن ترافق انتشاره سياسات تستثمر في مهارات القوى العاملة، وتطور البنية التحتية الرقمية، وتحسن بيئة الأعمال، وتحفز الابتكار المحلي. غير أن القدرة على الاستفادة من هذه التكنولوجيا ستظل متفاوتة بين الدول، تبعا لمستويات الجاهزية والاستثمار والقدرات المؤسسية، مما قد يوسع الفجوة الرقمية والتكنولوجية بين الاقتصادات المتقدمة والنامية خلال السنوات المقبلة.

عالم يسير بسرعتين

يحذر البنك الدولي من اتساع التفاوت في مسارات النمو العالمي، إذ تستفيد الاقتصادات الأكثر تقدما تكنولوجيا من طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، في حين تواجه دول نامية، خصوصا المستوردة للطاقة والأكثر مديونية، ضغوطا متزايدة بفعل ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الاقتراض. كما أن تصاعد الدين العام وتراجع الحيز المالي يحدّان من قدرة هذه الدول على تمويل التنمية وامتصاص الصدمات المقبلة، مما يهدد بتوسيع فجوة الدخل والتكنولوجيا بين الاقتصادات.

أ.ف.ب
متظاهرون تحت جسر للمشاة خلال احتجاج ضد صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في بانكوك، 16 أكتوبر 2026

وتؤكد المؤسسات الدولية أهمية التكنولوجيا والابتكار في تعزيز التنمية، لكنها تحذر من أن تفاوت الجاهزية الرقمية قد يوسع الفجوة بين الاقتصادات المتقدمة والنامية. وفي هذا السياق، يتوقع "الأونكتاد" أن تسهم آسيا بنحو 59 في المئة من نمو الاقتصاد العالمي في عام 2026، مدفوعة بمكانتها في التصنيع المتقدم والتوسع في المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، التي أصبحت المحرك الرئيس لتجارة السلع العالمية.

ولعل انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في مراكش عام 2023، ثم في بانكوك عام 2026، يحمل دلالة رمزية على تنامي الحضور الاقتصادي لدول الجنوب، وإن كان اختيار مواقع الاجتماعات يخضع لنظام دوري. 

وفي ظل التحولات التي تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي، يصبح التحدي أمام الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هو تحويل إمكاناتهما إلى موقع فاعل في موجة النمو الجديدة التي تقودها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. ويتطلب ذلك، إلى جانب الاستثمار في المهارات والبنية التحتية الرقمية، بيئة مستقرة تسمح بالابتكار وجذب الاستثمارات وتعميق التكامل الاقتصادي. وتقدم تجربة جنوب شرق آسيا مثلا على أهمية التعاون التجاري والاستثماري بين اقتصادات تختلف في لغاتها وأنظمتها السياسية، لكنها تتقاطع في مصالح اقتصادية مشتركة.

font change

مقالات ذات صلة