الاقتصاد المصري ينجو من تكرار صدمة حرب أوكرانيا خلال صراع الشرق الأوسط

مرونة الجنيه وتدفقات النقد الأجنبي في مواجهة الأزمة

المجلة
المجلة

الاقتصاد المصري ينجو من تكرار صدمة حرب أوكرانيا خلال صراع الشرق الأوسط

تمكن الاقتصاد المصري من تجاوز تداعيات صراع الشرق الأوسط بشكل أفضل بكثير من الآثار الأولية للحرب الروسية الأوكرانية.

فلم يكن الفارق بين أزمتي أوكرانيا وإيران في حجم الصدمة الخارجية بقدر ما كان في جاهزية الاقتصاد المصري لامتصاصها. ففي عام 2022، واجهت مصر الحرب وهي تعاني اختلالات في سوق الصرف وشحا في السيولة الدولارية، فتحولت الضغوط الخارجية إلى أزمة تمويل للواردات وتراجع حاد في قيمة الجنيه. أما في 2026، فكانت القصة مختلفة مما أتاح لمصر مواجهة الحرب الثانية بأدوات مختلفة، وهو فارق لا يلغي هشاشتها أمام استمرار ارتفاع أسعار الطاقة أو تراجع تدفقات النقد الأجنبي، لكنه يفسر لماذا لم تتكرر حتى الآن أزمة الدولار بالصورة التي شهدتها بعد الحرب الأوكرانية.

ماذا حصل في مصر إبان حرب أوكرانيا؟

أدى الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022 إلى اضطراب سلاسل التوريد العالمية، فتفاقمت الضغوط على أسواق السلع الأساس، مع ارتفاع أسعار القمح والطاقة والأسمدة. وقفز سعر خام برنت إلى أكثر من 130 دولارا للبرميل في أوائل مارس/آذار، وسط مخاوف من تعطل الإمدادات الروسية وتشديد العقوبات الغربية.

وكانت أزمة أوكرانيا أكثر إيلاما للاقتصاد المصري لأنها لم تقتصر على ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، بل تزامنت مع خروج نحو 20 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين، مما ضاعف الضغط على سوق الصرف في وقت كانت فيه البلاد تعاني شحا في العملة الصعبة. ومع ارتفاع تكلفة استيراد القمح والطاقة، ازدادت الأعباء على الموازنة، بما في ذلك دعم الخبز، فيما أدت صعوبة توفير الدولار إلى تعطل تمويل الواردات وتراكم البضائع في الموانئ.

وهكذا تحولت الصدمة الخارجية إلى أزمة ممتدة في سوق النقد الأجنبي، اتسعت خلالها الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، قبل أن يصل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 38 في المئة في سبتمبر/أيلول 2023. ولم تكن الحرب وحدها وراء هذه التداعيات، لكنها كشفت هشاشة نموذج اقتصادي لم يكن يمتلك آنذاك ما يكفي من السيولة الدولارية والمرونة لاحتواء الصدمة.

في إطار اتفاقياتها مع صندوق النقد الدولي منذ عام 2016، خفضت مصر قيمة الجنيه أكثر من مرة بهدف الحفاظ على سعر صرف موحد. غير أن هذه الخطوات أثبتت عدم كفايتها، لا سيما خلال الأزمات وما يتبعها من خروج للمستثمرين من السوق المصرية، وهو ما يؤدي إلى خروج العملة الصعبة

وقد فرض ذلك ضغوطا هائلة على دول تعتمد على الاستيراد مثل مصر، في وقت كانت لا تزال فيه تداعيات جائحة كوفيد-19 تلقي بظلالها. وعانت الدولة الأكثر سكانا في الشرق الأوسط خلال تلك الفترة من أزمة سيولة، مع ظهور سوق موازية للعملة الصعبة نتيجة لنقص النقد الأجنبي، مما دفع البلاد إلى حافة التخلف عن سداد ديونها.

بدء تغير الصورة

في فبراير/شباط 2024، وبعد أشهر من اندلاع الحرب في غزة، أبرمت مصر اتفاقية استثمارية ضخمة مع دولة الإمارات العربية المتحدة لتطوير منطقة رأس الحكمة على ساحل البحر المتوسط. وبموجب الاتفاقية، قادت شركة "القابضة" (ADQ)، ومقرها أبوظبي، استثمارا بقيمة 35 مليار دولار، شمل 24 مليار دولار من التمويل الجديد مقابل حقوق تطوير المنطقة، إلى جانب تحويل 11 مليار دولار من الودائع الإماراتية القائمة لدى البنك المركزي المصري إلى استثمارات داخل البلاد. وجاءت الصفقة في وقت كانت فيه مصر تواجه نقصا حادا في النقد الأجنبي، وأسهمت في تخفيف الضغوط على ميزان المدفوعات، كما تزامنت مع توسيع برنامج التمويل الذي يقدمه صندوق النقد الدولي للقاهرة من 3 إلى 8 مليارات دولار.

ديانا إستيفانيا روبيو

ومن العوامل الأخرى التي عززت تدفقات النقد الأجنبي إلى مصر، تحويلات المصريين العاملين في الخارج، ولا سيما في دول الخليج. ووفقا للبنك المركزي المصري، ارتفعت هذه التحويلات بنسبة 27.2 في المئة خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، لتسجل مستوى قياسيا بلغ نحو 33.9 مليار دولار، مقارنة بـ26.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025.

 وفي الوقت ذاته، واصلت احتياطيات النقد الأجنبي لدى البلاد نموها التدريجي شهرا بعد شهر، لتصل إلى 57.3 مليار دولار في سبتمبر/أيلول الماضي.

لكن لا يزال يتعين على الحكومة معالجة تحديات مثل ارتفاع الديون، واتساع عجز الحساب الجاري، والعقبات التي تواجه قطاع الأعمال، ومعدلات الفقر، لضمان الخروج الكامل من دائرة الخطر.

سعر صرف مرن

يُعد وجود أسعار صرف متعددة أحد التحديات الجسيمة التي واجهتها مصر مرارا وتكرارا على مدى العقد الماضي. ففي إطار اتفاقياتها مع صندوق النقد الدولي منذ عام 2016، خفضت مصر  قيمة الجنيه أكثر من مرة بهدف الحفاظ على سعر صرف موحد. غير أن هذه الخطوات أثبتت عدم كفايتها، لا سيما خلال الأزمات وما يتبعها من خروج للمستثمرين من السوق المصرية، وهو ما يؤدي إلى خروج العملة الصعبة.

ينعكس اعتماد نظام أكثر مرونة لسعر الصرف على تحركات الجنيه المصري، الذي بات يتفاعل بصورة أوضح مع تطورات الأسواق وتدفقات النقد الأجنبي، بدلا من الاستقرار النسبي الذي ساد خلال فترات تثبيت السعر الرسمي.

شكّل التحول إلى نظام أكثر مرونة لسعر الصرف في مارس/آذار 2024 أحد محاور برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، إذ ساعد في تقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، وتخفيف تراكم الطلب على العملات الأجنبية لدى المصارف. وجاء هذا التحول بعد صفقة رأس الحكمة، بالتوازي مع تشديد السياسة النقدية والمالية وتوسيع برنامج التمويل مع صندوق النقد الدولي. وكان حسن عبد الله قد تولى منصب محافظ البنك المركزي في أغسطس/آب 2022، خلفا لطارق عامر الذي استقال في ظل أزمة نقد أجنبي وضغوط متزايدة لاعتماد مرونة أكبر لسعر الصرف. ورغم أن تقارير صحافية ربطت استقالة عامر بالخلافات حول هذه السياسة، فإن السبب الرسمي المعلن لم يحدد ذلك صراحة.

وينعكس اعتماد نظام أكثر مرونة لسعر الصرف على تحركات الجنيه المصري، الذي بات يتفاعل بصورة أوضح مع تطورات الأسواق وتدفقات النقد الأجنبي، بدلا من الاستقرار النسبي الذي ساد خلال فترات تثبيت السعر الرسمي.

وفي أعقاب اندلاع المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران في 28 فبراير/شباط 2026، تراجع الجنيه من نحو 47.9 جنيها للدولار إلى أكثر من 53 جنيها في أكتوبر/تشرين الأول. وجاء هذا التراجع في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة وتزايد الضغوط على تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، إلى جانب المخاوف المرتبطة بالتوترات الإقليمية واضطراب حركة الشحن.

مزيد من الإصلاحات وارتفاع في الإيرادات

طبقت الحكومة المصرية تدابير تقشفية على مدى العقد الماضي، تماشيا مع اتفاقياتها مع صندوق النقد الدولي، وذلك بهدف الحفاظ على سلامة أوضاعها المالية. وفي هذا العام، ومع استمرار الصراعات في المنطقة، رفعت الحكومة أسعار الوقود بنسب وصلت إلى 17 في المئة، كما زادت أسعار الغاز المورد لبعض الصناعات الكثيفة الاستهلاك للطاقة، بالإضافة إلى رفع فواتير الكهرباء.

أ.ف.ب
شخص يحصي الجنيهات في متجر صرافة وسط القاهرة، مصر، 3 نوفمبر/تشرين الأول 2016

علاوة على ذلك، خفضت الحكومة وتيرة تنفيذ الاستثمارات العامة، بما فيها المشاريع القومية الكبرى، في إطار مساعيها لاحتواء الضغوط على المالية العامة والحد من تراكم الديون. فمنذ توليه الرئاسة عام 2014، أطلق عبد الفتاح السيسي برنامجا واسعا لتطوير البنية التحتية، شمل إنشاء مدن جديدة، أبرزها العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة ومدينة العلمين الجديدة على ساحل البحر المتوسط. وفي إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي، التزمت الحكومة لاحقا وضع سقف للاستثمارات العامة وإعطاء الأولوية للمشروعات ذات التمويل الميسر.

وفي المقابل، أسهم نمو الإيرادات الضريبية وانتعاش السياحة في دعم الاقتصاد المصري. وعلى الرغم من التحسن في تحصيل الضرائب، لا تزال نسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي الإجمالي منخفضة نسبيا، إذ بلغت 12.2 في المئة في السنة المالية 2024/2025، وفق تقرير لصندوق النقد صادر في ديسمبر/كانون الأول 2025.

أظهرت قناة السويس المصرية، التي يمر عبرها نحو 12 في المئة من التجارة البحرية العالمية، مؤشرات الى التعافي، إذ ارتفعت إيراداتها إلى نحو 4.67 مليار دولار في السنة المالية 2025/2026، بزيادة 23 في المئة على السنة المالية السابقة

وفي قطاع السياحة، استقبلت مصر نحو 19 مليون سائح في عام 2025، وهو مستوى قياسي، فيما توقع وزير السياحة تجاوز إيرادات القطاع 20 مليار دولار في 2026، على الرغم من تباطؤ نموه بفعل التوترات الإقليمية وارتفاع تكاليف السفر. وتراهن البلاد على تعزيز جاذبيتها السياحية من خلال تطوير البنية التحتية والمعالم الثقافية، وفي مقدمتها المتحف المصري الكبير، الذي تجاوزت تكلفته مليار دولار وافتُتح رسميا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بالقرب من أهرامات الجيزة.

تعافي قناة السويس

أظهرت قناة السويس المصرية، التي يمر عبرها نحو 12 في المئة من التجارة البحرية العالمية، مؤشرات الى التعافي، إذ ارتفعت إيراداتها إلى نحو 4.67 مليار دولار في السنة المالية 2025/2026، بزيادة 23 في المئة على السنة المالية السابقة. ومع ذلك، لا تزال الإيرادات عند نحو نصف مستواها القياسي المسجل في السنة المالية 2022/2023، حين بلغت 9.4 مليار دولار، قبل أن تؤدي اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر إلى تحويل مسارات عدد من شركات الشحن بعيدا من القناة.

أ.ف.ب
سفينة تعبر قناة السويس بالقرب من الإسماعيلية، مصر، 16 أبريل/نيسان 2025

وأدت الحرب في غزة، التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلى تصعيد هجمات جماعة الحوثيين اليمنية، المدعومة من إيران، على السفن التجارية في البحر الأحمر، في إطار ما قالت الجماعة إنه دعم للفلسطينيين. وتركزت الهجمات في محيط مضيق باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، مما دفع شركات شحن دولية إلى تحويل مسارات سفنها بعيدا من قناة السويس، وتسبب في تراجع حاد في حركة الملاحة وإيرادات القناة.

وحسب تقرير لمكتب الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) دفعت الهجمات شركات شحن إلى تحويل مساراتها بعيدا من البحر الأحمر وقناة السويس. وفي منتصف عام 2024، تراجعت حمولة السفن العابرة لقناة السويس بنحو 70 في المئة مقارنة بمستويات سابقة للأزمة، فيما هبطت حركة العبور عبر المضيق بنسب كبيرة أيضا. وعلى الرغم من فترات التهدئة المرتبطة بوقف إطلاق النار في غزة، ظلت المخاطر الأمنية قائمة، مع ورود تقارير أممية عن تجدد الهجمات البحرية في يوليو/تموز 2026.

في المقابل، أسهمت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز والتهديدات الحوثية في البحر الأحمر في إعادة توجيه بعض شحنات النفط السعودية عبر قناة السويس. فبعد تعطل الصادرات عبر هرمز، زادت السعودية اعتمادها على خط الأنابيب شرق–غرب لنقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. ومع تجدد تهديدات الحوثيين للسفن، باتت بعض الناقلات تتجه شمالا عبر قناة السويس، ثم تعبر البحر المتوسط ومضيق جبل طارق وتلتف حول رأس الرجاء الصالح للوصول إلى الأسواق الآسيوية، بدلا من المرور جنوبا عبر باب المندب. وانعكس هذا التحول على حركة القناة، إذ ارتفعت إيراداتها في يوليو/تموز 2026 بنسبة 42 في المئة على أساس سنوي إلى 505 ملايين دولار، مع زيادة عدد السفن العابرة بنسبة 27 في المئة إلى 1,340 سفينة.

إحياء مساعي الخصخصة

من جانب آخر، يكتسب برنامج الطروحات الحكومية زخما مع بدء إجراءات طرح 30 في المئة من أسهم بنك القاهرة في البورصة المصرية، في خطوة طال انتظارها ضمن مساعي الدولة لتوسيع قاعدة ملكية الشركات المملوكة لها. ويأتي ذلك بعد طرح شركة التكنولوجيا المالية "إم إن تي-حالاً" 20 في المئة من أسهمها للاكتتاب العام والخاص في أكتوبر/تشرين الأول، في صفقة بلغت قيمتها نحو 149 مليون دولار، وصُنفت ضمن أكبر الطروحات في مصر منذ عام 2021.

تمكنت من امتصاص الضغوط الخارجية بفضل مرونة سعر الصرف، ومن الحفاظ على انضباط السياسات بفضل تعديلات أسعار الطاقة في أعقاب ارتفاع أسعار النفط الدولية، وضبط الإنفاق، والتوسع في تقديم الدعم الموجه لمستحقيه

البنك الدولي

وفي مقابلة مع وكالة "بلومبرغ"، قال حسين أباظة، الرئيس التنفيذي لبنك القاهرة، إن الاضطرابات الإقليمية أظهرت، بحسب تعبيره، أن مصر تتمتع بأحد أكثر الاقتصادات استقرارا في المنطقة، مضيفا أن الظروف الحالية أصبحت أفضل بكثير مما كانت عليه خلال السنوات الست أو السبع الماضية. ومن شأن طرح حصة 30 في المئة من بنك القاهرة، أن يشكل أول طرح عام أولي حكومي كبير منذ بيع حصة مماثلة في "المصرف المتحد" عام 2024، في خطوة تعيد الزخم إلى برنامج الطروحات الحكومية الذي شهد تأجيلات متكررة.

وقد دعا صندوق النقد الدولي الحكومة المصرية والمؤسسة العسكرية مرارا إلى تقليص مشاركتهما في الاقتصاد، وذلك لإفساح المجال أمام المزيد من استثمارات القطاع الخاص. وتعتزم السلطات طرح عشرات الشركات المملوكة للدولة، وإن كان ذلك دون جدول زمني محدد للإدراج. ورأى أباظة أن نجاح طرح "بنك القاهرة" قد يسرّع وتيرة مساعي الخصخصة التي بدأت منذ سنوات.

يُذكر أن الطرح الخاص لشركة "إم إن تي-حالاً" شهد طلبا تجاوز المعروض بنحو 11.2 مرة، مما يعكس شهية قوية لدى المستثمرين. وفي الوقت ذاته، ارتفع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر إلى 18 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026، مقابل 12.2 مليار دولار في السنة السابقة، بالتزامن مع تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 5.1 في المئة من 4.4 في المئة.

رويترز
مخبز شعبي في وسط القاهرة، مصر، 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026

وفي سبتمبر/أيلول الماضي، ذكر صندوق النقد الدولي أن "الإصلاحات على مستوى السياسات التي تم تنفيذها في ظل البرنامج الذي يدعمه صندوق النقد الدولي إلى تقوية النمو، ووضع التضخم على مسار الهبوط، والمساعدة في إعادة بناء الاحتياطيات الدولية وتحسين مراكز الأصول الأجنبية لدى البنوك". وأضاف أن السلطات المصرية "تمكنت من امتصاص الضغوط الخارجية بفضل مرونة سعر الصرف، ومن الحفاظ على انضباط السياسات بفضل تعديلات أسعار الطاقة في أعقاب ارتفاع أسعار النفط الدولية، وضبط الإنفاق، والتوسع في تقديم الدعم الموجه لمستحقيه". 

مؤشرات مقلقة

على الرغم من التحسينات المحرزة، اتسع عجز الحساب الجاري في مصر إلى 22.5 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026، مقارنة بـ15.4 مليار دولار في السنة السابقة، مدفوعا بارتفاع عجز الميزان التجاري السلعي وزيادة مدفوعات دخل الاستثمار، بالتزامن مع ارتفاع فاتورة واردات النفط.

وتحافظ الحكومة على سعر فائدة حقيقي تنافسي لجعل أدوات الدين الحكومي جذابة للمستثمرين. إلا أن السياسة النقدية التقييدية تعني ارتفاع تكاليف الاقتراض، مما يحد من قدرة السلطات على تحفيز الأنشطة التجارية أو خفض تكاليف خدمة الدين. ولتغطية الفجوة التمويلية، تلجأ الحكومة بشكل أساس إلى طرح أذون الخزانة التي تشتريها البنوك المحلية.

بلغ إجمالي الدين الخارجي لمصر 164.8 مليار دولار في نهاية مارس/آذار 2026، ارتفاعا من 161.2 مليار دولار في نهاية يونيو/حزيران 2025

ويؤدي الاعتماد المكثف على أدوات الدين القصيرة الأجل -مثل أذون الخزانة التي تتمتع بعوائد أعلى مقارنة بالأدوات الطويلة الأجل- إلى زيادة صعوبة إدارة الدين العام. ويرى خبراء أن استثمار البنوك المصرية بكثافة في أدوات الدين السيادي يأتي على حساب تقديم القروض للقطاع الخاص، مما يؤدي فعليا إلى عرقلة بيئة الأعمال في البلاد. وقد حذر صندوق النقد الدولي من أن "درجة انكشاف البنوك أمام الحكومة لا تزال مرتفعة".

ويحذّر البنك الدولي من استمرار المخاطر التي تواجه الاقتصاد المصري، في ظل احتمالات تصاعد الصراعات الإقليمية وتقلب تدفقات استثمارات المحافظ المالية، مقدّراً احتياجات التمويل الخارجي بنحو 28 مليار دولار خلال النصف الأول من السنة المالية 2026/2027. وفي موازاة ذلك، بلغ إجمالي الدين الخارجي لمصر 164.8 مليار دولار في نهاية مارس/آذار 2026، ارتفاعا من 161.2 مليار دولار في نهاية يونيو/حزيران 2025. ومع ذلك، تراجعت نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 38.9 في المئة، مقابل 44.2 في المئة في الفترة المقابلة، وفق بيانات البنك المركزي المصري.

رويترز
البنك المركزي المصري، في العاصمة الإدارية شرق القاهرة، 19 يناير/كانون الثاني 2026

وعلى الرغم من أن مرونة سعر الصرف والتشديد المالي أسهما في تعزيز قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص الصدمات، فإن تداعيات تعديل أسعار الطاقة وضبط الإنفاق، إلى جانب استمرار الضغوط على القدرة الشرائية، تظل تحديا أمام جهود الحد من الفقر وتعزيز الاستهلاك.

ووفقا لأحدث نسبة للفقر الوطني أوردها البنك الدولي، كان 33.5 في المئة من المصريين يعيشون تحت خط الفقر في عام 2021، وهي نسبة لا تعكس بالضرورة المستوى الحالي للفقر. وفي المقابل، تباطأ التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 14.5 في المئة في أغسطس/آب و13.9 في المئة في سبتمبر/أيلول 2026، رغم تسارع التضخم الشهري في سبتمبر/أيلول إلى 1.3 في المئة.

ويشير البنك الدولي إلى أن الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي يتطلب مواصلة الإصلاحات الهيكلية، بما يشمل تعزيز دور الدولة بوصفها منظّما وممكّنا للنشاط الاقتصادي بدلا من منافسة القطاع الخاص، وتحسين مناخ الأعمال، وتوسيع الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجا، بما يدعم نموا أكثر شمولا واستدامة.

font change