أربع قضايا تنتظر إسرائيل بعد الانتخابات... ما هي؟

تواجه إسرائيل بعد الانتخابات أربع قضايا مصيرية: مستقبل الصراع الفلسطيني، ونفوذ ترمب، والمشاركة السياسية للعرب، وهوية الدولة بين الليبرالية والقومية، وسط انقسامات عميقة وتداعيات مستمرة لهجمات السابع من أكتوبر والحروب اللاحقة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
أحد أعضاء حزب "الليكود" خلف ملصق يحمل صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وذلك في مركز اقتراع خلال الانتخابات التمهيدية للحزب، قبيل الانتخابات الاسرائيلية، في القدس 17 أغسطس 2026

أربع قضايا تنتظر إسرائيل بعد الانتخابات... ما هي؟

تكتسب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة أهمية استثنائية في نظر كثيرين، لما تحمله من تداعيات محتملة على إسرائيل والمنطقة بأسرها. فقد شهدت السنوات الثلاث الماضية، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول وما أعقبه من حروب في غزة ولبنان وإيران، تطورات غير مسبوقة في معظم جوانبها. ومع ذلك، لا تزال الجبهات جميعها مفتوحة على الاضطراب، وآفاق الاستقرار فيها بعيدة المنال. ففي داخل إسرائيل، يكتنف المشهد السياسي قدر كبير من الغموض، رغم اقتراب موعد الاقتراع. وتشير استطلاعات الرأي، التي ينبغي التعامل مع نتائجها بحذر شديد، إلى أن السياسة الإسرائيلية عادت، في جوهرها، إلى ما كانت عليه في السادس من أكتوبر/تشرين الأول. فالمعسكران الرئيسان، الائتلاف الحاكم وأحزاب المعارضة، يبدوان متقاربين إلى حد بعيد في موازين القوة.

فما الذي تدور حوله هذه الانتخابات حقا؟ هل تشكل استفتاء على أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول؟ أم على الحرب مع إيران؟ أم لعل السياسة الإسرائيلية قد رجعت، بعد ثلاث سنوات حافلة بالاضطرابات الاستثنائية، إلى أنماطها القديمة؟ ولعل نجاح الحكومة الحالية في إكمال ولايتها الدستورية، رغم ما جرى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، يساعد في تفسير الصورة التي ترسمها استطلاعات الرأي.

وعلى هذا الأساس، قد لا تكون أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول أو المواجهة مع إيران محور الانتخابات المقبلة. فالمنافسة تبدو أقرب إلى صراع حول طبيعة المجتمع الإسرائيلي وهويته، والانقسامات التي سبق أن شهدها قبل الحرب، ومشروع التعديلات القضائية الذي سعت الحكومة إلى تمريره قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول. وقد نجح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وائتلافه، في مفارقة لافتة، في إزاحة أحداث ذلك اليوم عن صدارة الاعتبارات التي تحكم خيارات الناخبين.

ويمكن رد هذا التحول إلى عاملين رئيسين، أولهما الصدمة العميقة التي أصابت المجتمع الإسرائيلي جراء الفظائع التي شهدها السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وهي صدمة تجاوزت الانقسامات السياسية التقليدية. ويساعد ذلك في تفسير تشدد المواقف تجاه الفلسطينيين لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الإسرائيلي.

سيكون للنهج الذي تعتمده إسرائيل في التعامل مع الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني أثر بعيد المدى في مجمل علاقاتها الخارجية

أما العامل الثاني، فيتصل بقناعة متجذرة لدى الإسرائيليين، عززتها أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بأن إسرائيل تخوض صراعا وجوديا لا مفر منه. وقد رسخت الحرب مع إيران هذا التصور، متجاوزة خطوط الانقسام بين الائتلاف الحاكم والمعارضة، على الرغم من النجاحات العسكرية التي تحققت خلالها. وفي المقابل، لم يفض غياب حصيلة استراتيجية حاسمة للحرب، ولا سيما في الملف النووي، إلى تغيير جوهري في الخطاب العام.

ومن ثم، يمكن القول، مع الإقرار بما ينطوي عليه هذا الاستنتاج من تبسيط للمشهد السياسي، إن الانتخابات تتمحور في نهاية المطاف حول الانقسام بين معسكر "بيبي وحده" ومعسكر "أي شخص إلا بيبي"، في إشارة إلى نتنياهو وخصومه.

وفي ظل هذا المشهد الذي يكتنفه الغموض، تبرز أربع قضايا أساسية سيجد المجتمع الإسرائيلي نفسه مضطرا إلى مواجهتها بعد الانتخابات.

أولى هذه القضايا هي القضية الفلسطينية. سيكون على المجتمع الإسرائيلي تجاوز شكوكه العميقة بشأن إمكان إدارة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والتوصل، في نهاية المطاف، إلى تسوية له. فالحقائق الإقليمية والدولية ستفرض على إسرائيل التعامل مع هذه القضية، بطريقة أو بأخرى.

رويترز
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلتقي بأفراد من الجمهور، قبيل الانتخابات الإسرائيلية، في يوكنعام عيليت بإسرائيل، 18 أكتوبر 2026

ومن المرجح أن تكون أي حكومة تحل محل الائتلاف الحالي أكثر تقبلا لوجهات النظر الدولية في هذا الشأن. فالحكومة القائمة تنظر إلى الصراع من منظور أيديولوجي في المقام الأول، فيما يُرجح أن تتبنى حكومة بديلة نهجا أكثر برغماتية، يدرك ضرورة فتح مسار دبلوماسي إلى جانب الوسائل العسكرية، عوضا عن التعويل على القوة وحدها. وسيكون الحوار السياسي مع المجتمع الدولي أكثر برغماتية وعقلانية وانفتاحا. وستتعامل أي حكومة بديلة بحزم مع اعتداءات المستوطنين اليهود على الفلسطينيين في الضفة الغربية.

وسيكون للنهج الذي تعتمده إسرائيل في التعامل مع الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني أثر بعيد المدى في مجمل علاقاتها الخارجية. وقد لا يقود هذا التحول إلى تسوية فورية للصراع، لكنه سيعكس تغييرا جوهريا في السياسات والمقاربات التي حكمت التعامل معه خلال السنوات الأخيرة. ويمكن القول إن قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي تدرك أن أي تقدم إضافي في مسار تطبيع العلاقات مع العالم العربي لن يتحقق من دون إحراز قدر من التقدم في القضية الفلسطينية. فالمجتمع الإسرائيلي، في نواح كثيرة، أكثر فطنة ونضجا من قيادته.

قد يحتاج المجتمع الإسرائيلي إلى مزيد من الوقت للتعافي من صدمته الجماعية، قبل أن يتمكن من مواجهة القرارات السياسية والمجتمعية المصيرية التي تنتظره

أما القضية الثانية، التي سيكون لها تأثير بالغ في أي حكومة إسرائيلية، فتتعلق باقتراب الرئيس الأميركي ترمب من العامين الأخيرين من ولايته الثانية. ويتمتع ترمب بنفوذ هائل على نتنياهو، إن بقي رئيسا للوزراء، وعلى أي شخصية أخرى قد تحل محله على رأس الحكومة، وربما يفوق نفوذه ما تمتع به رؤساء أميركيون سابقون. ويشمل هذا النفوذ الجبهات جميعها، في إيران ولبنان وسوريا وغزة. ومن المرجح أن تكون أي حكومة بديلة أكثر انتباها إلى تداعيات الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات، وما تعنيه بالنسبة إلى المسار المقبل. ومع أنها ستضع المصالح الأمنية الإسرائيلية في صدارة أولوياتها، فإنها ستكون أكثر استعدادا للنظر في الحلول السياسية اللازمة لكل جبهة وتبنيها.

AFP
فلسطينيات من اراضي ال48 يشاركن في الانتخابات الاسرائيلية في الاول من نوفمبر 2022

أما القضية الثالثة، فتتعلق بالمكانة السياسية للمواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل ومشاركتهم في الحياة السياسية. وتبعث التطورات التي شهدتها الأشهر الأخيرة على شيء من التفاؤل، إذ أبرزت ضرورة التعامل بجدية أكبر مع المصالح الحيوية لهذه الفئة، من خلال تعزيز مشاركتها المباشرة في الحياة السياسية الإسرائيلية. ويهز القرار الفريد وغير المسبوق الذي اتخذه عضوا الكنيست سيغالوفيتش وعباس بتوحيد جهودهما الخريطة السياسية في إسرائيل، حتى وإن لم تتضح تداعياته إلا على المدى الأبعد. ويضع هذا التطور قادة المعارضة أمام تحد جدي لإظهار ما يكفي من الشجاعة السياسية.

وعمليا، يقتضي ذلك إقامة شكل من أشكال التعاون بين أي ائتلاف حكومي مقبل والأحزاب السياسية العربية الفلسطينية في إسرائيل، حتى إن اقتصر هذا التعاون على بعضها.

أما القضية الرابعة، وربما الأشد جوهرية، فتتعلق بطبيعة المجتمع الإسرائيلي ومستقبله. فهل تختار إسرائيل ترسيخ أسس نظامها الديمقراطي الليبرالي، أم تتراجع عن بعض مبادئه وتتجه نحو نهج أكثر محافظة وقومية؟

ولا يمثل هذان التوجهان خيارين متناقضين بصورة مطلقة، غير أن تطورات السنوات الأخيرة جعلت الحاجة إلى الاختيار بين الرؤيتين أكثر إلحاحا.

ويبقى من غير الواضح ما إذا كانت الانتخابات المقبلة ستفضي إلى حسم هذا الخيار. فقد يحتاج المجتمع الإسرائيلي إلى مزيد من الوقت للتعافي من صدمته الجماعية، قبل أن يتمكن من مواجهة القرارات السياسية والمجتمعية المصيرية التي تنتظره.

font change

مقالات ذات صلة