بلغ "التفاؤل الأوروبي" ذروته في تسعينات القرن العشرين، إذ ساد بين مؤيدي الاتحاد الأوروبي اعتقاد راسخ بأن الدول الأوروبية ماضية نحو مزيد من التكامل والنجاح. بدأ العقد بإعادة توحيد ألمانيا، وانتهى بإطلاق منطقة اليورو، وشهد في منتصفه انتقال دول شيوعية سابقة عديدة في أوروبا الشرقية إلى ديمقراطيات السوق وتقدمها بطلبات للانضمام إلى التكتل.
وفي الأثناء، أصبحت المجموعة الأوروبية، المعروفة سابقا باسم المجموعة الاقتصادية الأوروبية، إحدى الركائز الأساسية للاتحاد الأوروبي الجديد الذي أنشأته معاهدة ماستريخت.
وعلى الرغم من بعض الانتكاسات، وفي مقدمتها عجز بروكسل عن منع الصراعات التي رافقت تفكك يوغوسلافيا، دخل كثيرون الألفية الجديدة وهم يأملون أن تتمكن أوروبا موحدة جديدة من تجاوز انقسامات الحربين العالميتين والحرب الباردة، وأن تحتل موقعها كقوة عالمية رائدة.
وبعد ربع قرن، تبدو الصورة اليوم أقل تفاؤلا بكثير. فقد نجا الاتحاد من اضطرابات منطقة اليورو وأزمة الديون اليونانية في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ثم من خروج المملكة المتحدة بعد ذلك بسنوات قليلة، لكن الآمال في أن يتحول الاتحاد الأوروبي إلى مركز قوة عالمي يضاهي الولايات المتحدة أو الصين تلاشت إلى حد كبير. وبدلا من ذلك، تواجه بروكسل ضغوطا من كل اتجاه: بيئة جيوسياسية تزداد سوءا، وركود اقتصادي مستمر، وتحديات داخلية يغذيها صعود الشعبوية.
تصاعد التهديدات الجيوسياسية
يبقى أكثر التهديدات إلحاحا، كما هو الحال منذ عام 2022، روسيا. وكما قال رئيس فنلندا ألكسندر ستاب العام الماضي، تمتعت أوروبا بشيء من "العطلة من التاريخ" عقب انتهاء الحرب الباردة، إذ نجت القارة إلى حد كبير من صراعات كبرى بين حملة كوسوفو عام 1999 وضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014.
أتاح ذلك للحكومات خفض الإنفاق الدفاعي والاستفادة، نظريا، من "عوائد السلام". لكن غزو فلاديمير بوتين لأوكرانيا قبل أربع سنوات بدد هذا الوهم. ومنذ عام 2022، حشد الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء 225 مليار يورو من الدعم المالي والعسكري والإنساني لكييف، فيما يخشى قادة دول تقع أبعد إلى الغرب أن يشجع النصر في أوكرانيا بوتين على توجيه ضربات إلى عمق أكبر داخل أوروبا.

ومع تكثيف روسيا عملياتها الخفية ضد أهداف أوروبية، بات احتواء موسكو هدفا وجوديا. وقفز الإنفاق الدفاعي إلى أكثر من 2.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط، ووصل إلى ما بين 3.5 و5 في المئة في دول خط المواجهة مثل بولندا ودول البلطيق.
كما استحدث الاتحاد الأوروبي أدوات جديدة، مثل برنامج "العمل الأمني من أجل أوروبا" (SAFE)، الذي يتيح قروضا تصل قيمتها إلى 150 مليار يورو لدعم المشتريات الدفاعية المشتركة. لكن الضغوط تواصل تصاعدها. ففي سبتمبر/أيلول، نسبت ألمانيا رسميا محاولة هجوم بطائرة مسيرة على مطار "لايبزيغ/هاله" إلى روسيا، فيما تستمر الحرب في أوكرانيا وتشن موسكو هجمات أشد على البنى التحتية الرئيسة.




