لم تعد المنافسة على التفوق العسكري داخل حلف شمال الأطلسي "الناتو" تقتصر على الطائرات المقاتلة والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي، بل امتدت إلى البرمجيات التي تدير تدفق المعلومات وتساعد القادة في اتخاذ القرارات وتحديد الأهداف. وفي هذا المجال، تخوض فرنسا سباقا مع الولايات المتحدة لتطوير منصات رقمية تستطيع أن تصبح جزءا أساسيا من البنية التشغيلية للجيوش، في مواجهة النفوذ المتزايد لشركات التكنولوجيا العسكرية الأميركية.
وتسعى باريس، من خلال منصة "أركاديا" التي كشفت عنها في 29 سبتمبر/أيلول 2026، إلى تقديم بديل أوروبي لمنصة "مايفن" التابعة لشركة "بالانتير" الأميركية، التي اعتمدها الناتو في مارس/آذار 2025. وتتجاوز المنافسة بين المنصتين قدرتهما على معالجة المعلومات العسكرية، لتشمل السيطرة على البنية الرقمية التي ستعتمد عليها العمليات المشتركة، ومدى قدرة الدول الأوروبية على اتخاذ قراراتها العسكرية دون الاعتماد المفرط على التكنولوجيا الأميركية.
وتأتي هذه المنافسة في وقت يتجه فيه الناتو نحو إعادة بناء منظومات القيادة والسيطرة اعتمادا على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، بهدف ربط العمليات البرية والبحرية والجوية والفضائية والسيبرانية في بيئة معلوماتية مشتركة في عام 2030. وهو تحول يمنح الشركات المطورة للبرمجيات العسكرية نفوذا يتجاوز قيمة العقود، لأن منتجاتها قد تصبح الوسيلة التي تستخدمها الجيوش لفهم ساحة المعركة وتنسيق تحركاتها.
من جمع المعلومات إلى إدارة المعارك
تواجه الجيوش الحديثة مشكلة متنامية تتمثل في قدرتها على استيعاب الكميات الهائلة من المعلومات التي تتدفق إليها خلال العمليات. فالأقمار الصناعية والطائرات المسيرة والسفن والرادارات ووحدات الاستطلاع وأجهزة الاتصالات تنتج بيانات متواصلة. لكن هذه البيانات قد تظل موزعة بين أنظمة لا تستطيع تبادل المعلومات بسهولة، وهو ما يحد من قدرة القادة على تكوين صورة متكاملة للموقف العسكري.
وفي فرنسا، يتراوح عدد أنظمة المعلومات المستخدمة داخل وزارة الجيوش بين 1,500 و2,000 نظام، مما يجعل الربط بينها مهمة معقدة. ومن هنا ظهرت منصة "أركاديا" بوصفها مشروعا لتجميع المعلومات ومعالجتها وإتاحتها للمستخدمين وفق احتياجاتهم وصلاحياتهم، وصولا إلى دعم التخطيط العسكري والقيادة وتنسيق العمليات، بدلا من استمرار التعامل مع كل مصدر للمعلومات بصورة منفصلة.



