فرنسا تتحدى الهيمنة الأميركية على "العقل الرقمي" لحلف "الناتو"

تسعى فرنسا عبر منصة "أركاديا" لمنافسة "مايفن" الأميركية في إدارة معارك "الناتو" وتحليل المعلومات العسكرية، وسط صراع على السيادة الرقمية والتحكم بالذكاء الاصطناعي ومستقبل القرارات العسكرية داخل الحلف

أ.ف.ب
أ.ف.ب
ضابط في البحرية الفرنسية يعمل على وحدة تحكم عن بعد لسلاح من عيار 20 ملم، في محطة الملاحة على متن الفرقاطة المتعددة المهام "لا لورين" التابعة للبحرية الفرنسية، 2 أكتوبر/تشرين الأول 2025

فرنسا تتحدى الهيمنة الأميركية على "العقل الرقمي" لحلف "الناتو"

لم تعد المنافسة على التفوق العسكري داخل حلف شمال الأطلسي "الناتو" تقتصر على الطائرات المقاتلة والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي، بل امتدت إلى البرمجيات التي تدير تدفق المعلومات وتساعد القادة في اتخاذ القرارات وتحديد الأهداف. وفي هذا المجال، تخوض فرنسا سباقا مع الولايات المتحدة لتطوير منصات رقمية تستطيع أن تصبح جزءا أساسيا من البنية التشغيلية للجيوش، في مواجهة النفوذ المتزايد لشركات التكنولوجيا العسكرية الأميركية.

وتسعى باريس، من خلال منصة "أركاديا" التي كشفت عنها في 29 سبتمبر/أيلول 2026، إلى تقديم بديل أوروبي لمنصة "مايفن" التابعة لشركة "بالانتير" الأميركية، التي اعتمدها الناتو في مارس/آذار 2025. وتتجاوز المنافسة بين المنصتين قدرتهما على معالجة المعلومات العسكرية، لتشمل السيطرة على البنية الرقمية التي ستعتمد عليها العمليات المشتركة، ومدى قدرة الدول الأوروبية على اتخاذ قراراتها العسكرية دون الاعتماد المفرط على التكنولوجيا الأميركية.

وتأتي هذه المنافسة في وقت يتجه فيه الناتو نحو إعادة بناء منظومات القيادة والسيطرة اعتمادا على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، بهدف ربط العمليات البرية والبحرية والجوية والفضائية والسيبرانية في بيئة معلوماتية مشتركة في عام 2030. وهو تحول يمنح الشركات المطورة للبرمجيات العسكرية نفوذا يتجاوز قيمة العقود، لأن منتجاتها قد تصبح الوسيلة التي تستخدمها الجيوش لفهم ساحة المعركة وتنسيق تحركاتها.

من جمع المعلومات إلى إدارة المعارك

تواجه الجيوش الحديثة مشكلة متنامية تتمثل في قدرتها على استيعاب الكميات الهائلة من المعلومات التي تتدفق إليها خلال العمليات. فالأقمار الصناعية والطائرات المسيرة والسفن والرادارات ووحدات الاستطلاع وأجهزة الاتصالات تنتج بيانات متواصلة. لكن هذه البيانات قد تظل موزعة بين أنظمة لا تستطيع تبادل المعلومات بسهولة، وهو ما يحد من قدرة القادة على تكوين صورة متكاملة للموقف العسكري.

وفي فرنسا، يتراوح عدد أنظمة المعلومات المستخدمة داخل وزارة الجيوش بين 1,500 و2,000 نظام، مما يجعل الربط بينها مهمة معقدة. ومن هنا ظهرت منصة "أركاديا" بوصفها مشروعا لتجميع المعلومات ومعالجتها وإتاحتها للمستخدمين وفق احتياجاتهم وصلاحياتهم، وصولا إلى دعم التخطيط العسكري والقيادة وتنسيق العمليات، بدلا من استمرار التعامل مع كل مصدر للمعلومات بصورة منفصلة.

يمثل تقليص الفترة الفاصلة بين اكتشاف التهديد واتخاذ القرار أحد أبرز أهداف التحول الرقمي العسكري

وتستند المنصة الجديدة إلى خبرة فرنسية سابقة في مشروع "أرتميس" الذي بدأ تطوير قدرات دمج المعلومات الاستخباراتية وتحليلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. غير أن "أركاديا" تستهدف تجاوز هذا المستوى إلى منظومة أشمل تستطيع التعامل مع البيانات المرتبطة بالعمليات العسكرية نفسها، بما يشمل التخطيط وتقييم التهديدات ودعم الاستهداف ومتابعة تنفيذ المهام.

أ.ف.ب
رجل يجرب نظام "بالانتير مافين" الذكي خلال معرض الدفاع والأمن الدولي في اليابان، 25 مايو/أيار 2025

ويعني ذلك أن قيمة البرنامج لا تتوقف على قدرته على تحليل صورة جوية أو استخراج معلومات من تقرير استخباراتي، بل تتحدد بقدرته على دمج هذه النتائج مع بيانات الوحدات والأسلحة والظروف الميدانية. فإذا رصد قمر صناعي تحركا عسكريا، تصبح الخطوة التالية معرفة مدى ارتباطه بمعلومات أخرى، وتقييم أهميته، وتحديد الجهات التي تحتاج إلى الاطلاع عليه، قبل أن تتخذ القيادة قرارا في شأن الاستجابة المناسبة.

يمثل تقليص الفترة الفاصلة بين اكتشاف التهديد واتخاذ القرار أحد أبرز أهداف التحول الرقمي العسكري. لكن تسريع تدفق المعلومات لا يعني بالضرورة تحسين القرارات، إذ تظل دقة البيانات وإمكان التحقق منها وتقدير احتمالات الخطأ عوامل حاسمة، خصوصا عندما تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات قد يترتب عليها استخدام القوة.

شبكات الحلف

تدخل فرنسا هذه المنافسة متأخرة نسبيا عن الولايات المتحدة، بعدما أبرمت وكالة الاتصالات والمعلومات التابعة للناتو اتفاقا مع شركة "بالانتير" في 25 مارس/آذار 2025 لتوفير منصة "مايفن سمارت سيستم" لدعم قيادة عمليات الحلف.

وتتيح المنصة دمج المعلومات الاستخباراتية وتحسين الوعي بالموقف الميداني ودعم التخطيط والاستهداف، مع إمكان تشغيل تطبيقات متعددة للذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والنماذج اللغوية الكبيرة، بدلا من الاقتصار على نموذج واحد أو وظيفة تحليلية محددة.

وحققت "مايفن" في 22 يونيو/حزيران 2026 الجاهزية التشغيلية التقنية الكاملة. وأعلن الناتو استيفاءها متطلبات قيادة العمليات والحصول على الاعتماد الأمني اللازم لتشغيلها على شبكاته المصنفة. ويعني هذا الإنجاز أن المنصة تجاوزت مرحلة الاختبارات الأولية، وأصبحت مؤهلة للاستخدام في أنشطة الحلف وعملياته وتدريباته، وهو ما يمنحها أفضلية واضحة على المنافسين الذين لا تزال مشروعاتهم قيد التطوير.

لا تعني الجاهزية التشغيلية لـ"مايفن" أن السوق أغلقت أمام المنافسين، فالحلف يعتمد على مجموعة واسعة من الأنظمة، ولا يلزم أن تحتكر منصة واحدة جميع وظائف القيادة والاستخبارات والتخطيط

وفي المقابل، من المتوقع أن يبدأ نشر "أركاديا" تدريجيا في نهاية 2027، انطلاقا من خدمات أساسية مثل المراسلات وتبادل الملفات، قبل إضافة وظائف أكثر تعقيدا تشمل الخدمات اللوجستية ودعم الاستهداف. ورغم أن بعض مكوناتها خضعت بالفعل لاختبارات عسكرية، فإن الانتقال إلى منظومة تشغيلية متكاملة لا يزال يتطلب مزيدا من التطوير والتحقق.

وهذا الفارق الزمني يحمل أهمية تتجاوز السبق التقني. فكلما توسع استخدام "مايفن" داخل مقرات الناتو، زاد عدد العسكريين المدربين عليها، واتسعت الأنظمة المرتبطة بها، وأصبحت جزءا من إجراءات العمل اليومية. وعندئذ قد تتطلب عملية استبدالها بمنصة أخرى نقل البيانات وإعادة بناء الروابط التقنية وتدريب المستخدمين واختبار التوافق، بما يرفع تكلفة الانتقال إلى مورد جديد.

ومع ذلك، لا تعني الجاهزية التشغيلية لـ"مايفن" أن السوق أغلقت أمام المنافسين. فالحلف يعتمد على مجموعة واسعة من الأنظمة، ولا يلزم أن تحتكر منصة واحدة جميع وظائف القيادة والاستخبارات والتخطيط. وقد تستطيع "أركاديا" دخول مجالات محددة أو العمل بالتوازي مع المنصة الأميركية، إذا قدمت قدرات إضافية وأثبتت قدرتها على تبادل البيانات مع بقية الأنظمة دون تعطيل العمليات.

السيادة الرقمية

لا تنظر فرنسا إلى "أركاديا" باعتبارها مشروعا لتحسين كفاءة جيوشها فقط، بل بوصفها أداة لحماية استقلالها التكنولوجي في مجال يرتبط مباشرة بالسيادة الوطنية. فاعتماد المؤسسات العسكرية على برمجيات أجنبية يثير تساؤلات في شأن التحكم في البيانات الحساسة، وتوافر التحديثات، وشروط التراخيص، والقدرة على استمرار تشغيل الأنظمة في حال حدوث خلافات سياسية أو قيود تجارية.

وخلال عرض المشروع في سبتمبر/أيلول الماضي، ربط المسؤولون العسكريون الفرنسيون بين السيادة الرقمية والقدرة على مواجهة تعطيل الوصول إلى الأنظمة، سواء نتيجة الهجمات السيبرانية والتشويش على الاتصالات أو القيود القانونية والتكنولوجية التي قد تفرضها جهات خارجية. وبذلك لم يعد مفهوم الأمن الرقمي مقتصرا على منع اختراق الشبكات، بل امتد إلى ضمان استمرار عملها في الأزمات.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة بالنسبة لفرنسا، التي تسعى منذ عقود إلى الاحتفاظ بقدرة مستقلة على التخطيط العسكري واتخاذ القرارات الاستراتيجية. فامتلاك الطائرات والأسلحة وأنظمة الاستشعار لا يكفي وحده لضمان الاستقلال إذا كانت البرامج التي تجمع معلوماتها وتنسق استخدامها تعتمد على تقنيات لا تملك الدولة السيطرة الكاملة على تطويرها أو صيانتها.

لكن استخدام برنامج أميركي لا يعني تلقائيا انتقال ملكية البيانات العسكرية إلى الولايات المتحدة أو إتاحتها للشركة المطورة. ففي حالة "مايفن"، تشير المعلومات المنشورة عن منظومة الناتو إلى أن بيانات الحلف تخضع لسيطرته وتعمل على خوادمه وفي مراكز بياناته. ولذلك ينبغي التمييز بين ملكية البيانات والسيطرة على البنية البرمجية والاعتماد على المورد في التطوير والدعم الفني، وهي مستويات مختلفة من الاستقلال التكنولوجي.

وتظهر هنا المعضلة الفرنسية الأساس: كيف يمكن بناء منظومة وطنية تضمن السيطرة على المعلومات وتقلل الاعتماد على الشركات الخارجية، دون التضحية بالقدرة على العمل مع جيوش الناتو؟ فالمشاركة في العمليات المشتركة تتطلب تبادل البيانات وفق معايير أمنية وتقنية متفق عليها، بينما تفرض اعتبارات السيادة إبقاء بعض المعلومات والوظائف تحت السيطرة الوطنية.

أ.ف.ب
جنود فرنسيون يشاركون في تدريبات على القتال في المناطق الحضرية، ضمن مناورات عسكرية مشتركة بين الجيشين الفرنسي والبريطاني في معسكر "سيسون"، شمال مدينة ريمس، في شمال شرق فرنسا، 22 أبريل/نيسان 2025

تزداد المنافسة تعقيدا مع توجه الناتو إلى بناء منظومة عسكرية رقمية تسمح بإدخال أدوات جديدة من شركات مختلفة دون الحاجة إلى استبدال النظام الأساس. ففي يوليو/تموز 2026، اختار مسرع الابتكار الدفاعي التابع للحلف، "ديانا"، عشر شركات لتطوير قدرات في الذكاء الاصطناعي والمحاكاة وتحليل المعلومات والتخطيط العسكري، ضمن مبادرة تستهدف تحسين سرعة اتخاذ القرارات.

ومن المقرر حصول كل شركة على تمويل تعاقدي بقيمة 100 ألف يورو لدعم تطوير تقنياتها واختبارها، على أن تعرض النتائج خلال ديسمبر/أيلول 2026. لكن اللافت أن هذه الحلول ستختبر ضمن بيئة رقمية تعتمد على منصات قائمة، بينها "مايفن"، وهو ما قد يجعل الابتكارات الأوروبية والإقليمية وسيلة لتعزيز قدرات النظام الأميركي بدلا من منافسته بصورة مباشرة.

يتطلب التحول الرقمي للناتو بنية سحابية آمنة لتخزين المعلومات العسكرية ونقلها ومعالجتها بين مقرات القيادة والوحدات الميدانية، مع ضمان حمايتها واستمرار تشغيلها

وتوضح هذه الآلية أن المنافسة المقبلة قد تكون على موقع المنصة داخل البنية العسكرية، وليس على جودة نماذج الذكاء الاصطناعي وحدها. فقد تطور شركة أوروبية نموذجا متقدما لتحليل الصور أو النصوص أو محاكاة العمليات، ثم تدمجه داخل "مايفن"، لتصبح التكنولوجيا الأوروبية جزءا من منظومة تقودها شركة أميركية. وتدعم "مايفن" بالفعل تشغيل نماذج متعددة، بينها نماذج لشركة "ميسترال" الفرنسية.

وبالنسبة لفرنسا، يطرح ذلك تحديا اقتصاديا واستراتيجيا. فبيع تطبيق متخصص داخل منصة أجنبية يختلف عن امتلاك المنصة التي تدير التطبيقات وتحدد كيفية وصولها إلى البيانات. وقد يمنح الموقع الثاني الشركة المطورة نفوذا أكبر على التطوير المستقبلي، وفرصة أوسع للحصول على عقود الصيانة والتحديث وإضافة الخدمات.

السحابة العسكرية

يتطلب التحول الرقمي للناتو بنية سحابية آمنة لتخزين المعلومات العسكرية ونقلها ومعالجتها بين مقرات القيادة والوحدات الميدانية، مع ضمان حمايتها واستمرار تشغيلها. وفي يونيو/حزيران 2025، تعاقد الحلف مع شركة "لايدوس" الأميركية لتحديث بنيته السحابية، ثم وقع في يوليو/تموز 2026 عقدا بقيمة تقديرية تبلغ 200 مليون يورو مع "أكسنتشر"، بالتعاون مع "ليوناردو" الإيطالية، لتطوير شبكة أعمال محمية تخدم نحو 29 ألف مستخدم خلال مشروع يمتد سبع سنوات.

وتكشف هذه العقود عن تشابك المصالح الأميركية والأوروبية، إذ تتعاون شركات من الجانبين في تطوير البنية العسكرية للناتو، بينما تعتمد دول أوروبية على التكنولوجيا الأميركية لتسريع تحديث قدراتها. وتشارك فرنسا أيضا في مشروع "آيس"، الذي انطلق بمشاركة 12 دولة في يوليو/تموز 2025، ويستهدف تطوير خدمات سحابية مشتركة لتبادل المعلومات العسكرية المصنفة وتخزينها بأمان في 2030.

وتبرز هذه المشروعات تحديا أساسيا أمام منصة "أركاديا" الفرنسية، إذ لن يكفي تفوقها في معالجة المعلومات، بل سيتعين عليها إثبات قدرتها على العمل مع الشبكات والأنظمة المختلفة داخل الناتو، وتبادل البيانات بصورة آمنة وسريعة بين قوات الدول الأعضاء خلال العمليات المشتركة.

تواجه فرنسا تحديات في تسويق منصة "أركاديا"داخل الناتو، إذ لا تعتمد المشتريات العسكرية على الكفاءة التقنية وحدها، بل تتأثر بالتكلفة والعلاقات السياسية والشراكات الصناعية والأنظمة المستخدمة بالفعل

رغم تقدم الشركات الأميركية، تمتلك أوروبا قدرات عسكرية رقمية قائمة، أبرزها منظومة "سيتاوير" التي تطورها شركة "سيستماتيك" الدانماركية للقيادة والسيطرة وتبادل المعلومات بين الوحدات. واختارها الناتو في أبريل/نيسان 2024 للعمليات البرية، قبل وصول مشروع نشرها "ديميتر" إلى القدرة التشغيلية الأولية في يونيو/حزيران 2025. كما تطور "إيرباص" "السحابة القتالية المتعددة المجالات" لربط القوات والمستشعرات عبر البر والبحر والجو والفضاء والفضاء السيبراني، بما يتيح تبادل المعلومات وتنسيق العمليات.

لكن هذه الأنظمة تؤدي وظائف مختلفة، ولا تشكل حتى الآن بديلا متكاملا لمنصة "مايفن"، التي تجمع بين معالجة البيانات والاستخبارات والتخطيط والاستهداف. ويسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز قدراته عبر تمويل 57 مشروعا دفاعيا بقيمة 1.07 مليار يورو، أعلنتها المفوضية الأوروبية في أبريل/نيسان 2026، تشمل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والطائرات المسيرة. غير أن التمويل والتقدم التقني لا يضمنان ظهور منصة أوروبية موحدة، في ظل اختلاف احتياجات الدول ومتطلبات التشغيل والأمن.

أ.ف.ب
جنود فرنسيون وليتوانيون يشغلون مدفع "هاوتزر" ذاتي الدفع من طراز Caesar Mk-I خلال تدريب بالذخيرة الحية للقوات الليتوانية والفرنسية مع حلفاء الناتو في منطقة تدريب الجنرال سيلفستراس زوكاوسكاس في بابراد، ليتوانيا، 16 سبتمبر/أيلول 2026

وأبرزت الحرب في أوكرانيا أهمية سرعة انتقال المعلومات بين المستشعرات ووحدات الاستطلاع والقيادة، وقدرة الأنظمة على الاستمرار رغم الهجمات والتشويش وانقطاع الاتصالات. واستفادت "سيستماتيك" من هذه الدروس عند إطلاق إصدار سحابي من "سيتاوير" في يوليو/تموز 2025، يهدف إلى إبقاء المعلومات متاحة حتى عند تضرر بعض الخوادم.

ومع ذلك، فإن تسريع التحليل باستخدام الذكاء الاصطناعي لا يضمن دقة النتائج، خصوصا مع احتمال الاعتماد على بيانات مضللة أو غير مكتملة أو قديمة. ولذلك يتوقف التفوق العسكري الرقمي على موثوقية المعلومات وإمكان التحقق من مصادرها ومراجعة النتائج بشريا، إلى جانب قدرة الأنظمة على مواصلة العمل في الظروف القتالية الصعبة.

عقود اليوم 

تواجه فرنسا تحديات في تسويق منصة "أركاديا" داخل الناتو، إذ لا تعتمد المشتريات العسكرية على الكفاءة التقنية وحدها، بل تتأثر بالتكلفة والعلاقات السياسية والشراكات الصناعية والأنظمة المستخدمة بالفعل. كما تختلف أولويات الدول الأوروبية، فبينما تسعى باريس لتعزيز الاستقلال التكنولوجي العسكري، تفضل دول أخرى المنصات الأميركية الجاهزة، مما يصعب إنشاء سوق أوروبية موحدة للبرمجيات العسكرية.

وتشير ورقة نشرها المجلس الأطلسي في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 2026 إلى أن التحدي لم يعد مجرد امتلاك التكنولوجيا المتقدمة، بل القدرة على إدخالها الخدمة بسرعة وعلى نطاق واسع. ولذلك تتوقف فرص "أركاديا" على إثبات كفاءتها في مهام محددة داخل شبكات الناتو، والتوسع تدريجيا دون الحاجة إلى استبدال "مايفن" بالكامل، مع تقديم مزايا في التحكم بالبيانات والتكامل مع الأنظمة الأوروبية وتقليل الاعتماد على مورد واحد.

وتكتسب عقود الحلف أهمية طويلة الأمد، لأنها تحدد تكاليف استبدال الأنظمة وإمكان إضافة تطبيقات جديدة ونقل البيانات بين المنصات. ومن ثم، تصبح المعايير المفتوحة والتوافق التقني وشروط الملكية الفكرية عوامل مؤثرة في المنافسة، إلى جانب الأداء الفني.

ولا يقتصر السباق بين "أركاديا" و"مايفن" على تطوير خوارزميات أكثر تقدما، بل يمتد إلى امتلاك البنية الرقمية التي تعتمد عليها الجيوش في جمع المعلومات وتحليلها واتخاذ القرارات. وبينما تتقدم الولايات المتحدة بمنصة دخلت الخدمة بالفعل، تسعى فرنسا إلى بناء بديل يعزز الاستقلال الأوروبي. وقد تنتهي المنافسة بتوزيع الوظائف بين منصات أميركية وأوروبية، لكن القدرة على التحكم في هذه المنظومات وتطويرها وضمان استمرار عملها خلال الأزمات ستظل عاملا حاسما في موازين القوة داخل الناتو.

font change

مقالات ذات صلة