يتحرك فيلم اللبنانية رانيا الرافعي، "يوم الغضب، حكايات من طرابلس"، الذي عرض في الدورة الماضية من "مهرجان برلين السينمائي"، بين الوثائقي والتخييلي، وبين التنقيب في ذاكرة المدينة وفي ذاكرتها الشخصية. هذه المساحة التي تبدو رسالة طويلة إلى والدها الراحل، هي أيضا بحث عما لم يقله لها وعن مدينته كما كان يسعه اختبارها في شبابه.
ينطلق الفيلم من حادثة مهمشة في التاريخ اللبناني: أحد عشر طفلا دهستهم دبابات الجيش الفرنسي في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 1943، في تظاهرة تطالب بالاستقلال الذي ناله لبنان بعدها ببضعة أيام. تسأل الرافعي عمن يتذكر هذه المجزرة. يتذكر أحد الأقرباء أنه سمع عنها من أخيه الأكبر، يذكر آخر لها أنه كان شاهد عيان ثم يكمل طريقه مغادرا. أما الباقون، عجائز وأطفالا، فلا يبدو أن أحدا يذكرها.
تلتقي أحد عشر طفلا، تحاورهم في غرفة سوداء كأنما خارج الزمن والمكان، تركز الكاميرا عليهم وهي تكلمهم. تسألهم عن دروس التاريخ وعن كلمة "الثورة"، فلا يبدو أن التاريخ يعني أحدا منهم، وكثر لا يعرفون ما هي الثورة إلا إن تكن أعمال عنف وقتل. أو ربما كانوا يعرفون ونسوا! تسألهم عن أحلامهم، فتبدو فيها السكاكين والكلاشنيكوف والمولوتوف وقذائف "الآر بي جي" والقصف والدشم. وتطلب منهم أن يتخيلوا لو شاركوا في تلك التظاهرة، فيعجز معظمهم. تنقل إلينا كاميرتها حجم القلق والخوف والتشاؤم بالمستقبل عند أطفال لم تتجاوز أعمارهم الثانية عشرة ربما.
بين ذاكرتين
هكذا تبدو ذاكرة الأطفال هؤلاء، قبل عتبة المراهقة، مختلطة مشوشة. تجهل تاريخ بلدها ومدينتها، بل لا ترى في التاريخ ما يهمها، ما دام الأساتذة أنفسهم يكررون عليهم أن عليهم مغادرة البلاد بعد الدراسة. لكن الأطفال الذين لا يعرفون الثورة ولا يعرفون التاريخ، يعرفون الحرب وأسلحتها وخوفها المتوارث عبر الأجيال.

في المقابل، تسائل الرافعي العجائز عن ذكرياتهم، عن محل الخياط الذي فصل بدلة لشارل ديغول ذات يوم، وعن أرشيف الحوادث الكثيرة التي عصفت بالمدينة بعد الاستقلال: معركة 58، أثر نكسة 67، الحرب الأهلية ومجازرها وبخاصة التي أوقعتها "حركة التوحيد" بالشيوعيين، وثورة 2019. ويتأرجح هؤلاء ما بين النسيان وخيبة الأمل وكأن حياتهم كلها كانت ركضا وراء سراب.



