الشرق الأوسط بين ثلاثة مواعيد

بين صناديق الاقتراع في إسرائيل وأميركا وصندوق الحصار البحري على إيران والاستعدادات للحرب ومبادرات التسوية، من سيكتب الكلمة الأخيرة هذه المرة؟

الشرق الأوسط بين ثلاثة مواعيد

استمع إلى المقال دقيقة

ثلاثة مواعيد في أسبوع واحد. نتائجها أبعد من أيامها. انتخابات إسرائيل. الذكرى السبعون لحرب السويس. انتخابات أميركا النصفية.

اقتراعان تفصل بينهما ذكرى حرب. العبرة ليست في تقارب المواعيد، بل في تقاطع الدلالات. انتخابات في دولة تخوض حروباً تعتبرها "وجودية". انتخابات في إمبراطورية تمتلك قرار الحروب وحسمها أو وقفها. ذكرى حرب كشفت أن من يطلق الرصاصة الأولى قد لا يكتب الكلمة الأخيرة.

في27 أكتوبر/تشرين الأول، تذهب إسرائيل إلى صناديق الاقتراع بعد ثلاث سنوات من هجمات 7 أكتوبر وتداعياتها، من غزة إلى لبنان وسوريا وإيران. تغيرت خرائط عسكرية، واغتيل قادة، ودُمّرت منشآت. لكن كلمات النظام الإقليمي الجديد لم تكتب بعد.

في حملته الانتخابية، ذهب بنيامين نتنياهو أبعد من تدمير البرنامج النووي الإيراني وترسانة الصواريخ. تحدث عن تغيير النظام المحاصر في طهران، باعتباره الطريق إلى إزالة التهديد الإيراني. لكن بين الهدف والتنفيذ مسافات. تعرضت إيران لضربات كبيرة. النظام تغيرت وجوه رجالاته. أعاد ترتيب قيادته، وعزز "الحرس الثوري" موقعه، واستمر في استخدام أوراقه الإقليمية، وبات محشورا بالحظر وأكثر شراسة. الشواهد كثيرة في اليمن ولبنان والعراق.

هل تؤدي جولة جديدة إلى تحقيق ما لم تحققه الجولات السابقة؟ تحدثت تقارير أميركية عن خطط عسكرية مشتركة لشن ضربات جديدة ضد إيران بعد الانتخابات النصفية. تتسابق التحركات الميدانية مع المبادرات الدبلوماسية.

هنا يأتي الموعد الثاني، في 29 أكتوبر 1956، دخلت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل حرب السويس بأهداف مختلفة، بينها إسقاط جمال عبد الناصر واستعادة السيطرة على القناة. تقدمت الجيوش، لكن الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور فرض وقف الحرب. لم يسقط عبد الناصر. بات أكثر طموحا. كشفت الحرب أفول الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية وبزوغ النفوذ الأميركي.

سبق أن تناولتُ في هذه الزاوية التقاطعات بين السويس وهرمز. لكن ذكرى السويس اليوم تستحضر مفارقات أخرى، تتعلق بالجغرافيا والتحالفات وموازين القوى. هل لا يزال الأمن القومي المصري محصوراً بقناة السويس، أم بات يمتد إلى الجوار والبحر الأحمر وباب المندب؟ وهل ستوقف واشنطن اندفاع حليفها الإسرائيلي نحو حرب جديدة، أم ستشارك فيها؟ وهل ترى الصين وروسيا في انشغال أميركا بحروب الشرق الأوسط فرصة لاستنزاف نفوذها، كما استفادت واشنطن من أزمة بريطانيا وفرنسا؟

ترمب ليس أيزنهاور ويترقب خريطة الكونغرس، ونتنياهو ليس ديفيد بن غوريون ويترقب خريطة الكنيست. وأميركا التي ورثت نفوذ القوى الأوروبية قبل سبعين عاماً ليست أميركا التي تتحدث اليوم عن ضرورة اعتماد حلفائها على أنفسهم. قبل أيام، قدم توم باراك مبعوث ترمب في الدوحة، ملامح هذا التحول. تحدث عن مراجعة الدور الأميركي بوصفه الضامن التقليدي للأمن، ودعا دول المنطقة إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها وإقامة تحالفات جديدة. واستحضر إخفاقات التدخلات الأميركية ومحاولات تغيير الأنظمة في العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا.

الانتخابات النصفية الأميركية قد تعيد توزيع موازين القوى في الكونغرس، وتؤثر في قدرة ترمب على تنفيذ سياساته خلال ما تبقى من ولايته

المفارقة أن مبعوث ترمب يتحدث عن إخفاق تجارب تغيير الأنظمة، فيما يتحدث نتنياهو عن تغيير النظام الإيراني. ومفارقة أخرى أن أميركا تطلب من حلفائها الاعتماد على أنفسهم، بينما تبقى قراراتها العسكرية وعلاقتها بإسرائيل من أبرز العوامل التي تحدد أمنهم، ويفاجئهم رئيسها بقراراته وتغريداته وانعطافاته.

وهنا تأتي أهمية الاستحقاق الثالث، في 3 نوفمبر/تشرين الثاني. الانتخابات النصفية الأميركية قد تعيد توزيع موازين القوى في الكونغرس، وتؤثر في قدرة ترمب على تنفيذ سياساته خلال ما تبقى من ولايته. صحيح أن السياسة الخارجية لا تتوقف عند نتائج انتخابات الكونغرس، لكن حسابات الحرب والتفاوض وتوازن السلطات والانقسامات السياسية تتأثر بالسياسة الداخلية.

الكلمة الأخيرة ليست دائما لمن يطلق الرصاصة الأولى. وبين صناديق الاقتراع والاستعدادات للحرب ومبادرات التسوية، من سيكتب الكلمة الأخيرة هذه المرة؟

وبين انتخابات إسرائيل وأميركا، تجد دول الشرق الأوسط نفسها أمام احتمالات متناقضة: حرب جديدة أو تسوية مع إيران، استمرار التحالفات القديمة أو إعادة تشكيلها، وحضور عسكري أميركي يقابله تراجع في الاستعداد لتحمل أعباء أمن الحلفاء، وحروب دون تنسيق مع شركاء يدفعون ثمن تداعياتها.

في 1956، كانت السويس لحظة كشفت انتقال مركز الثقل الدولي من أوروبا إلى أميركا. وبعد سبعين عاماً، لا يبدو أن هناك قوة واحدة جاهزة لوراثة واشنطن. أميركا الأقوى، الصين تتقدم، وروسيا تغامر، ودول المنطقة تحاول نسج تحالفات إقليمية جديدة وتوسيع هامش قرارها بين القوى الكبرى.

ثلاثة مواعيد، وسبعون عاماً. استحقاقات انتخابية واستعدادات عسكرية. في حرب السويس، لم تكن الكلمة الأخيرة لمن أطلق الرصاصة الأولى. وبين صناديق الاقتراع في إسرائيل وأميركا وصندوق الحصار البحري على إيران والاستعدادات للحرب ومبادرات التسوية، من سيكتب الكلمة الأخيرة هذه المرة؟

font change