الجليد يذوب... فهل تتحرك الحدود؟

تساؤلات حول مستقبل الحدود الدولية تهدد استقرار الدول ويدفعها إلى البحث عن ضمانات قانونية لسيادتها

رويترز
رويترز
العالمان ينس إين (إلى اليسار) وكريستي وود يجمعان عينات مياه من برك ذوبان الجليد البحري في بحر تشوكشي بالمحيط المتجمد الشمالي، 10 يوليو/تموز 2011

الجليد يذوب... فهل تتحرك الحدود؟

لم تعد تداعيات التغير المناخي مقتصرة على ارتفاع درجات الحرارة والفيضانات والجفاف، إنما امتدت إلى قضية أكثر تعقيدا تتعلق بحدود الدول وسيادتها على أراضيها ومياهها ومواردها الطبيعية. فمع ذوبان الأنهار الجليدية وتراجع السواحل وتغير مجاري الأنهار، بدأت بعض المعالم الجغرافية التي استخدمت تاريخيا لرسم الحدود الدولية تفقد استقرارها، لتطرح تساؤلات قانونية وسياسية غير مسبوقة: هل يمكن أن تتغير الحدود بين دولتين نتيجة ارتفاع حرارة الأرض؟ وهل تستطيع دولة أن تحتفظ بحقوقها البحرية إذا غمرت المياه أجزاء من أراضيها؟

في أعالي جبال الألب، على ارتفاع نحو 3,480 مترا فوق مستوى سطح البحر، يقدم نزل جبلي صغير مثلا ملموسا على هذا التحول. فقد وجد نزل "ريفوجو جويدي دل تشيرفينو" الذي شيده إيطاليون عام 1984 قرب قمة "تيستا غريجيا" على الحدود مع سويسرا، نفسه في قلب إشكال حدودي بعدما أدى تراجع الجليد إلى تغير المعالم الطبيعية التي يستند إليها تحديد الحدود بين البلدين.

وكان النزل عند إنشائه يقع ضمن الأراضي الإيطالية، غير أن ذوبان أجزاء من نهر ثيودول الجليدي غيّر موضع خط تقسيم المياه، وهو الخط الذي يفصل بين اتجاهات جريان المياه على جانبي المرتفعات، ويستخدم مرجعا لتحديد أجزاء من الحدود الجبلية. وقد أظهرت تقديرات جغرافية سابقة أن نحو ثلثي المبنى قد يقعان على الجانب السويسري وفق المسار المتغير للحدود، رغم استمرار ارتباطه إداريا واقتصاديا بإيطاليا.

رويترز
سياح ينتظرون انهيار الحافة الأمامية لنهر بيريتو مورينو الجليدي، بالقرب من مدينة إل كالافاتي في مقاطعة سانتا كروز بمنطقة باتاغونيا جنوب الأرجنتين، 2 مارس/آذار 2012

وتحولت المسألة إلى مفاوضات بين البلدين لإيجاد تسوية تراعي التغيرات الطبيعية والمصالح المحلية. وفي مايو/أيار 2023، توصلت لجنة مشتركة إلى مشروع لتعديل الحدود في مناطق "تيستا غريجيا" و"بلاتو روزا" و"كوخ كاريل" و"غوبا دي رولين" قبل أن يوافق المجلس الفيديرالي السويسري، في 27 سبتمبر/أيلول 2024، على توقيع الاتفاق.

وأفادت تقارير إيطالية بأن الترتيبات المقترحة تبقي النزل ضمن الأراضي الإيطالية، مقابل تعديلات حدودية أخرى. غير أن الموافقة السويسرية لم تكن، في حد ذاتها، دليلا على اكتمال جميع إجراءات نفاذ الاتفاق من الجانبين.

تشكيل الجغرافيا

تكشف هذه الواقعة كيف يمكن التغير المناخي أن يعيد تشكيل الجغرافيا التي تقوم عليها بعض الحدود الدولية، دون أن يعني ذلك انتقال السيادة تلقائيا من دولة إلى أخرى. ففي المناطق التي تتبع فيها الحدود خط تقسيم المياه أو معالم طبيعية متحركة، قد تقتضي التغيرات البيئية إعادة المسح والترسيم أو التوصل إلى اتفاقات جديدة، بينما تظل الحدود المحددة بإحداثيات ثابتة أو معاهدات ملزمة خاضعة لقواعدها القانونية.

ووفقا للمكتب الفيديرالي السويسري للطوبوغرافيا، فإن نحو 40 كيلومترا من الحدود السويسرية الإيطالية، البالغ طولها 578 كيلومترا، تمر عبر ثلوج دائمة أو أنهار جليدية. وقد تسبب تراجع نهر ثيودول الجليدي بالفعل في تحرك أحد المقاطع الحدودية بما يتراوح بين 100 و150 مترا خلال الفترة من 1940 إلى 2000، وهو ما يوضح حجم التغيرات التي يمكن أن تحدث في المناطق الجبلية.

بعض الاتفاقات تسمح بتحرك الحدود تبعا للتغير التدريجي في مجرى النهر، بينما تبقي اتفاقات أخرى الحدود ثابتة رغم تغير المجرى، خصوصا عندما ينتج التغير عن تحول مفاجئ.

ويقول هشام عيسى، المنسق المصري السابق لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية في شأن تغير المناخ، لـ"المجلة"، إن التغير المناخي يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة على حدود الدول، بل قد يتحول إلى عامل مؤثر في السيادة الوطنية وتوازنات القوى والصراعات الجيوسياسية الدولية.

لا تقتصر هذه المخاطر على الأنهار الجليدية، إذ يمكن أن تؤثر التغيرات في أنماط هطول الأمطار والفيضانات الشديدة في مجاري الأنهار التي تشكل حدودا بين الدول. وبينما تسهم عمليات التعرية والترسيب الطبيعية في تغير بعض المجاري النهرية بمرور الزمن، قد تؤدي الفيضانات إلى تحولات مفاجئة في مساراتها، مما يثير خلافات تتعلق بملكية الأراضي وحقوق المياه والوصول إلى الموارد الطبيعية.

مع ذلك، فإن الأثر القانوني لهذه التحولات يختلف باختلاف المعاهدات التي تحكم كل حدود. فبعض الاتفاقات يسمح بتحرك الحدود تبعا للتغير التدريجي في مجرى النهر، بينما تبقي اتفاقات أخرى الحدود ثابتة رغم تغير المجرى، خصوصا عندما ينتج التغير من تحول مفاجئ. ولذلك، فإن العلاقة بين تغير المناخ والنزاعات الحدودية ليست آلية أو حتمية، بل تتوقف على طبيعة الحدود والقواعد القانونية المنظمة لها.

إذا كان ذوبان الجليد في جبال الألب قادرا على تغيير موضع الحدود البرية، فإن ارتفاع مستوى سطح البحر يثير إشكالات أوسع وأكثر تعقيدا، لا سيما بالنسبة للدول الساحلية والجزرية الصغيرة، التي ترتبط مساحات مناطقها البحرية وحدود بعض حقوقها الاقتصادية بالمعالم الجغرافية لسواحلها.

فقدان الأراضي الساحلية

بحسب الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، ارتفع المتوسط العالمي لمستوى سطح البحر بنحو 20 سنتيمترا خلال الفترة من 1901 إلى 2018، مع تسارع معدل الارتفاع من نحو 1.3 مليمتر سنويا بين عامي 1901 و1971 إلى نحو 3.7 مليمترات سنويا بين 2006 و2018. ويرجع ذلك أساسا إلى التمدد الحراري لمياه المحيطات نتيجة ارتفاع حرارتها، وذوبان الأنهار الجليدية والصفائح الجليدية في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية.

وتتجاوز آثار هذه الظاهرة فقدان الأراضي الساحلية، لتشمل تآكل الشواطئ وزيادة الفيضانات الساحلية وتسرب المياه المالحة إلى مصادر المياه العذبة، فضلا عن تهديد البنية التحتية والمناطق السكنية. وتواجه الدول الجزرية المنخفضة، ومنها توفالو وكيريباتي وجزر مارشال، تحديات استثنائية، نظرا لمحدودية مساحاتها وارتفاع أجزاء واسعة من أراضيها بضعة أمتار فقط فوق مستوى سطح البحر.

وقد لفتت توفالو أنظار العالم إلى هذه القضية خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ "كوب 26" الذي استضافته مدينة غلاسكو البريطانية عام 2021، عندما ظهر وزير خارجيتها آنذاك، سيمون كوفي، في رسالة مصورة وهو يقف داخل مياه البحر، في مشهد أراد من خلاله تجسيد الأخطار الوجودية التي يفرضها ارتفاع مستوى المحيطات على بلاده.

تجيز المادة الثالثة لكل دولة ساحلية تحديد عرض بحرها الإقليمي بما لا يتجاوز 12 ميلا بحريا من خطوط الأساس، بينما تنص المادة 57 على ألا تمتد المنطقة الاقتصادية الخالصة إلى أكثر من 200 ميل بحري من هذه الخطوط

ولم يكن التحذير متعلقا بغرق المنازل وفقدان الأراضي وحدهما، بل شمل أيضا مستقبل الدولة ذاتها، وحقوق سكانها في الاحتفاظ بجنسيتهم وهويتهم وسيادتهم على مناطقهم البحرية، حتى إذا أصبحت أجزاء كبيرة من أراضيهم غير صالحة للسكن.

ويقول عيسى إن الدول الساحلية ستواجه تحديا يتمثل في الحفاظ على حقوقها السيادية رغم التغيرات المادية التي تصيب أراضيها وسواحلها، مشددا على أهمية تثبيت الحدود البحرية قانونيا، وتوثيق الإحداثيات، والتوصل إلى تفاهمات دولية تمنع تحول التغيرات المناخية إلى سبب للنزاع على الأراضي أو الموارد.

تكتسب هذه القضية أهمية قانونية خاصة في ضوء اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تنظم حقوق الدول والتزاماتها في البحار والمحيطات. فوفقا للمادة الخامسة، يقاس البحر الإقليمي، في الحالات العادية، انطلاقا من خط أدنى الجزر على امتداد الساحل، كما يظهر في الخرائط البحرية المعترف بها رسميا لدى الدولة الساحلية.

وتجيز المادة الثالثة لكل دولة ساحلية تحديد عرض بحرها الإقليمي بما لا يتجاوز 12 ميلا بحريا من خطوط الأساس، بينما تنص المادة 57 على ألا تمتد المنطقة الاقتصادية الخالصة إلى أكثر من 200 ميل بحري من هذه الخطوط. ويختلف الوضع القانوني لكل منطقة، إذ تتمتع الدولة بالسيادة على بحرها الإقليمي، بينما تملك في المنطقة الاقتصادية الخالصة حقوقا سيادية محددة، تشمل استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها وإدارتها، إلى جانب اختصاصات أخرى تتعلق بالبحث العلمي وحماية البيئة البحرية.

تراجع السواحل

أما الجرف القاري، الذي تنظمه المادة 76، فيشمل قاع البحر وباطن أرضه خارج البحر الإقليمي، ويمتد قانونيا إلى مسافة 200 ميل بحري عندما لا تصل الحافة القارية الطبيعية إلى هذا الحد. ويمكن أن يمتد إلى ما وراء هذه المسافة إذا استوفت الدولة الشروط العلمية والقانونية المنصوص عليها في الاتفاقية، مع خضوع حدودها الخارجية لقيود خاصة قد تصل، في بعض الحالات، إلى 350 ميلا بحريا أو إلى مسافة تقاس استنادا إلى خط عمق 2500 متر.

يعني ذلك أن الحقوق المتعلقة بالجرف القاري ليست مطابقة لحقوق المنطقة الاقتصادية الخالصة، إذ تختص الدولة الساحلية في الجرف باستكشاف واستغلال موارده الطبيعية في قاع البحر وباطن أرضه، دون أن يترتب على هذه الحقوق بالضرورة امتلاك السيادة على المياه التي تعلوه.

رويترز
لقطة جوية لجزيرة فونافوتي، وهي الجزيرة الأكثر اكتظاظا بالسكان في توفالو، 6 سبتمبر/أيلول 2024

تكمن المشكلة في أن تراجع السواحل أو غمر بعض المعالم البرية بالمياه يمكن أن يثير تساؤلات في شأن موقع خطوط الأساس التي تقاس منها المناطق البحرية، وما إذا كان ينبغي تعديل الحدود الخارجية لهذه المناطق تبعا للتغيرات الطبيعية. وتزداد أهمية هذه المسألة في الدول التي تعتمد على مساحات بحرية كبيرة للصيد أو استخراج النفط والغاز، أو التي تمتلك جزرا صغيرة معرضة للتآكل والغمر.

وفي دراسة نشرتها دورية "فرونتيرز إن مارين ساينس"، تناول باحثون التأثيرات المحتملة لارتفاع مستوى سطح البحر على استحقاقات الدول البحرية وترسيم الحدود، من خلال تحليل يجمع بين القانون الدولي والمعطيات الجغرافية والفنية.

لا تلزم اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الدول تحديث خرائط خطوط الأساس والحدود الخارجية لمناطقها البحرية، المنشأة والمنشورة قانونيا، لمجرد تغير السواحل بفعل ارتفاع مستوى سطح البحر.

وأظهرت الدراسة أن تغير السواحل وغمر بعض النقاط الجغرافية المرجعية قد يثير إشكالات قانونية وفنية في تحديد المناطق البحرية، خصوصا عند تداخل مطالبات الدول المتجاورة. كما ناقشت الفروق بين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وأهمية التمييز بين تحديد الاستحقاقات البحرية من جهة، وترسيم الحدود بين الدول من جهة أخرى.

غير أن تراجع الساحل لا يعني بالضرورة أن الدولة ستفقد جزءا من مساحتها البحرية، كما أن الحدود المرسمة بموجب اتفاقات دولية لا تتغير تلقائيا بمجرد ارتفاع مستوى البحر. وهنا تتضح أهمية التطورات القانونية الحديثة التي تتجه إلى تعزيز استقرار الحدود البحرية، بدلا من إخضاعها المستمر للتغيرات الجغرافية.

القانون الدولي أمام اختبار المناخ

شهدت القضية تطورا قانونيا مهما في 23 يوليو/تموز 2025، عندما أصدرت محكمة العدل الدولية رأيا استشاريا في شأن التزامات الدول في مواجهة تغير المناخ، أكدت فيه أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لا تلزم الدول تحديث خرائط خطوط الأساس والحدود الخارجية لمناطقها البحرية، المنشأة والمنشورة قانونيا، لمجرد تغير السواحل بفعل ارتفاع مستوى سطح البحر.

ويعزز هذا التفسير استقرار الحدود البحرية، دون أن يحسم جميع المنازعات أو يلغي الشروط القانونية لترسيمها. ويتوافق مع إعلان منتدى جزر المحيط الهادئ عام 2021، الداعي إلى الحفاظ على المناطق البحرية المحددة قانونيا رغم ارتفاع مستوى البحر.

وتكتسب هذه الحماية أهمية خاصة لدول جزرية صغيرة، مثل توفالو وجزر مارشال، تخشى فقدان حقوق بحرية واقتصادية واسعة نتيجة تقلص أراضيها. لكن السؤال الأكثر تعقيدا يتعلق بمصير الدولة نفسها إذا غمرت المياه أراضيها بالكامل واضطر سكانها إلى الهجرة.

في جنوب أميركا الجنوبية، تكشف منطقة حقل الجليد الباتاغوني الجنوبي، الممتدة بين تشيلي والأرجنتين، جانبا آخر من تأثير التغير المناخي على الحدود الدولية

وأوضحت محكمة العدل الدولية أن اختفاء أحد عناصر الدولة بعد نشأتها لا يؤدي بالضرورة إلى زوال صفتها القانونية، دون حسم جميع المسائل المتعلقة بممارسة السيادة واستمرار المؤسسات وحقوق السكان حال فقدان الإقليم.

ويقول عيسى إن دولا منخفضة مثل توفالو وكيريباتي تواجه مخاطر متزايدة من الفيضانات وتملح المياه وفقدان الأراضي الصالحة للسكن، وسط توجه دولي متنامٍ للحفاظ على الاعتراف بها وحقوقها السيادية، رغم استمرار التعقيدات القانونية والعملية.

أ.ف.ب
كوخ بنوافذ مزينة بشعار الصليب السويسري، بالقرب من ملجأ "ريفوجيو غايدي ديل تشيرفينو" الواقع على ارتفاع 3480 مترا عند قمة "تيستا غريجيا"، 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2020

وفي جنوب أميركا الجنوبية، تكشف منطقة حقل الجليد الباتاغوني الجنوبي، الممتدة بين تشيلي والأرجنتين، جانبا آخر من تأثير التغير المناخي على الحدود الدولية. ويعود الخلاف بين البلدين إلى تباين تفسير معاهدة 1881 وبروتوكول 1893 في شأن القمم الجبلية وتقسيم المياه.

ورغم اتفاق البلدين عام 1998 على أجزاء من الحدود، ظل أحد المقاطع بحاجة إلى استكمال التحديد والترسيم. ويضيف تراجع الجليد تعقيدات جديدة، مع انكشاف التضاريس الصخرية وتغير بعض أنماط تصريف المياه، مما قد يؤثر في تحديد المعالم الطبيعية المستخدمة في ترسيم الحدود.

نزاع بحري

تؤكد بيانات الأقمار الصناعية فقدان حقول باتاغونيا كتلا جليدية خلال العقود الماضية، وتراجع أنهار جليدية بينها نهر تيندال، بالتزامن مع اتساع البحيرات المرتبطة به.

ومع ذلك، لم يتسبب ذوبان الجليد في نشأة النزاع، ولا توجد أدلة كافية على تغييره الحدود القانونية تلقائيا، لكنه يزيد تحديات المسح الجغرافي ويبرز أهمية الخرائط الحديثة، إلى جانب تأثيراته على الموارد المائية والنظم البيئية.

ويوضح عيسى أن التغير المناخي لا ينشئ حدودا جديدة تلقائيا، لكنه قد يعزز الأهمية الاستراتيجية للمناطق المتنازع عليها، خصوصا عندما يتيح انحسار الجليد الوصول إلى الموارد الطبيعية ويفتح مسارات للنقل والأنشطة الاقتصادية.

من أبرز الأمثلة، النزاع البحري بين الولايات المتحدة وكندا حول أجزاء من بحر بوفورت شمال ألاسكا وإقليم يوكون، الناتج من اختلاف تفسير الحدود المرتبطة بمعاهدة أبرمتها بريطانيا وروسيا عام 1825

يبرز تأثير التغير المناخي في منطقة القطب الشمالي، حيث يؤدي ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الجليد البحري إلى تسهيل الوصول الموسمي الى مناطق كان يصعب بلوغها، مما يعزز أهميتها الاقتصادية والاستراتيجية.

ومن أبرز الأمثلة النزاع البحري بين الولايات المتحدة وكندا حول أجزاء من بحر بوفورت شمال ألاسكا وإقليم يوكون، الناتج من اختلاف تفسير الحدود المرتبطة بمعاهدة أبرمتها بريطانيا وروسيا عام 1825. ورغم أن التغير المناخي لم يتسبب في النزاع، فإنه زاد أهميته مع تنامي الاهتمام باحتياطيات النفط والغاز المحتملة. وفي سبتمبر/أيلول 2024، شكل البلدان فريق عمل للتفاوض في شأن الحدود البحرية المتداخلة.

كما يثير انحسار الجليد نقاشات حول الملاحة والأنشطة الاقتصادية والأمن البحري، دون أن يعني صلاحية المنطقة للملاحة المنتظمة طوال العام بسبب استمرار الظروف القطبية القاسية. وقد تدفع هذه التحولات الدول إلى تكثيف المسح الجغرافي والمفاوضات وإعادة تقييم مصالحها الاستراتيجية.

تكشف التطورات الممتدة من جبال الألب إلى جزر المحيط الهادئ، ومن حقول باتاغونيا الجليدية إلى بحر بوفورت، أن التغير المناخي بات يؤثر في العلاقة بين الجغرافيا والقانون الدولي. فالحدود التي تبدو ثابتة قد تعتمد على أنهار وجليد وسواحل متغيرة، بينما تحتاج الدول إلى قواعد قانونية مستقرة لحماية سيادتها ومواردها وسكانها.

ولا يعني تغير مجرى نهر أو ذوبان كتلة جليدية نشوء نزاع حدودي بالضرورة، لكن الخطر يكمن في اتساع الفجوة بين الجغرافيا المتغيرة والحدود القانونية القائمة، مما يعزز أهمية الاتفاقات الثنائية والمسح الدقيق والتعاون الدولي، خصوصا في المناطق التي لم يحسم ترسيمها.

في المقابل، تسعى التطورات القانونية الأخيرة إلى حماية الدول الأكثر تضررا من تغير المناخ، عبر تعزيز استقرار حدودها البحرية واستمرار شخصيتها القانونية، بما يحول دون خسارتها السيادة والموارد بسبب ظاهرة تتحمل الدول الأعلى انبعاثا المسؤولية الأكبر عنها.

ويؤكد عيسى، في ختام حديثه لـ"المجلة"، أن التغير المناخي لا يعيد رسم الخريطة السياسية للعالم تلقائيا، لكنه يغير الأسس الجغرافية والاقتصادية والاستراتيجية للعلاقات الدولية، لتصبح حماية الحدود قضية تتصل بالسيادة والعدالة المناخية والأمن والقانون الدولي.

font change

مقالات ذات صلة