أحمد ألتان يستنطق موتى إبادة الأرمن

"تلك السنة" رواية عن الحب في زمن البربرية

BULENT KILIC / AFP
BULENT KILIC / AFP
الصحافي والكاتب التركي أحمد ألتان في منزله بحي كاديكوي في إسطنبول، بعد دقائق من وصوله إثر الإفراج عنه من السجن، 14 أبريل 2021

أحمد ألتان يستنطق موتى إبادة الأرمن

للموتى أحيانا ما يقولونه عن التاريخ الذي ابتلعهم، لو أتيحت لهم فرصة الكلام. ومن أصواتهم ينسج الكاتب التركي أحمد ألتان روايته "تلك السنة"، مستعيدا عام 1915 الذي شهد إبادة الأرمن في خضم الحرب العالمية الأولى وتداعي الإمبراطورية العثمانية.

في مستهل الرواية، التي صدرت ترجمتها الفرنسية حديثا عن دار "أكت سود"، نلتقي الراوي عثمان الذي يعيش منعزلا في قصر قديم، مصغيا إلى موتى يروون له حكايات الحب والخيانة والحروب والمجازر التي عاشوها. هكذا، تتسع ذاكرته لتشمل حيوات لم يعشها، ويجد ألتان سبيلا إلى استحضار إبادة سعى مرتكبوها إلى محو آثارها وطمس ذاكرة ضحاياها.

"بفضل الموتى نتعلم الحياة"، تقول إيفرونيا، إحدى الشخصيات المحورية في الرواية. ومن هذه المفارقة ينبثق سؤال أدبي وأخلاقي جوهري: من يملك حقيقة التاريخ؟ الذين صنعوا أحداثه، الذين دونوا روايته الرسمية، أم الذين اكتووا بعنفه؟ لكن ألتان لا يحصر روايته في استعادة ذاكرة مطموسة، إذ يتناول أيضا تناقضات الحب، وعبثية السلطة وزوالها، وملذات الجسد، وقدرة الإنسان على الاحتفاظ بإنسانيته حين يفقد العالم من حوله إنسانيته.

تتشابك في الرواية مسارات شخصيات عديدة، تتقدمها إيفرونيا، الممرضة الأرمنية المستقلة والمتفانية في مهنتها، التي مرت بعد وفاة زوجها بأزمة يأس وثورة على القدر، قبل أن يتحول حزنها تدريجيا إلى تعاطف عميق مع آلام الآخرين. في زمن الرواية، نجدها وقد دخل الحب حياتها مجددا مع راغب بك، الكولونيل العثماني الشجاع، المتحفظ في التعبير عن مشاعره، والقادر على إخلاص عميق.

لمسات

تقوم العلاقة بين إيفرونيا وراغب بك على اختلاف تجربتيهما في مواجهة العنف. فهو يعرف ساحات المعارك وقوانين المؤسسة العسكرية، فيما تعرف هي الأجساد الجريحة، وهشاشة النفوس، واللمسات الصغيرة القادرة على تخفيف الألم.

في ربيع عام 1915، يلتحق راغب بك بجبهة الدردنيل، حيث تخوض القوات العثمانية معارك ضارية ضد قوات الحلفاء. ويتوقف ألتان مطولا عند هذه الحملة، مستعرضا مناوراتها العسكرية، وأخطاء قادتها، وتكلفتها البشرية المروعة. وفي الوقت الذي يقاتل فيه الجيش العثماني دفاعا عن الإمبراطورية في مواجهة أعدائها الخارجيين، تنظم سلطاتها حملات ملاحقة الأرمن وتهجيرهم.

من يملك حقيقة التاريخ؟ الذين صنعوا أحداثه، أم الذين دونوا روايته الرسمية، أم الذين اكتووا بعنفه؟

هكذا، تُعتقل إيفرونيا وتُجبر، مع نساء وأطفال آخرين، على الانطلاق جنوبا في رحلة تهجير تتحول إلى مسيرة طويلة من الجوع والمرض والحرمان والموت. ومن خلال هذه المحنة، يتتبع ألتان مراحل الإبادة، من تجميع الأرمن وتجريدهم من ممتلكاتهم، إلى نقلهم بالقطارات أو سوقهم سيرا، وصولا إلى قتلهم على أيدي جماعات مسلحة كردية وشيشانية.

خلال هذه الرحلة، تحاول إيفرونيا مداواة من حولها، وإطعامهم وحمايتهم، مستفيدة من خبرتها كممرضة، وإن كانت عاجزة عن وقف ما يتعرضون له من أهوال. وفي موازاة ذلك، يسعى راغب بك إلى معرفة ما حل بحبيبته، ليكتشف تدريجيا أن وراء الجرائم المرتكبة خلف خطوط الجبهة سياسة إبادة مدبّرة تنفذها السلطات العثمانية.

AGMI / AFP
صورة أرشيفية تعود إلى عام 1915، نشرها معهد متحف الإبادة الجماعية للأرمن، يُعتقد أنها تُظهر جنودا يقفون فوق جماجم ضحايا من قرية شيخ آلان الأرمنية في وادي موش، على جبهة القوقاز خلال الحرب العالمية الأولى

تتسع هذه الجدارية الروائية لشخصيات أخرى، منها حكمت بك، الذي يراقب بفطنة مظاهر الانحلال السياسي، وديلفسر، التي يمنحها شغفها بالأدب فهما مرهفا للعالم، وديلارا، التي يربطها براغب بك ماض عاطفي معقد. وإلى جانب هؤلاء، يحضر نظام وآنيا اللذان تشكل قصة حبهما وسعادتهما الهشة نقيضا للعنف الذي يجتاح زمنهما.

أهوال لا تمحى

في الفصول الأخيرة من الرواية، تنجو إيفرونيا من الموت مرارا، وتضطر خلال أحد الاعتداءات إلى قتل مهاجمها دفاعا عن نفسها. وحين تبلغ أقصى درجات الإنهاك، يتمكن راغب بك من العثور عليها بمساعدة عدد من الأشخاص، بينهم المسعف الألماني أرمين فيغنر، أحد شهود الإبادة. وإذ يشكل لقاؤهما إحدى الذرى العاطفية في الرواية، فإن الأهوال التي عاشتها إيفرونيا تبقى حاضرة، عصية على المحو.

Eric Feferberg / AFP
تمثال برونزي من أعمال النحات دافيد يريفانتسي، يجسد الأب كوميتاس، المؤلف الموسيقي واللاهوتي الأرمني، خلال مراسم إحياء ذكرى الإبادة الجماعية للأرمن في باريس، 24 أبريل 2019

أحد أكثر جوانب الرواية إثارة للاهتمام هو كشف ألتان فيها أن إبادة الأرمن نشأت في مجتمع راق ومثقف، تتشابك فيه العلاقات الشخصية والعاطفية، وتزدهر الحفلات الموسيقية والصالونات الأدبية والحياة الأريستقراطية. من هنا تكتسب واقعة الملحن الأرمني كوميتاس دلالة خاصة، إذ يحظى بتصفيق حار من جمهور مرموق يضم ممثلين عن السلطة العثمانية، قبل أن يتداعى هذا الاعتراف الفني مع انطلاق حملة الإبادة.

هذا التعايش بين الرقي الثقافي والعنف السياسي يشكل إحدى المفارقات المركزية في الرواية، ويُظهر من خلاله ألتان أن الثقافة والتعليم والتهذيب الاجتماعي لا تحول بالضرورة دون ارتكاب الجرائم الجماعية. فالبربرية قادرة على التعايش مع أكثر أشكال الحياة تحضرا، وما تكشفه الرواية في هذا الصدد يتجاوز السياق العثماني.

 STRINGER / Collection BDIC / AFP
صورة أرشيفية نشرتها المكتبة الدولية للتوثيق المعاصر في أغسطس 1915، تُظهر قوات أوسترالية تنزل إلى شبه جزيرة غاليبولي خلال عملية الدردنيل في الحرب العالمية الأولى، المعروفة أيضا بمعركة غاليبولي

على المستوى البنيوي، تقوم في "تلك السنة" مقابلة محكمة بين معارك الدردنيل وعمليات تهجير الأرمن. ففي الوقت الذي يخوض فيه الجنود على الجبهة معارك دامية وفق منطق عسكري معلوم، تستهدف عمليات الإبادة في الداخل مدنيين عزّلا، بينهم نساء وأطفال، بسبب انتمائهم الأرمني. ومن خلال هذه المقابلة، تبرز الرواية الفارق الأخلاقي بين القتال العسكري، مهما بلغت ضراوته، والإبادة المنظمة لجماعة بشرية بأسرها.

سؤال جوهري

يتجلى هذا التمايز بوضوح في شخصية راغب بك، الذي يجد شرفه العسكري في تعارض متزايد مع الجرائم التي ترتكبها السلطة التي يخدمها. وتكمن أهمية هذه الشخصية في انتمائها إلى المؤسسة العسكرية العثمانية، مع رفضها الخلط بين الوفاء للوطن وطاعة حكامه. ويطرح موقفها سؤالا جوهريا: في أي لحظة تكف الوطنية عن كونها فضيلة لتصبح ذريعة للجريمة؟ سؤال تميز الرواية من خلاله بين الانتماء إلى وطن والخضوع لمن يدّعون تمثيله.

الثقافة والتعليم والتهذيب الاجتماعي لا تحول بالضرورة دون ارتكاب الجرائم الجماعية، فالبربرية قادرة على التعايش مع أكثر أشكال الحياة تحضرا

لكن إيفرونيا تبقى المركز الأخلاقي الأول للرواية. ويحرص ألتان على منحها شخصية تتجاوز ما تتعرض له من اضطهاد، بماضيها الشخصي، وطبعها الحازم، وعلاقتها الصراعية مع السماء، وحياتها العاطفية، ورؤيتها المتطلبة للتضامن. وقد تعلمت، قبل عمليات التهجير، استشعار آلام الآخرين من خلال تجربتها الخاصة مع الفقد والحداد. وحين تقع الكارثة، تواصل رعاية المرضى والأطفال، رغم الظروف القاسية التي تجعل أبسط محاولات الإسعاف مهمة شاقة.

BULENT KILIC / AFP
الصحافي والكاتب التركي أحمد ألتان مبتسما خلال مقابلة في منزله بإسطنبول، 5 يناير 2022 بعد الإفراج عنه إثر قضائه نحو خمس سنوات في السجن بتهمة التورط المزعوم في محاولة انقلاب فاشلة

مع ذلك، لا يحوّلها ألتان إلى قديسة أو بطلة نموذجية، فهي تعرف الخوف والإنهاك والغضب، وتستجيب لغريزة البقاء. وعندما تقتل المعتدي عليها، يصبح العنف الذي مارسته شرطا لوجودها. ويطرح هذا المشهد سؤالا مقلقا: كيف نحافظ على إنسانيتنا حين يتعين علينا اللجوء إلى العنف لمنع فنائنا؟ وتخرج إيفرونيا من هذه المحنة مثقلة بذكرى الموتى الذين عجزت عن إنقاذهم، فلا تبدو نجاتها انتصارا خالصا.

لكن فتنة الرواية تكمن خصوصا في آليتها السردية المتمثلة في حوارات راويها عثمان مع الموتى. وهي حيلة تتيح لألتان التنقل بحرية بين الأزمنة والأحداث، والنفاذ إلى سرائر الشخصيات من منظور لاحق. وينشأ عن ذلك ازدواج زمني لافت: الشخصيات تعيش الأحداث من دون معرفة ما ينتظرها، ثم ترويها بعد موتها وقد انكشفت لها مصائرها. ويضيف هذا الازدواج إلى سؤال التشويق التقليدي "ماذا سيحدث؟" توترا آخر ينبع من المسافة بين ما عاشته الشخصيات ووعيها اللاحق بالكارثة.

تتجلى براعة ألتان أيضا في التناوب بين المشاهد الحميمة والنقاشات الفلسفية والوصف العسكري وفصول التهجير، مما يمنح الرواية بعدا بانوراميا. وفي هذا البناء السردي، يحضر التاريخ الجماعي بوصفه قوة تتغلغل في العلاقات الخاصة وتؤثر حتى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية.

غلاف "تلك السنة"

مجازفة

مع ذلك، ينطوي هذا النسق السردي على مجازفة. فقدرة الموتى على تفسير أفعالهم بأثر رجعي، تقلص أحيانا الغموض المحيط بالشخصيات. كما يميل ألتان إلى الكشف عن دوافعها في مواضع كان يمكن الصمت أو عدم اليقين أن يكونا فيها أكثر سطوة.

وهذا ما يقودنا إلى تسجيل ثلاثة تحفظات نقدية على الرواية: الأول يتعلق بالمنزع التفسيري للسرد، إذ تصوغ شخصيات عديدة تأملات أخلاقية أو فلسفية مستفيضة، بحيث تبدو أحيانا كأنها تعبّر مباشرة عن أفكار ألتان نفسه. ويبطئ ذلك وتيرة السرد، ويضفي على بعض الحوارات طابعا تقريريا.

التحفظ الثاني يرتبط بتفاوت الإيقاع. فالمسارات المخصصة للعمليات العسكرية غنية وموثقة في عرضها، لكن دقتها قد تبدو زائدة على الحد، مقارنة بالحدة الدرامية لمشاهد التهجير. أما التحفظ الثالث، فيتعلق برسم بعض الشخصيات وفق مواقف أخلاقية شديدة التحديد، بحيث تبدو بصيرتها، أو طيبتها، أو كلبيتها، أحيانا واضحة أكثر من اللازم.

مع ذلك، لا يمكن فصل هذه التحفظات عن طموح الرواية نفسها، المتمثل في الإحاطة بالتاريخ العسكري، والآليات السياسية، والأهواء الخاصة، والكارثة الجماعية، في آن واحد. فهذه الوفرة، التي تشكل أحيانا أحد مواطن ضعف الرواية، تبقى أيضا أحد منابع قوتها.

في أي لحظة تكف الوطنية عن كونها فضيلة لتصبح ذريعة للجريمة؟ سؤال تميّز الرواية من خلاله بين الانتماء إلى وطن والخضوع لمن يدّعون تمثيله

في الحصيلة، تتجاوز المسألة المركزية في "تلك السنة" مجرد تذكّر الماضي، لتطرح مسؤوليتنا الأخلاقية تجاه هذه الذاكرة. فحضور الموتى فيها يُلزمنا استعادة معاناتهم، وأيضا تفكيك الآليات التي تجعل الجريمة الجماعية ممكنة، كالانصياع الأعمى، واللامبالاة، والخوف، والنزعات القومية، ونشوة السلطة.

وبما أن مقاومة الإبادة تقتضي إبقاء ضحاياها أحياء وفريدين في الذاكرة الإنسانية، فإن الإسهام الأعمق لرواية ألتان يكمن في رد الاعتبار إلى ضحايا إبادة الأرمن، واستعادة إنسانيتهم بكل ما تنطوي عليه من تعقيد.

font change