مع استمرار الحرب الدموية التي تشنها دولة الاحتلال على الشعب الفلسطيني منذ ثلاث سنوات، تنامى ظهور كتابات أدبية، من شعر وقصة ورواية وشهادات ويوميات، تتحدث عن الحرب وعن تجارب كتابها خلالها ومعها وعنها. بل ظهر مصطلح "أدب الإبادة" في الإشارة إلى ما يكتب في هذا السياق. ولما كان من الطبيعي أن ترافق هذه الإبادة كتابات تشهد عليها وتوثقها وتروي تجارب من عاشها، فقد نتج منها نصوص وشهادات وكتابات سردية وروائية، جنبا إلى جنب أعمال تنتمي إلى مختلف الحقول الفنية، استطاعت أن تجسد حجم الكارثة الإنسانية التي حلت بقطاع غزة وأهله.
كما شهدت السنوات الثلاث الماضية ظهور كتابات لا ترتقي إلى التعبير عن مستوى الفاجعة وأثرها العميق. فاتسم تلك الكتابات بالركاكة والضعف الفني. واحتفي بنصوص فقط لأنها قادمة من غزة أو لأن كاتبها من هناك.
والكتابة عن الحرب جزء من عيش هذه الحرب، وهي سيرتها المحجوبة. في لحظة معينة كانت الكتابة عن الحرب من داخل غزة مهمة نضالية وجزءا من معركة البقاء، فمع انسحاب القنوات التلفزيونية من شمال غزة وتراجع التغطية الصحافية، باتت أي كتابة عن الحرب سواء صحافية أو أدبية، صراخا في عالم صامت. لقد ساهمت الكتابة الصحافية والتغطيات الفردية (هكذا بدأ أنس الشريف قبل أن تتبناه قناة "الجزيرة") التي مارسها الكثير من الشباب، في التعويض قليلا عن غياب الصحافة الواضح بعد شهر من بداية الحرب. اتجه الجميع بعد ذلك جنوبا حيث باتت مدينة رفح ودير البلح مركزين إعلاميين كبيرين. وفي هذه الظروف ظهرت الكتابات الأدبية من نصوص وشهادات وخواطر شخصية بوصفها نافذة على شمال غزة الذي كان أول ما تعرض للتدمير الشامل. بات ما يكتبه الكتاب والشعراء والفنانون والمدونون من شهادات وحكايات شخصية، وحتى تدوينات قصيرة على صفحات التواصل، الصورة الأخرى لغياب الصورة الصحافية.
من التدوين إلى الأدب
في عبارة أخرى، ومع الحصار الذي فرضته دولة الاحتلال على المعلومة والخبر والصورة، لم يبق إلا تلك الكتابات التي بدت غير منظمة وغير منتظمة، إذ ارتبطت أكثر بالظرف وبتوفر الإنترنت والكهرباء في تلك الأوقات العصيبة، وكانت تلك الكتابات تقدم معلومات شخصية عن حرب عامة، وتقدم حالة فردية وسط مذابح جماعية، لكنها في المتن، تتضمن معلومات دقيقة تصلح لنشرات الأخبار. كانت شهادات الكتاب والفنانين والمدونين، وحتى تعليقاتهم الشخصية على صفحات بعضهم بعضا، مادة صحافية بامتياز، تخبر عن واقع مغلق تجري فيه ملاحقة كل ما يصدر عنه ومنع كل ما يمكن أن يشكل تهديدا لحالة التعتيم عليه.



