"أدب الإبادة" ما له وما عليه

حيث يتفوق الموضوع على الكتابة

 OMAR AL-QATTAA / AFP
OMAR AL-QATTAA / AFP
متطوع فلسطيني يقوم بإنقاذ وترميم كتب ومخطوطات تضررت خلال الحرب، داخل مكتبة المسجد العمري الكبير في البلدة القديمة بمدينة غزة، 26 فبراير 2026

"أدب الإبادة" ما له وما عليه

مع استمرار الحرب الدموية التي تشنها دولة الاحتلال على الشعب الفلسطيني منذ ثلاث سنوات، تنامى ظهور كتابات أدبية، من شعر وقصة ورواية وشهادات ويوميات، تتحدث عن الحرب وعن تجارب كتابها خلالها ومعها وعنها. بل ظهر مصطلح "أدب الإبادة" في الإشارة إلى ما يكتب في هذا السياق. ولما كان من الطبيعي أن ترافق هذه الإبادة كتابات تشهد عليها وتوثقها وتروي تجارب من عاشها، فقد نتج منها نصوص وشهادات وكتابات سردية وروائية، جنبا إلى جنب أعمال تنتمي إلى مختلف الحقول الفنية، استطاعت أن تجسد حجم الكارثة الإنسانية التي حلت بقطاع غزة وأهله.

كما شهدت السنوات الثلاث الماضية ظهور كتابات لا ترتقي إلى التعبير عن مستوى الفاجعة وأثرها العميق. فاتسم تلك الكتابات بالركاكة والضعف الفني. واحتفي بنصوص فقط لأنها قادمة من غزة أو لأن كاتبها من هناك.

والكتابة عن الحرب جزء من عيش هذه الحرب، وهي سيرتها المحجوبة. في لحظة معينة كانت الكتابة عن الحرب من داخل غزة مهمة نضالية وجزءا من معركة البقاء، فمع انسحاب القنوات التلفزيونية من شمال غزة وتراجع التغطية الصحافية، باتت أي كتابة عن الحرب سواء صحافية أو أدبية، صراخا في عالم صامت. لقد ساهمت الكتابة الصحافية والتغطيات الفردية (هكذا بدأ أنس الشريف قبل أن تتبناه قناة "الجزيرة") التي مارسها الكثير من الشباب، في التعويض قليلا عن غياب الصحافة الواضح بعد شهر من بداية الحرب. اتجه الجميع بعد ذلك جنوبا حيث باتت مدينة رفح ودير البلح مركزين إعلاميين كبيرين. وفي هذه الظروف ظهرت الكتابات الأدبية من نصوص وشهادات وخواطر شخصية بوصفها نافذة على شمال غزة الذي كان أول ما تعرض للتدمير الشامل. بات ما يكتبه الكتاب والشعراء والفنانون والمدونون من شهادات وحكايات شخصية، وحتى تدوينات قصيرة على صفحات التواصل، الصورة الأخرى لغياب الصورة الصحافية.

من التدوين إلى الأدب

في عبارة أخرى، ومع الحصار الذي فرضته دولة الاحتلال على المعلومة والخبر والصورة، لم يبق إلا تلك الكتابات التي بدت غير منظمة وغير منتظمة، إذ ارتبطت أكثر بالظرف وبتوفر الإنترنت والكهرباء في تلك الأوقات العصيبة، وكانت تلك الكتابات تقدم معلومات شخصية عن حرب عامة، وتقدم حالة فردية وسط مذابح جماعية، لكنها في المتن، تتضمن معلومات دقيقة تصلح لنشرات الأخبار. كانت شهادات الكتاب والفنانين والمدونين، وحتى تعليقاتهم الشخصية على صفحات بعضهم بعضا، مادة صحافية بامتياز، تخبر عن واقع مغلق تجري فيه ملاحقة كل ما يصدر عنه ومنع كل ما يمكن أن يشكل تهديدا لحالة التعتيم عليه.

من الخاطرة إلى القصيدة، ومن الومضة إلى القصة ومن المونولوغ إلى الرواية، لم يعد يهم النص بل السياق الذي كتب فيه، أي سياق حرب الإبادة

مع الوقت، تحول الأمر إلى "موضة" و"ترند" ولهاث وراء الإعجاب والمشاركة. ومن الخاطرة إلى القصيدة، ومن الومضة إلى القصة ومن المونولوغ إلى الرواية، لم يعد يهم النص بل السياق الذي كتب فيه، أي سياق حرب الإبادة. وعليه، ظهرت كتابات عن الحرب لم ترتق الى مستوى الكتابة، بل إن هناك من يرى فيها اعتداء على الكتابة ذاتها وتطاولا عليها، وصارت تتداول بوصفها "الكتابة" أو "القصيدة" بأل التعريف. بل بدأت تظهر روايات ودواوين بوصفها المعبرة عن الألم والوجع الفلسطيني في غزة. وانتشرت "هواية" و"غواية" الكتابة عن غزة ونشر كتب جماعية وتحرير شهادات ويوميات وقصائد جماعية. دور النشر العربية التي لم ينشر معظمها قبل ذلك كتابا واحدا لكاتب من غزة، بل لم تكن تتعامل مع الروايات ودواوين الشعر التي كان يرسلها شعراء وكتاب غزة لها، صارت فجأة تهتم بما يكتب في غزة. وبالطبع لم يكن الأمر ليفوت مؤسسات التمويل والمنظمات غير الحكومية الأوروبية وغيرها التي نظرت الى الأمر ضمن المنظور اللحظي نفسه.

 BASHAR TALEB / AFP
امرأة فلسطينية تكتب قرب خيام في خان يونس جنوب قطاع غزة، 27 يناير 2026

هكذا، بات الكثير مما يكتب من أدب عن الحرب نصوصا لا تحمل حتى رائحة المكان ولا تشتبك إلا مع الأجواء المشحونة ذاتيا، وإن فعلت فإنها تطفح بالشعارات. عموما لم ينج الأدب الفلسطيني من هذا التعاطف اللحظي إذ وقع ضحية له هو الآخر. وهذا بدوره عزز الكثير من الرداءة والركاكة. وهذا لا يجب أن ينتقص في أي حال من الكثير من النصوص والكتابات الجادة التي نجحت في أن تصنع شهادة عن الحرب، وكانت في الوقت نفسه تتمتع بالصلابة الأدبية والتعبيرية. الكاتب ليس في حاجة الى الحرب ليكتب، والنص الجيد ليس في حاجة الى هوامش تعرف القارئ بحقيقة الواقع الذي يسعى الشاعر أو القاص للحديث عنه، إذ أن النص الجيد هو عالم قائم بذاته.

خلال ذلك كله، خلقت وصاية غير مبررة على الإنتاج الأدبي الفلسطيني، إذ يمكن لشخص كتب تعليقا ما أن يقع ضحية هجوم عنيف لأنه أحال على غزة أو على الوضع هناك بطريقة مست التصورات التي احتكرها مجتمع نشطاء الكتابة. وقد لا يعدو هذا التعليق أكثر من إشادة بصمود الناس وتضحياتهم، لكن حتى هذا يبدو مرفوضا لأنه ينظر إليه من مجتمع الاحكتار هذا على أنه توظيف في خارج السياق المهيمن والمهيمن عليه.

شبكة العلاقات

لا يكفي أن تكتب نصا جيدا، بل ليس مهما أن تسعى لفعل ذلك، ما يهم هو أن تجد من يحمل هذا النص ويروج له ويترجمه الى لغات مختلفة. لذلك تقوم شبكة العلاقات بدور مهم في صناعة القناع الظاهر للعيان دون أن تدفع حقا لكتابة جيدة. يفاجأ المرء بالكثير من الكتابات المترجمة الى لغات مختلفة عبر نوافذ متعددة، وتنظم فعاليات أدبية وسياسية تقرأ فيها تلك النصوص وتقدم على أنها "أهم" ما كتب فلسطينيا أو أن صاحبها من "أبرز" الشعراء الفلسطينيين. لقد سمعت مثل هذه العبارات بأذني حين تحدث شاب عن شاعر من غزة لم أكن حتى سمعت باسمه وقال لي إنه "من أهم الشعراء الفلسطينيين". شعرت بالإحراج قليلا وبالحزن أكثر. الترجمة لم تعد نافذة لنقل الأدب الجيد، بل أداة تضامن وتعاطف، لكنها مع ذلك تعكس حجم مأساة النصوص والكتابات المتداولة. لم ينتج من هذا الاهتمام تظهير عام للمنتج الأدبي الفلسطيني، إذ أن هذه الترجمات تتم في نطاق محدود وعبر دور نشر متواضعة ولا تدفع بالأدب الفلسطيني الى مجتمع القراء بل إنها تبقى محصورة في نطاق مجموعات التضامن نفسها.

تغدو قراءة القصيدة أو استضافة كاتبها فعلا "مقاوما" يعبر عن رفض ما يجري. وهذا شعور نبيل وموضع تقدير، لكن إحدى نتائجه السلبية أنه يشجع على الكثير من المنتج الضعيف والركيك

كذلك، فإن التعاطف مع هذه النصوص هو تعاطف مع التجربة وقسوتها، وليس مع الكتابة نفسها. فالقارئ لا يهمه النص بل يهمه أن من كتبه يحيل على تجربة يشاهدها كل يوم في نشرات الأخبار ولا يستطيع أن يفعل شيئا لإيقافها، لذا تغدو قراءة القصيدة أو استضافة كاتبها فعلا "مقاوما" يعبر عن رفض ما يجري. وهذا شعور نبيل وموضع تقدير، لكن إحدى نتائجه السلبية أنه يشجع على الكثير من المنتج الضعيف والركيك. وعند المراجعة الحقيقية لواقع الأدب الفلسطيني المترجم فإن إحدى الملاحظات التي يمكن لقارئ جيد أو ناقد متفحص أن يخلص إليها، هي أن الأدب الفلسطيني "ضعيف" مقارنة بآداب أخرى، لأن مثل هذه الملاحظة ستعتمد على المتوفر والمترجم من هذا الأدب.

  EYAD BABA / AFP
متطوع من فريق "حراس التراث" يجمع كتبا خلال أعمال للحفاظ على المعالم التاريخية لمسجد أبو سليم المتضرر إثر غارة إسرائيلية في دير البلح وسط قطاع غزة، 27 أغسطس 2026

وتأسيسا على ذلك، بدا أن غزة في المحصلة العامة لا تحترف إلا الكتابة عن الحرب. وثمة ملاحظتان واجبتان في هذا السياق. الأولى أن هذا الاهتمام لم يقد الى الاهتمام بالأدب في غزة بالقدر نفسه الذي لم ينتج من الاهتمام بترجمة نصوص الحرب من غزة ومن فلسطين في أوروبا اهتماما بترجمة الأدب الفلسطيني. فدور النشر العربية الكبرى التي بعضها أوكل الى بعض الكتاب "العرب" تحرير مجاميع ومجلدات عن كتابة الحرب لم تلتفت إلى وجوب نشر روايات أو مسرحيات من غزة أو لم تفكر في إعادة نشر روايات غزة الجميلة التي كتبها جيل الرواد في سبعينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي، مثل روايات الراحلين الكبار غريب عسقلاني ومحمد أيوب وعلي عودة وقصص زكي العيلة وعثمان أبو جحجوح، أو كتابات أعلام الرواية والقصة الفلسطينية في غزة من الأحياء أمثال عبد الله تايه ومحمد نصار وحبيب هنا وعمر حمش وغيرهم. كما أن إغفال المشهد الشعري لا يقل إثقالا للروح. فقصائد توفيق الحاج وعثمان حسين وعلاء الغول وغيرهم ظلت شبه محجوبة في عملية التدوين الأخيرة. بل إن شاعرا مثل سليم النفار الذي استشهد في الحرب وكان من أبرز الأصوات الشعرية الفلسطينية في العقود الثلاثة الماضية، لم تجد قصائده مكانا لها في عملية الاهتمام هذه. النفار الذي كتب الشعر والرواية والسيرة، لا يزال تحت الركام منذ قرابة ثلاث سنوات.

إغفال الجاد

أما الملاحظة الثانية، فهي أن هذا الاهتمام عكس حقيقة الفهم غير السوي لمدونة الأدب الفلسطيني بشكل عام، حيث التركيز على ما يصل أو على من ينجح في الوصول الى قنوات النشر أو الى الأصدقاء على "فيسبوك" وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي. لذلك لم تجد مساهمات الكتاب الجادين عن الحرب الطريق الى النشر والترجمة بسرعة انتشار البعض. لم يتخط الأمر كونه "موضة" و"موجة" يجب الانخراط فيها. مثلا، أغفلت الكتابات الجادة والعميقة لكوكبة كبيرة من الزملاء الشباب التي لم تحظ كتاباتهم عن الحرب ولا نتاجاتهم الروائية والشعرية بانتشار يليق بها. يمكن ذكر عشرات الشعراء والروائيين الشباب الذين كتبوا روايات وقصصا من رحم الحياة لم تحظ بالاهتمام الذي تستحقه. في النهاية، وكما بات واضحا، لا ينتشر إلا ما تحمله الريح، والريح هنا هي وسائل التواصل والعلاقات.

فليرحمنا هؤلاء من هذا العبث وليرحمنا مروجو هذه الكتابة ويعفوا الأدب الفلسطيني من هذا العبء المتراكم

خلاصة القول إن المتداول لا يعكس حقيقة الأدب الفلسطيني في غزة ولا الأدب الفلسطيني برمته. فمثل هذا الاهتمام أيضا رمى بظلاله على النظرة الى الأدب الفلسطيني عامة، وعلى التعامل معه، إذ لم يقدم صورة حقيقية عن هذا الأدب لصالح ما يطفو على السطح من نصوص. وإذا كانت غاية الأمر هي الكشف عما يجري وفضح ممارسات العدو، فليرحمنا هؤلاء من هذا العبث وليرحمنا مروجو هذه الكتابة ويعفوا الأدب الفلسطيني من هذا العبء المتراكم ويعملوا بشكل حقيقي علي تعميم السردية بعيدا من هذه الركاكة، إما من خلال تشجيع الكتابة الجيدة والقصيدة القادرة على أن تتماسك في زمن الإبادة، أو من خلال الالتفات لما يمكنه أن يخدم السردية ويفضح العدو بعيدا من تلك الانتهاكات في حق الكتابة، من مثل تطوير منظومات معلوماتية قادرة على نقل الصورة في غزة وتوظيف تعاطف المشاهير والشخصيات المؤثرة في العالم من أجل توسيع دائرة الاهتمام.

ربما ما كتبته الفنانة أنجلينا جولي قبل بضعة أيام، بقوته وإحالته المعلوماتية، يبدو أكثر تأثيرا من مئات القصائد والنصوص واليوميات والمشاهدات التي تنشر هنا وهناك. فإذا كان القصد هو التأثير في الجمهور والتحشيد والمناصرة وزيادة الوعي، فإن كلمات جولي التي جاءت في ظلال العام الثالث لحرب الإبادة عبرت بقوة عما يجري في غزة وعن معاناة الناس العزل مع اقتراب الشتاء، كما حظي تعليقها بمتابعة كبيرة لمكانتها الفنية كواحدة من أهم نجوم هوليود.

 AFP
الممثلة الأميركية أنجيلينا جولي تصل إلى معبر رفح المصري خلال زيارتها محافظة شمال سيناء لتفقد المساعدات المتجهة إلى قطاع غزة، 2 يناير 2026

ما تقترحه المقاربة السابقة لما كتبته انجلينا جولي هو أن الإصرار على "الغائية" من وراء هذا الانتشار الواسع للكتابة عن الإبادة ليس بأكثر من غطاء لتزييف المنتج الأدبي. لم تغب يوما العلاقة بين الشكل والمضمون في الفن عموما، وربما معظم التحولات في الفن سواء على صعيد الرسم أو الكتابة أو التصوير بعموميته، لم تكن إلا ضمن الصراع التنافري والتجاذبي في الوقت نفسه بين شكل المنتج ومحتواه، بين المضمون والتقنية. هذا الجدل هو ما قاد الى تحولات الراوية والسرد ونهوض القصيدة الحديثة، بجانب كل ما شهده الفن، من اللوحة إلى التجهيز والتركيب وفن الأداء والفيديو. مع ذلك لم يتم في هذا الصراع تغليب بلاغة الغاية والجدوى على قوة المنتج الفني. وفي ذروة التجريب لم يستحضر الموضوع الخارجي بوصفه شاهدا أو حجة تبيح تخريب النص. وفيما كان رامبو يأخذ القصيدة إلى منتهاها متمردا على كل السائد، كانت قصائده لا تستند إلى شيء خارجها وهي تفرض حضورها المتنامي وتترك أثرها في الكتابات الشعرية اللاحقة. كذلك كان الأمر مع التحولات الكبرى في بنية الرواية مع ظهور الرواية النفسية عبر كتابات هنري جيمس وهيمنة تيار الوعي في النصف الأول من القرن العشرين على يد جيمس جويس وفيرجينيا وولف ووليم فولكنر. والأمر نفسه يمكن أن يقال عن مسرح العبث والمسرح التجريبي وغير ذلك. في كل ذلك كان الصراع نحو التجديد لا يقود الى التخريب، وكان البحث عن الموضوع (الحداثة وتفكك العالم والتشظي) لا يعني منتجا رديئا.

حقيقة وجود الإبادة ووحشية ما جرى ويجري في غزة، ليس مسوغا ولا مبررا لتجاوز الأدبي في الأدب والفني في الفن

كل هذا جعل مصطلحا مثل "أدب الإبادة" رائجا، إذ أنه يعلي شأن الإبادة على حساب الأدب، وكأن كتابة النص عما يجري من إبادة يشكل شافعة للنص وترفيعا له عن أي نقد. فحقيقة وجود الإبادة ووحشية ما جرى ويجري في غزة، ليس مسوغا ولا مبررا لتجاوز الأدبي في الأدب والفني في الفن. استخدام كلمات كبيرة لا يعني شيئا وحشو النص بصور مجانية وتصاوير غير معبرة، يمكنها أن تثير الدهشة لا لقوتها أو لجزالتها بل لأنها لا تعني شيئا.

font change