كيف نكتب تاريخا جديدا للموسيقى العربية؟

ثقوب في الرواية الرسمية

JACK GUEZ / AFP
JACK GUEZ / AFP
المخرج والمغني الليبي حسن عريبي يعزف على العود برفقة موسيقيين من "فرقة مالوف الجماهيرية العظمى"، خلال بروفة تسبق حفلا على مسرح المدينة في باريس، 19 يونيو 2006

كيف نكتب تاريخا جديدا للموسيقى العربية؟

ثمة رواية ترسخت منذ أكثر من قرن وربع القرن، عن تاريخ الموسيقى العربية، وتحولت من مواكبة مرحلة النهوض المعرفي والاقتصادي والسياسي آنذاك إلى ثقل نجره وراءنا عن العظمة والأصالة والتأثير في الغير دون أن يتأثر نقاؤنا. فإذا ما أريد كتابة تاريخ موسيقي أدق، وجبت إزاحة هذه الصور الذهنية المثقلة على الأفق المعرفي والتشديد على الثقوب الواسعة في الرواية الرسمية، كي يتاح مجال لاحقا لمقاربة أدق وأصدق وأقرب إلى الحقيقة.

الرواية الرسمية

لنلخص سريعا ودون إجحاف، بالاعتماد على الرواية الشائعة وكتابات أساتذة مثل كامل الخلعي ود. محمود الحفني ود. محمود قطاط وكمال النجمي وغيرهم، هذا التاريخ الموسيقي الذي يبدأ مع الخروج من الجاهلية في الحجاز، وخروج العرب من موسيقى بسيطة تعتمد على الحداء على إيقاع مشي الإبل إلى موسيقى متقنة حين سمعوا نغمات العمال والموالي من الفرس والروم. بدأ عندها عصر ازدهار الموسيقى عند العرب، وصولا إلى قمته في المشرق.

في بغداد، حفل بلاط العباسيين بكبار المغنين والجواري، وبات لهم احترام وثروة كبيران، واتقن الخلفاء وأبناؤهم هذا الفن. وألفت الكتب المرجعية مثل "الأغاني" وبدأ التقليد الموسيقي الكبير في وحدة شاملة تتخطى الحدود القومية، تبلورت عناصرها وتطورت داخل إطار الرصيد الكلاسيكي، مستمدة طابعها المميز من الروح الإسلامية واللغة العربية. فجمع هذا التقليد، على اختلاف وتنوع إقليميين، ورغم بعض الاختلافات المحلية التي تثريه، الموسيقيين من حدود الهند والصين وبنغلادش واندونيسيا إلى اليونان وبلغاريا والأندلس، ومن آسيا الوسطى والبلقان إلى السودان وحدود موريتانيا ومالي وغانا وسواحل افريقيا الشرقية والغربية.

جمع هذا التقليد الموسيقيين من حدود الهند والصين وبنغلادش واندونيسيا إلى اليونان وبلغاريا والأندلس، ومن آسيا الوسطى والبلقان إلى السودان وحدود موريتانيا ومالي وغانا وسواحل افريقيا الشرقية والغربية


طور العرب نظريات إغريقية قديمة، إلا انهم احتفظوا بطابعهم الخاص. ودرسوا الموسيقى من ضمن الرياضيات، وربطوها بعلم الفلك وبالطب والطبائع والأخلاط والعلاج النفسي. وآذن جيش هولاكو الذي دمر بغداد بأفول هذا العصر الذهبي العباسي، إلا أن المدرسة المنهجية الأرموية ـ وكان تنظيرها يمثل التقليد الموسيقي الكبير أحسن تمثيل ـ وبعدما تطورت في بغداد، توسعت إلى فارس وسمرقند وأفغانستان وشمال افريقيا.

 ASHRAF SHAZLY / AFP
راقصون يقدمون عرضا خلال مهرجان النقارة للطبول التقليدية في مركز أم درمان الثقافي، بالمدينة المجاورة للعاصمة السودانية الخرطوم، 11 ديسمبر 2022

ومع خفوت دور العنصر العربي بعد خراب العراق، والدخول في عصور الانحطاط، كان العنصر الفارسي ينشط موسيقيا، فأهدى الينا أسماء النغمات والمقامات. ثم دخل العنصر التركي الآتي من سهول آسيا الوسطى إلى الأناضول وبيزنطة التي هدم إمبراطوريتها فهيمن بدوره أيضا على المشهد الموسيقي، وصارت موسيقانا عالة عليه حتى اليوم.

وراح فن الموسيقى والغناء في المشرق ينحدر بسرعة صوب الغناء التركي والغجري، إلى أن جاء عبده الحمولي (أو سيد درويش بحسب ذائقة المؤرخ) لينقذنا، بعدما مزج شذرات غناء الفقهاء والعوالم في مصر ببعض المقامات العثمانية وبالموسيقى في حلب التي كانت حفظت البقية الباقية من موسيقى العرب في الأندلس، ولا سيما الموشحات والقدود، التي أرسلت شاكر الحلبي من سوريا إلى مصر لينقلها إليها ويعيد احياء الموسيقى العربية النقية فيها. ولهذا كانت الوصلة الغنائية تبدأ بالبشروات الاسطمبولية وبالموشحات الأندلسية التي كان الشيخ شهاب الدين جمعها في سفينته التي أنعشت الموسيقى انعاشا بالغا.

أما غربا، فإن زرياب الهارب من غيرة إسحاق الموصلي لجأ إلى الأمويين في الأندلس، وعلم أهلها الأكل والملبس وآدابهما وصنع موضات قصات الشعر وأسس أول مدرسة للموسيقى بمنهج لتعليم الغناء، وزاد في العود وترا واصطنعه من أمعاء الأسد، وجعل مضرابه ريشة النسر، وأورث أهل الأندلس صناعة الغناء ولا سيما في اشبيلية التي أوجد أهلها الجديد في الموسيقى لا سيما "النوبة". وانتقلت كنوز الفن منها بعد زوال دولة المسلمين فيها إلى بلاد المغرب حيث لا تزال فيها الموسيقى الأندلسية رغم التشويه الذي أدخله الاستعمار ومحاولته محاربة الموسيقى المحلية.

الأرجح أن التفاعل بين موسيقى البلاط العربي وموسيقات الشعوب المحكومة كان تفاعلا بطيئا ومتبادلا. ليس فقط أن الغناء الحجازي الأقدم تأثر بالروم والفرس، بل أن الغناء اللاحق على فترة إسحاق الموصلي كان قد بدأ بالتغير

قد نضيف إلى جانب هذه الصورة العامة، بعض الاعتراضات الوطنية: فيشدد أبناء هذا البلد على أول وأقدم أغنية في التاريخ دونت في أرضهم، وذاك على آلاف السنين من الحضارة المتراكمة على ضفاف مياههم، وآخر على ريادته ومركزيته الدائمة، منارة للإشعاع الفني في المنطقة وعلى لجوء موسيقاه التاريخية إلى الكنائس التي تؤدى فيها الموسيقى نفسها التي كانت تعزف للملوك قبل المسيحية نفسها بآلاف السنين. كما يمكن أن نضيف أيضا الاعتراضات، على الجانب الآخر، التي ترفض نسبة شطر كبير من الإنجازات إلى العرب، وتشدد على الأصل الفارسي أو التركي أو الحبشي لهذا أو ذاك من أساطين الفن والنظريات الموسيقية. غير أن هذه الاعتراضات لا تمس جوهر الرواية بقدر ما تطالب بنصيب محلي أكبر منها.

AHMAD AL-RUBAYE / AFP
موسيقيون عراقيون يعزفون على آلة العود خلال حفل على مسرح الرشيد في العاصمة بغداد، 17 ديسمبر 2021

ثقوب في الرواية

في هذه السردية البالغة الانتشار نقاط عمياء كثيرة سنحاول اجمال أبرزها في بضعة محاور أساس:

أين أثر المجتمعات السابقة على الإسلام؟

هل الموسيقى "العربية" هي حصرا التي انطلقت من الحجاز إلى بغداد ثم الأندلس وعادت بصورة أو بأخرى من الدولة العثمانية، وريثة فارس، إلى المشرق ومن الأندلس إلى المغرب؟ أي في عبارة أخرى، ألم تساهم فنون وموسيقات الشعوب الموروثة من قبل الإسلام في إنشاء موسيقاها فوق أن تكون مجرد "لهجات محلية" أو "خصوصيات ثقافية" على هامش "التقليد الكبير"؟

لا يتصور في طبيعة الحال أن يمتد أثر الغناء الحجازي، وإن صار لاحقا غناء البلاط العباسي في بغداد والأموي في الاندلس حيث النخب بالطبع هي قرشية الأصول أو الذوق، إلى ملايين الأفراد في عدد ضخم من البلدان بحيث ينسون موسيقاهم ما قبل وصول الإسلام إلى ديارهم. يزداد هذا الشك طبعا إذا تنبهنا إلى أن مصر مثلا لم تتعرب فعلا ولم يغلب عليها الإسلام إلا بعد أربعة قرون، وخارج الحكم العباسي، وبقيت الكنائس فيها وفي الشام والعراق تتبع طقوسها الخاصة. حتى وإن قبلنا بأن الطقوس الكنسية تتأثر في نهاية الأمر بالموسيقى التي تسود خارج جدرانها، فإن هذا التأثر يستتبع مرور وقت طويل يكفي لتغيير بطيء للذائقة والذاكرة.

الأرجح أن التفاعل بين موسيقى البلاط العربي (الأموي والعباسي) وموسيقات الشعوب المحكومة، كان تفاعلا بطيئا ومتبادلا. ليس فقط أن الغناء الحجازي الأقدم تأثر بالروم والفرس، بل أن الغناء اللاحق على فترة إسحاق الموصلي كان قد بدأ بالتغير، وظهرت آلات وأساليب وغالبا دوزان جديد أي سلالم جديدة غير مسبوقة اقتحمت البلاط آتية من مصر وآسيا الوسطى وربما غيرها من البلدان. في المقابل، انتقلت أفكار وتسميات وربما أعمال لحنية من المركز البلاطي إلى المناطق الأخرى التي طبعتها بطابعها الخاص.

كان الافتراق بين موسيقى المشرق، المتأثرة بالفرس وأهل آسيا الوسطى وبين موسيقى المغرب قد أصبح ناجزا منذ القرن الثالث عشر

الموسيقى المحلية، رغم تأثرها برياح البلاط، هي التربة الأساس، وهي بالتالي ما يشرح لماذا تظل، حتى اليوم، موسيقات اليمن ومصر والمغرب والعراق مختلفة بعضها عن بعض: فكل منها يتكئ على تاريخ طويل خاص به وسابق للإسلام، ثم مشى بعدها في طريق خاص به لأنها جميعا تأثرت بمؤثرات مختلفة: التفاعل مع الأوروبيين في الأندلس وأثره في المغرب التي استقبلت أيضا تأثيرات من افريقيا السمراء، ومع الفرس وآسيا الوسطى في المشرق العربي، ومع الهند وافريقيا أيضا في اليمن وعمان والخليج عموما.

FADEL SENNA / AFP
فرقة فولكلورية من مدينة قلعة مكونة المغربية تقدم عرضا خلال الدورة الخامسة عشرة من المهرجان الدولي للرحّل في محاميد الغزلان، بالصحراء المغربية الجنوبية، 22 مارس 2018

وحدة التقليد أم تعدده؟

هل انتشر هذا "التقليد الكبير" ثم "المدرسة المنهجية" فعلا على مدى انتشار الإسلام حيثما وصل؟

يتكئ القول بالتقليد الكبير العابر للحدود لا على مقارنة فعلية للموسيقات الموروثة والمسموعة. بل على افتراضين منبثقين من الكتب: زرياب نقل الموسيقى إلى الأندلس وطبعها بطابعه منذ ذلك الوقت، والأرموي (نهاية القرن الثالث عشر) نشر المعرفة الموسيقية من خلال كتابه "الأدوار" من حدود أفغانستان إلى آخر قراء العربية. والافتراضان يحتاجان إلى تدقيق.

فزرياب (منتصف القرن التاسع للميلاد)، نقل ما تعلمه في بغداد من فن "الصوت" العباسي إلى بلاط الأمويين. لكن الكتب الأقرب إلى زمنه تنفي كثيرا من أسطورته التي شكلها أساسا كتاب المقري "نفح الطيب" المكتوب بعد زرياب بنحو ثمانمائة سنة معتمدا على شذرات من كتاب مفقود كتبه ربما أحد أحفاد زرياب بعد وفاته بمئتي عام. الموسيقى الأندلسية الفعلية تولدت من تفاعل ايبيري وشمال افريقي أساسا، نتج منه فن الموشحات الغنائية الذي لم يولد إلا بعد وفاة زرياب بقرنين، وينسب الكتاب إلى ابن باجة دورا كبيرا في نشر هذا الفن الذي كان المميز للأندلس (والمختلف جذريا على أية حال عما ستصير إليه الموشحات في المشرق). والحقيقة أن التركيز المستمر على الأندلس يهمل الاختلافات الكبيرة في الموروث المنسوب اليوم إليها، في تونس والجزائر والمغرب، ويغمط حق الانتاج المحلي الصرف وهو أغلب هذا الموروث. وقد بدأ الباحثون أخيرا فقط التنبه إلى محليته هذه وعزله عن الموسيقى "الأندلسية".

أما كتاب الأرموي "الأدوار" فهو كتاب شبابه، الذي نقح وصحح كثيرا منه في رسالته الأقل شهرة، "الشرفية"، ونجد بالفعل عددا ضخما من نسخه المخطوطة ولا ريب إنه أثر تأثيرا كبيرا في الفضاء الفارسي بأمثال الشيرازي والمراغي. أما في المجال العربي فنجد عددا ضئيلا من الكتاب ممن اتبع طريق الأرموي، أبرزهم ربما اللاذقي في نهاية القرن الخامس عشر. لكن مقارنة منهج الأرموي بما وصلنا من كتابات ممارسين للموسيقى (مثل ابن كر في مصر حوالى 1350م.، والحصكفي في شمال سوريا حوالى 1400م.، ثم بعدهما كل الكتاب منذ 1500م.) تبرز اختلافات ضخمة في مفهوم المقام وأسماء الإيقاعات، وفي غياب الاهتمام تماما بالمسائل الرياضية التي كان الأرموي ورثها من الفارابي. نعلم أن بعض ألحان المراغي وصلت، من أفغانستان، إلى مصر والشام مطلع القرن السادس عشر، إلا أنها كانت تنافس ـ بفضل الهالة التي أحيط بها اسمه ـ إنتاجا محليا لم يلبث أن ابتلعها وتخلى عن القيود والقوالب المفروضة في المدرسة المراغية. وكان الافتراق بين موسيقى المشرق، المتأثرة بالفرس وأهل آسيا الوسطى، مجددا بعد مرحلة الموصلي، وبين موسيقى المغرب قد أصبح ناجزا منذ القرن الثالث عشر (بحسب التيفاشي)، أي منذ زمن الأرموي نفسه. وبقيت الموسيقى المغاربية تتبع أساليب وتسميات وقوالب مختلفة عما ساد في المشرق.

تاريخ بلا حيوية

تعاني هذه الرواية الرسمية أيضا من "جوهرانية" عابرة للتاريخ، بل متعالية عليه. فلا مجال فيها للتلاقح والتفاعل، بل دوما للغلبة. فهذه الموسيقى إما أن تكون أصيلة وإما أن تكون مزيفة، وإما أن تكون مرتبطة في طبيعة الحال بتملك العرب (ومن هنا تعلقها بفترة العباسيين والأندلس الذهبية) أو بتراجعهم، وبالتالي بخراب موسيقاهم. وبهذا تغيب حقبات كبيرة من التاريخ وتوصم عن غير حق بالانحطاط الفني، مثل الحقبة المملوكية الزاهرة والحقبة العربية/العثمانية حتى نهاية القرن التاسع عشر مع "عصر النهضة"، وكل تاريخ بغداد منذ هولاكو حتى القرن التاسع عشر، وكذلك معظم الإنتاج المغاربي عموما. ويفترض أصحاب الرواية الرسمية تطبيقا أوتوماتيكيا لآراء ابن خلدون في خراب الموسيقى حين تخرب الدولة.

ليس صحيحا أن الموسيقى تعرضت للانقطاع في مصر والشام، ولا تبعت إملاءات البلاط العثماني، ولم ينتظر المصريون عهد الخديوي إسماعيل ليغنوا ولا شاكر "الحلبي" ليعلمهم الموشحات

وبدلا من التتبع الفعلي لآثار الممارسة، تعشق الرواية الرسمية الأبطال والشخصيات الأسطورية، وتقفز من خلالهم قفزات واسعة عبر القرون دون أدنى تنبه إلى أن من طبيعة الفنون التجدد، ومن طبيعة التقاليد الشفوية أن تتغير بسرعة تفوق كثيرا تصوراتنا، بحسب دورينغ. فيمكن هذه الرواية أن تنتقل في فقرة واحدة من طويس ومعبد في القرن السابع، إلى الموصلي وزرياب في القرن التاسع، فإلى الأرموي في القرن الثالث عشر، ومنه مباشرة إلى شاكر الحلبي وعبده الحمولي في نهاية القرن التاسع عشر! هكذا تتجسد الجوهرانية في الأشخاص الأسطوريين وتفترض تتابع "حقيقة" ما لا يفعل هذا البطل أو ذاك إلا الكشف عنها و"إعادة" الموسيقى إليها.

لهذا تعشق الرواية الرسمية المدن والجغرافيا، باعتبارها أيضا عابرة للتاريخ. فحلب وإسطنبول وفارس مراكز اشعاع لم ينقطع بحسبها. بينما تخبرنا الحقائق التاريخية أن ظهور حلب كمركز مهم، في إطار الموسيقى المتصلة بما نعرفه، ليس أسبق من مطلع القرن التاسع عشر. وشاكر الشهير كان دمشقيا ولم يبق طويلا في مصر حيث يذكره الشيخ شهاب سريعا عابرا في سفينته التي هي آخر ما صنع في مصر (باستثناء كامل الخلعي) من جمع للموشحات، والتي لم يكن لها من أثر فعلي في الموسيقى التي كانت تنتقل بعد وفاته سريعا من عصر الموشحات إلى عصر الأدوار.

أما إسطنبول العثمانية، فاعتمدت لنحو قرنين، على تنظير عربي وعلى موسيقيين فرس، قبل أن تنتعش في بلاطها موسيقى عثمانية لنحو قرنين آخرين قبل أن يبزغ تأثير أكبر لموسيقيين من خارج البلاط بكل التنوع الذي تحتويه عاصمة الإمبراطورية. غير أن إسطنبول نفسها بدت ضئيلة التأثير موسيقيا في الأراضي العربية، فلا تأثير مطلقا في بغداد، وضعيف في دمشق حتى نهاية القرن الثامن عشر، وغائب في مصر حتى أواخر القرن التاسع عشر، ومرتبط بوال واحد في تونس التي، مثل مصر، اقتبست متأخرة من إسطنبول بعض البشارف الآلية، بينما حافظت على قواعدها الغنائية ومزاجها العام.

AFP
الفنانة اللبنانية فيروز (وسط الصورة) تؤدي مشهدا من مسرحية "ميس الريم" على خشبة مسرح البيكاديللي في بيروت عام 1975، برفقة وليم حسواني (يمين الصورة) وابنها زياد الرحباني (يسار الصورة)، اللذين يرتديان زي شرطيين عثمانيين

فليس صحيحا أن الموسيقى تعرضت للانقطاع في مصر والشام، ولا تبعت إملاءات البلاط العثماني، ولم ينتظر المصريون عهد الخديوي إسماعيل ليغنوا ولا شاكر "الحلبي" ليعلمهم الموشحات التي كان معظم إنتاجها أصلا موزعا بين القاهرة ودمشق، على الأقل منذ منتصف القرن السابع عشر.

أما الفضاء الفارسي فبعد عصر ازدهار عارم، قضت تقلبات الدول الصفوية والقاجارية على موسيقيي البلاط وبقيت شذرات قليلة متناثرة، أعاد الموسيقيون في منتصف القرن التاسع عشر ترتيبها وتركيبها في وصلات (دستكاه) يتألف منها اليوم متن الموسيقى الموروثة. هكذا نجد أن معظم الموروث فعليا لا يرجع إلى أكثر من قرنين أو ثلاثة لا أكثر.

كيف نكتب التاريخ إذن؟

لئن قبلنا بوجود هذه الثقوب، فإن كتابة أدق للتاريخ ستنطلق أصلا من عكسها. أي التنبه إلى أثر المجتمعات المحلية الأقوى من التراث المركزي في الإمبراطورية، والذي يتفاعل معه ولا يكتفي بالتبعية له، وبالتالي تعدد الإرث وتنوعه بعيدا من صورة التقليد الكبير الأوحد.

وأن نتنبه إلى ديناميكية التاريخ التي تعني تغييرا مستمرا وعمرا قصيرا للتقاليد ومراحل من الانقطاع والاستمرار، والافتراق والتلاقح، وإلى أن الشخصيات الكبرى لا تنبت إلا في ظل شروط من التراكم المعرفي والفني والاقتصادي والتقني، وأن التوقف عندها دون النظر في ما سبقها وما تلاها حقا يعمي الأبصار عن الحقائق.

إن تطوير رواية بديلة للموسيقى في البلاد العربية يفترض أن ينطلق إذن من تاريخ أقدم بكثير من الإسلام، وأن يتقصى في ما ترك لنا من تدوين عن أثر الاختلافات الناجمة عن هذا التاريخ، وعن المؤثرات المختلفة التي تفاعلت معها الشعوب، كل بحسب تاريخه وموقعه الجغرافي الفريد.

كتابة أدق للتاريخ تنطلق من التنبه إلى أثر المجتمعات المحلية الأقوى من التراث المركزي في الإمبراطورية، والذي يتفاعل معه ولا يكتفي بالتبعية له

وعليه أن ينطلق من نظرة غير جوهرانية تتبع التغيرات والتحورات في مختلف مناحي الموسيقى، من أبعاد السلالم الموسيقية إلى الآلات والقوالب والأساليب والإطار المادي الذي تتحرك فيه هذه الموسيقى وأماكن أدائها. وأن يبتعد عن عدد من الإغراءات السهلة للوقوع في شرك الحكايات عن القيان والجواري والملوك، والمغنين وصرر الدنانير، وعلاقات موسيقى الأفلاك والطبائع ولون الأوتار وما شاكل ذلك. وقد كان في هذا التراث الغني أمثال الفارابي من المفكرين العقلانيين الذين حاربوا هذه الادعاءات والتي يمكن أن نرى فيهم أصلا محاولات مهمة للخروج من إطار تفكير قروسطي كان سائدا آنذاك، ويدعو البعض اليوم للعودة إليه ورفض الحداثة العقلانية ومنهجها التجريبي الواقعي، في الوقت نفسه الذي نفخر فيه بأن من ظهرانينا خرج من كانوا أوائل بناة هذه الحداثة وهذا المنهج.

font change