وثائقي لبناني على "آرتي" يرصد حياة بلدة جنوبية تحت الاحتلال

"آخر مدنيي الحدود"

JALAA MAREY / AFP
JALAA MAREY / AFP
صورة التُقطت من الجانب الإسرائيلي للحدود الفاصلة بين شمال إسرائيل وجنوب لبنان، وتظهر في خلفيتها بلدة عين إبل اللبنانية، 16 نوفمبر 2025

وثائقي لبناني على "آرتي" يرصد حياة بلدة جنوبية تحت الاحتلال

عرضت قناة "آرتي" الفرنسية – الألمانية، الفيلم الوثائقي "جنوب لبنان: آخر مدنيي الحدود" الذي صوّر في بلدة عين إبل اللبنانية الجنوبية الحدودية، من إخراج الصحافية والمخرجة الفرنسية لوسيل واسرمان بالتعاون مع الصحافية اللبنانية ليانا علم الدين، ويأتي هذا العمل ضمن سلسلة ARTE Reportage ويمتد على 25 دقيقة، ليقع بين الوثائقي والعمل الصحافي الاستقصائي، كما رأينا في فيلم "نازا" ليوفال أبراهام وراشيل سور.

عين إبل هي بلدة حدودية تقع في قضاء بنت جبيل، أسسها الآراميون كما تقول بعض الروايات التاريخية. وقد نجت من الاجتياح الإسرائيلي الأخير لقرى وبلدات الجنوب اللباني. لم تترك إسرائيل في أرض بنت جبيل أرضا قابلة للحياة، وكانت أحزان بنت جبيل التي فقدت أرزاقها ومنازلها وأشجارها ومكتباتها قاسية ومريرة ولا تزال.

تحت الحصار

يحكي الريبورتاج حكاية البلدة تحت الحصار، حيث يعيش أهلها ، بوصفهم "وثيقة" يقدمها الاحتلال الإسرائيلي متى شاء إلى العالم، في سياق متاجرته بحماية المسيحيين في هذه البلدة الحدودية. تقتحم الكاميرا فقاعة هذه الكذبة، وتوثق حياة البلدة خلال خمسة عشر يوما قضتها الصحافيتان فيها تحت الحصار الذي يتحكم بمصير البشر والجغرافيا. فقد تصل المؤن الغذائية عبر المنظمات الإنسانية إذا وافق الجيش الإسرائيلي على وصولها، وقد يصل الوقود والدواء، مرة في الشهر، وقد لا يصل أي من هذا. فيحكي أهل البلدة واقعهم انطلاقا من عيشهم في هذا السجن المفتوح الكبير، واستحالة الاستمرار تحت هذا الضغط.

يمتد تاريخ قرى الجنوب وبلداته إلى آلاف السنين، لكنها الآن تحيا خارج الزمن، أو تحيا في المؤقت، في الانتظار. فتصبح الكاميرا عينا تنتمي إلى المكان وتذوب في نسيجه الأهلي

الصورة تبدو بسيطة متقشفة بلا إضاءة حكما، والشوارع على حقيقتها العارية المنهكة والغبار، والمسيرات الإسرائيلية تطوف في سمائها متى شاءت. يمتد تاريخ قرى الجنوب وبلداته إلى آلاف السنين، لكنها الآن تحيا خارج الزمن، أو تحيا في المؤقت، في الانتظار. فتصبح الكاميرا عينا تنتمي إلى المكان وتذوب في نسيجه الأهلي، بلا إضاءة ولا تقنيات ولا رتوش وتجميل، وأحيانا حين تنتهي اللقطة التي يطبق عليها شريط التصوير، تغمض عينيك لتستعيد صوت المكان المتبعثر، وتكوّن صورته من جديد، وتبحث عن إيقاعه الأعمق، إيقاع المكان الذي يحيا في انقطاع عما حوله من قرى وبلدات وجغرافيا، فتشعر بنوع من المسؤولية عن السياق اللحظي والتاريخي والأخلاقي.  

  

Arte-TV
من ريبورتاج "جنوب لبنان: آخر مدنيي الحدود"

يتمحور العمل حول حياة عائلة شابة من أبناء البلدة، تتكون من الأب وديع والأم ديمة والطفلة فريا التي تبلغ من العمر ثلاث سنوات. يقول وديع وهو يقود سيارته في شوارع البلدة كمن اعتاد أن يشكو همه لها: "نحن نحيا تحت شروط إسرائيل، حياتنا رهن التصاريح، لقد فقدنا حريتنا". وقد اختارت العائلة البقاء في البيت، بعدما نزحت في 2024 سنة كاملة إلى بيروت. وحين بدأ الاجتياح الإسرائيلي هذا العام رفضت النزوح خشية فقدان المنزل. أما التحدي اليومي فهو حماية الطفلة: "نحتال على الحقيقة، ونغذي الحلم".

تتغلغل الحرب في الحياة العادية الحميمة، الحرب في البيت، نراها ونسمعها ونتذوقها. الخبز، الدواء، النوم، الأرق، الخوف، مستوى العيش واللقمة.

بين البلدوزر والمدفعية

تعيش البلدة حالة انقطاع كامل عن لبنان. يحيا السكان تحت رحمة التصاريح، كما أهل فلسطين. يضيق الاحتلال الخناق عليهم، ينهب امانهم وبيوتهم. يجدون أنفسهم رهينة تقاطع النيران والمصائر. أصوات المعارك تتصاعد والبلدوزر الإسرائيلي ومدفعية الدبابات. إسرائيل تقصف كل من يتحرك. "لا يمكن العيش مع الاحتلال، ليسوا أهلنا"، يقول وديع، "نحن أهل الجنوب عشنا هنا معا منذ آلف عام. متى سيعود الناس لنكمل الحياة من جديد".

من "جنوب لبنان: آخر المدنيين على الحدود"

كان الأهالي يأملون البقاء خارج الصراع باتخاذهم مسافة من "حزب الله"، لكن هذه الإستراتيجية سقطت مع الاجتياح الإسرائيلي الذي هبط عليهم كالصاعقة. واحتل لفترة أجزاء كبيرة من البلدة. سرقت البيوت ونهبت، وليس هذا أقسى الاحتمالات. أقسى الاحتمالات يتمثل في قصف البيوت، حيث تصبح المفاضلة الوحيدة بين الحياة والموت، بين الدمار والأمر الواقع المفروض، بين التهجير والتهجير.

"لا يمكن العيش مع الاحتلال، ليسوا أهلنا"، يقول وديع، "نحن أهل الجنوب عشنا هنا معا منذ آلف عام. متى سيعود الناس لنكمل الحياة من جديد"

في بداية الريبورتاج، تقدم المخرجة واقع خراب المناطق الجنوبية الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي. على الطريق من وراء شبابيك قافلة المساعدات الإنسانية التي تستقلها الكاميرا في اتجاه البلدة، والذي لم يعد يسلكه أحد، تروي المخرجة الخراب الأبوكاليبسي الذي نراه، كأنها لا تصدق ما ترى، أو كأنها تؤكد أن ما نراه هو الواقع. وحين نصل إلى البلدة، ندرك أن الحد الأدنى للحياة فيها، هو المستحيل بالنسبة إلى القرى المجاورة التي سويت بالأرض.

من الواضح أن العمل صوّر بكاميرا يمكن إخفاؤها، بمعدات خفيفة، يصعب كشفها من قبل الجيش الإسرائيلي. لا يجري الفيلم لقاءات مع اهل البلدة، ولا يكشف عن وجود الكاميرا بين الناس وفي الشوارع، لكن للكاميرا إيقاع الشارع ومزاجه. هي بينهم، ومثلهم، وقادرة على أن تحكي حكايتهم. والطفلة في البيت تسمع الحرب وهي تلعب وهي تأكل. تصغي إلى كل شيء.

Arte-TV
لقطات من ريبورتاج "جنوب لبنان: آخر مدنيي الحدود"

الطفولة الضائعة

لا يتواصل أهالي البلدة مع الجيش الإسرائيلي، فالتواصل ممنوع ومرفوض. ورغم الموقف من "حزب الله"، فإنهم يعلنون أملهم في عودة الحياة المشتركة مع أهلهم الشيعة. تقول الأم إن أطفال البلدة لم يعرفوا طفولتهم، إذ ضاعت في الحرب. كانت الأيام من قبل أجمل، وكان أهل البلدة يتجولون في بلادهم بحرية. يتأمل الإنسان لدى سماعه كلام الأم، في ماهية الحنين، وقدرة النوستالجيا على المحو والنسيان والانتقاء. لا بد من الماضي كي تستمر الحياة.  يحتفل الزوج، الأب والأم، في آخر الفيلم مع طفلتهما بعيد زواجهما العشرين. كان حبهما قد  بدأ مع حرب 2006. وفي فكرة أقسى من الحرب والاجتياح، إذ تكثف المصاب العام، تقول الأم: "بعد عقدين من الزمن استطاعت الحرب الإمساك بجيل طفلتنا". تكثف الفكرة المصاب العام لأطفال الحروب، بمن فيهم أطفال فلسطين الذين يهيمن الاحتلال على حياتهم جيلا بعد جيل، منذ النكبة حتى اللحظة.

تكثف الفكرة المصاب العام لأطفال الحروب، بمن فيهم أطفال فلسطين الذين يهيمن الاحتلال على حياتهم جيلا بعد جيل، منذ النكبة حتى اللحظة

يحتفل الزوج، الأب والأم، في نهائية العمل مع طفلتهما بعيد زواجهما العشرين. كان حبهما قد  بدأ مع حرب 2006. وفي فكرة أقسى من الحرب والاجتياح، إذ تكثف المصاب العام، تقول الأم: "بعد عقدين من الزمن استطاعت الحرب الإمساك بجيل طفلتنا". تكثف الفكرة المصاب العام لأطفال الحروب، بمن فيهم أطفال فلسطين الذين يهيمن الاحتلال على حياتهم جيلا بعد جيل، منذ النكبة حتى اللحظة.

Arte-TV
مشهد من ريبورتاج "جنوب لبنان: آخر مدنيي الحدود"

ومع الغروب الأخير الجميل في الريبورتاج، في إحدى اللقطات التي تتأمل البعيد، تغادر العائلة البيت والبلدة صوب العاصمة بيروت. مليارات الوثائق عن الحرب والظلم في عهدة التاريخ. وفي عهدته هذا السؤال الذي رفعه جان لوك غودار إلى نفسه في كتابه "تاريخ السينما" في فصل بديع عن السينما والحرب: "طالما تساءلت بيني وبين نفسي، لماذا وجدت الدبابة. كيف تطورت الأحداث وقررنا اختراع الدبابة، الدبابة هي الأداة الأكثر غباء في العالم".

يذكر أن العمل صحيفة "لوريان لو جور" الناطقة بالفرنسية.  

font change

مقالات ذات صلة