ندوب الحرب وأسئلتها في "طيران على مستوى منخفض" لثناء عطوي

الإنسان في مواجهة الذاكرة وحطام الراهن

AFP PHOTO/ ANWAR AMRO
AFP PHOTO/ ANWAR AMRO
امرأة تتأمل لوحة للفنان البريطاني توم يونغ خلال معرض أقيم في "البيت الوردي» الشهير بمنطقة رأس بيروت، في 24 نوفمبر 2014

ندوب الحرب وأسئلتها في "طيران على مستوى منخفض" لثناء عطوي

تكتب الأديبة والصحافية اللبنانية ثناء عطوي بعين تلتقط ما يتوارى خلف المشاهد، وبحس أدبي يتتبع الحكايات المختبئة في زوايا الحياة وتفاصيلها الصغيرة، منحازة إلى الإنسان في لحظات انكشافه وانكساره، ثمة مساحة جلية في كتابتها، تتجاور فيها رهافة التعبير مع وضوح الرؤية، وتتحول الكلمة إلى وسيلة للاقتراب من العالم وفهم تناقضاته. لذا تبدو الكتابة لديها رحلة في أعماق التجربة الإنسانية، تستكشف ما وراء الظاهر، وتبحث في ثنايا الحكايات عن معان تستحق الإصغاء والتأمل.

في روايتها "طيران على مستوى منخفض"، الصادرة عن "محترف أوكسجين" في كندا (2026)، تتناول عطوي الحرب من خلال مسارين سرديين متوازيين، يبدوان متباعدين في الظاهر، لكنهما يلتقيان عند جوهر التجربة الإنسانية وما تتركه الحرب من آثار في حياة الأفراد، حيث ترسم الرواية صورتين متقابلتين لتجربة واحدة، تتجلى في التورط بالعنف وما يخلفه من ندوب جسدية ونفسية وأخلاقية.

ومن هذه التقابل تبني الكاتبة عالما سرديا تتداخل فيه التجربة الحربية مع الذاكرة الشخصية، وتتقاطع الوقائع السياسية مع قضايا الضمير والهوية والمصير. وتتجه الرواية، عبر هذين المسارين، إلى تتبع الامتداد العميق للحرب في الأجساد والعقول، كاشفة أن انتهاء العمليات العسكرية يفتح أمام الإنسان طورا آخر من المواجهة، يخوضه مع ذاكرته وماضيه، ومع التحولات التي أحدثتها مشاركته في الحرب في علاقته بذاته والعالم المحيط به.

تقع الرواية أو النوفيلا في نحو ثمانين صفحة، وتستند إلى شخصيات وأحداث واقعية ارتبطت بالحرب الأخيرة على غزة ولبنان، غير أن الكاتبة تمنح هذه الوقائع أفقا يتجاوز التدوين الإخباري، من خلال بناء أدبي يستند إلى الحوار والتأمل والمفارقة وتعدد زوايا الرؤية. ومن هذا التداخل تنشأ صلة بين الكتابة الروائية والحس الصحافي، تحتفظ فيها الرواية بقدرتها على تشكيل عالمها السردي الخاص. فالكاتبة تتجه إلى ما يتوارى خلف الخبر العاجل، متتبعة مصائر الناس وحيواتهم التي تتبدد، وما يبقى من أسئلة معلقة بعد مغادرة المراسلين، فضلا عن الأصوات التي يغمرها ركام المدن.

مفارقة الحرب

يحمل عنوان الرواية "طيران على مستوى منخفض" دلالة تتجاوز الحركة الجوية التي يمارسها الطيار ألعازر، إذ يستدعي الطيران في المخيال الإنساني معاني التحرر واتساع الأفق وتجاوز الحدود، بينما يتحول في الرواية إلى وسيلة لمراقبة المدن وتحديد الأهداف وإسقاط الموت عليها. أما الانخفاض فيحيل إلى الاقتراب من الأرض، ومن تفاصيل الحياة التي تغيب خلف الخرائط والشاشات. وتنشأ من هذا التقابل بين الطيار والمدينة مسافة تكشف عمق الانفصال بين من يرى المكان من ارتفاع شاهق، ومن يعيش في داخله تحت وطأة الخوف والتهديد.

تتجاوز الشخصيتان الصور النمطية للجندي والعدو، لتظهرا بوصفهما ذاتين تحملان تناقضات داخلية وأسئلة متصلة بالهوية والمصير

وفي هذا الإطار، تضع الكاتبة شخصيتين في مركز البناء السردي، هما الطيار الإسرائيلي ألعازر، والمقاتل اللبناني من أم فلسطينية علي موزارت، حيث يخوض الأول الحرب من السماء، فيما يعيش الثاني في شبكة من الأنفاق تحت الأرض. ويؤدي اختلاف الموقع إلى تباين الرؤية والتجربة، مع اشتراكهما في الانتماء إلى حرب تتجاوز قدرتهما الفردية على التحكم بمساراتها، "ألعازر وعلي موزارت جنديان مقاتلان يخوضان الحرب، واحد من السماء، والآخر من أعماق الأرض. يتحدثان لغتين مختلفتين، ويحملان رؤيتين متناقضتين، ويلتقيان في المصير نفسه".

SAID KHATIB / AFP
الفنان الفلسطيني محمد الزمار يعمل على تثبيت نوتات موسيقية يصممها باستخدام ذخائر إسرائيلية على حامل خشبي، داخل مرسمه في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة، في 6 فبراير 2014

يؤسس هذا المقطع للمفارقة المركزية التي تنتظم حولها الرواية، حيث تتخذ السماء والأرض صفة الفضاء العسكري والنفسي في آن واحد، فأليعازر يمتلك حرية الحركة والارتفاع، لكنه يظل خاضعا لمنظومة الأوامر والشاشات والإحداثيات، فيما يعيش علي في مساحة ضيقة، محروما من الضوء والهواء، محتفظا بقدرته على التأمل واستعادة العالم عبر ذاكرته. ومن هنا يتشكل اختلاف جوهري في علاقة كل منهما بالأرض، فألعازر يواجهها من خارجها، فيما يحاول علي صون صلته بها من داخل عتمتها. وبين الموقعين تتكشف مفارقة الإنسان الذي يرى الأرض من علو، والإنسان الذي يعيش تفاصيلها ويدافع عن حقه في الانتماء إليها.

وتتجاوز الشخصيتان الصور النمطية للجندي والعدو، لتظهرا بوصفهما ذاتين تحملان تناقضات داخلية وأسئلة متصلة بالهوية والمصير، فألعازر يعيش انقساما بين مهنته التي أحبها وإدراكه المتزايد لنتائجها. لقد تحولت مهماته الجوية إلى ممارسة يومية للتدمير، وأصبحت الأهداف البشرية نقاطا على شاشة إلكترونية، بما يختزله ذلك من حياة بشرية في إحداثيات قابلة للاستهداف. ومن هذا التحول تنشأ أزمته الأخلاقية، ويتصدع ارتباطه بالمؤسسة التي ينتمي إليها، إذ يجد نفسه أمام تناقض بين صورة الطيار الذي يؤدي مهمة عسكرية، وواقع الفعل الذي يمارسه، وما يحمله من مسؤولية عن القتل.

أما علي موزارت فتتأسس شخصيته على تداخل السياسة بالثقافة والذاكرة العائلية، فهو أستاذ رياضيات وعاشق للموسيقى، يجد نفسه في فضاء تحت الأرض، حيث تتحول العزلة إلى تجربة قاسية مع الزمن والذات. ويحمل اسم موزارت دلالة تتجاوز التعريف الشخصي، فكأنه يستحضر هوية ثقافية وفنية تتعايش داخله مع هوية المقاتل. وفي هذا التداخل تتجلى إحدى أبرز مفارقات الشخصية، إنسان يحمي الأرض بالسلاح، ويسعى في الوقت نفسه إلى حماية ما تبقى من روحه بالموسيقى.

يكتسب الفضاء المكاني في الرواية وظيفة تتجاوز احتضان الأحداث وتوفير خلفيتها، إذ يتحول النفق إلى عالم مغلق تتقلص فيه المسافات، وتتبدل علاقة الإنسان بالوقت والجسد والطبيعة، حيث يعيش علي في مساحة محدودة، يصبح فيها الهواء امتيازا والضوء حدثا استثنائيا، وتغدو الأصوات القادمة من الخارج مؤشرا دائما إلى احتمال الموت. وهكذا يتحول النفق إلى صورة مكثفة للإنسان المحاصر داخل ظروف تفرض عليه نمطا من الحياة تتداخل فيه العزلة مع الترقب، ويغدو البقاء مرتبطا بقدرته على التكيف مع حدود المكان.

في المقابل، تبدو السماء بالنسبة إلى ألعازر فضاء مفتوحا، غير أن هذا الانفتاح يحمل طابعا مخادعا، فكلما ارتفع ابتعد عن التفاصيل الإنسانية للأرض، وتحولت المدن أمامه إلى خرائط ونقاط قابلة للاستهداف. وهنا تتبلور مفارقة دقيقة بين ضيق المكان عند علي واتساعه عند ألعازر، إذ يعاني الاثنان شكلا مختلفا من الاختناق: الأول تحت ضغط الجدران والعزلة، والثاني تحت وطأة ما يراه وما يفعله. فالمساحة المفتوحة التي تمنح الطيار حرية الحركة تحرمه في الوقت نفسه من ملامسة الواقع الإنساني للأرض، فيما يفرض النفق على المقاتل قيودا جسدية، لكنه يبقي علاقته بالمكان متصلة بتفاصيله وذاكرته.

يحمل هذا التصرف انقلابا رمزيا على وظيفة السلاح، فالقذيفة التي صنعت للقتل تتحول إلى وعاء للذاكرة الفنية، ويغدو توظيفها الجديد ردا جماليا على خطاب الكراهية

ومن خلال هذا التقابل، تنتظم هندسة الرواية على إيقاع التناوب بين الأعلى والأسفل، وبين الحركة والسكون، وبين الرؤية المباشرة والرؤية الإلكترونية. وتغدو المسافة العمودية بين الشخصيتين تعبيرا عن مسافة أخلاقية وسياسية، تتجاوز اختلاف الموقع العسكري إلى اختلاف التجربة الإنسانية وطريقة النظر إلى العالم. ومن هنا تتجه الرواية نحو اختراق الصورة الجاهزة للعدو، والكشف عن الإنسان المختبئ خلفها، بما يحمله من تناقضات ومخاوف وأسئلة تتصل بالمسؤولية والمصير. وهكذا تتحول مفارقة العنوان إلى مبدأ ينظم الرؤية السردية بأكملها، ويكشف التباعد بين من يمتلك القدرة على الرؤية من السماء، ومن يدفع ثمن الحرب على الأرض.

غلاف "طيران على مستوى منخفض"

لغة مضادة للحرب

يمثل حضور الموسيقى أحد أكثر العناصر تميزا في الرواية، إذ يستمد علي موزارت منها وسيلة لمقاومة القسوة المحيطة به، ويجد في نظامها الجمالي ما يوازن الفوضى التي فرضتها الحرب. ويتجلى هذا الارتباط من خلال الصلة التي يقيمها بين الرياضيات والموسيقى، مستندا إلى الأرقام والإيقاعات والصمت، فيكشف عن عقل يبحث عن الانسجام وسط واقع اختل توازنه.

ويتسع هذا البعد عبر شخصية ألعازر، الذي يمتلك مكتبة موسيقية ويتابع المقطوعات والأغاني، متخذا من الاستماع فسحة يبتعد فيها عن ضغوط حياته العسكرية. ومن خلال هذا التقاطع في الاهتمام بالفنون، تكشف الرواية عن قدرة الثقافة على تجاوز الحدود التي رسمتها السياسة والحروب، فالموسيقى تنتمي إلى ذاكرة إنسانية عابرة للتصنيفات القومية، وتتيح مجالا للتواصل بين شخصيتين تفصل بينهما منظومتان متصارعتان.

ويتجسد هذا المعنى بوضوح في فصل "ترددات الجبهة"، حين يجمع علي القذائف الفارغة التي تحمل كتابات عدائية، ثم يعيد توظيفها لتصبح حاملة أسماء موسيقيين ومطربين عرب ويهود: "قرر أن ينقل من خلالها رسائل معاكسة، يرد فيها على الشتائم بالموسيقى، أو بعبارات تحمل أسماء ومقطوعات موسيقيين ومطربين عرب ويهود".

يحمل هذا التصرف انقلابا رمزيا على وظيفة السلاح، فالقذيفة التي صنعت للقتل تتحول إلى وعاء للذاكرة الفنية، ويغدو توظيفها الجديد ردا جماليا على خطاب الكراهية. كما أن اكتشاف ألعازر لهذه الكتابات يفتح أمامه أفقا للتعرف إلى عالم ثقافي مع أشخاص اعتاد النظر إليهم من موقع العداء.

الذاكرة الموروثة وآثار الحرب

ومن المجال الثقافي تنتقل الرواية إلى الذاكرة الفلسطينية، عبر شخصية أم علي المنحدرة من بئر السبع، والحاملة في وجدانها حكاية الاقتلاع الأول، فمن خلال علاقتها بابنها، تعبر الذاكرة المسافة بين جيلين، ناقلة تفاصيل الأرض والبيوت والعادات والأغاني والأطعمة، وما تختزنه من صور الحياة اليومية. وهكذا تحضر فلسطين في الرواية بوصفها عالما اقتلع أصحابه منه، وظل مقيما في وجدانهم عبر الحكايات والروائح والصور والتفاصيل التي تصون صلة الإنسان بمكانه. حيث تربط الكاتبة هذه الذاكرة بالحرب الراهنة، كاشفة امتداد الوجع عبر الأجيال، واستمرار أثر المكان المفقود في تكوين الإنسان، حتى وهو يقيم بعيدا عنه. ويتسع حضور هذه الذاكرة في وعي علي من خلال تأمله الأشجار والقرى والحدود، واستعادته صور العائلة والبيت والبلدة. فالأرض التي يدافع عنها تتجاوز حدودها الجغرافية، لتغدو امتدادا شخصيا وعائليا وثقافيا، تختزن تاريخا من العيش والانتماء والذكريات.

REUTERS/Mohamed Azakir
أعمال إزالة الأنقاض في موقع تعرض سابقا لغارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت، لبنان، في 19 مايو 2026

وفي موازاة هذه التجربة، تمنح الكاتبة شخصية ألعازر مساحة لمواجهة قضايا التاريخ والهوية والانتماء، مستندة إلى خلفيته السفاردية (اليهود الذين تعود أصولهم إلى شبه الجزيرة الإيبيرية)، وإلى أثر تربيته في تشكيل مواقفه وتصوراته. وتكتسب هذه الخلفية أهمية خاصة في ضوء التحولات التي تشهدها الشخصية، إذ تفتح الرواية من خلالها مجالا للتأمل في الذاكرة الموروثة، وفي الكيفية التي يتحول بها التاريخ إلى خطاب يغذي العداء والرغبة في الانتقام، أو يصبح مدخلا لمراجعة الذات وإعادة النظر في المواقف السابقة. وبهذا تضع الكاتبة تجربتي علي وألعازر في مواجهة تكشف اختلاف علاقتهما بالماضي، وتبرز أثر الذاكرة في تشكيل الموقف من الآخر.

تنتهي الرواية عند لحظة انكشاف إنساني، تتقدم فيها آثار التجربة على فكرة الخلاص النهائي

وفي الصفحات الأخيرة، تتجنب ثناء عطوي تقديم نهاية مغلقة أو مصالحة مكتملة مع التاريخ، وتختار مسارا يترك الشخصيتين أمام آثار التجربة وما تفرضه من تحولات، حيث يعود ألعازر إلى عالمه، متخذا قرار الابتعاد عن الطيران، فيما يرجع علي إلى بيروت محملا ما راكمته الحرب من ذكريات وتجارب. وهناك يكتب رسالة إلى نينار، تكشف أن النجاة الجسدية ارتبطت طوال الوقت بصورة الحب والتعلق بالحياة، وأن هذا الارتباط ظل يمنحه سببا لمواصلة الطريق وسط الخطر.

وتكتسب هذه النهاية دلالتها من المسافة بين مغادرة الحرب واستمرار آثارها، فالشخصيتان تخرجان من المواجهة العسكرية والحرب، فيما تظل التجربة حاضرة في تفاصيل حياتهما المقبلة. فألعازر يتجنب النظر إلى السماء، في إشارة إلى ما خلفته تجربة الطيران والحرب في وعيه، بينما يحاول علي استعادة صلته بالعالم عبر الكتابة والذاكرة. وبين المسارين تظل الحرب ممتدة في آثار الموت والفقد والخراب والأسئلة الأخلاقية المؤجلة. لتنتهي الرواية عند لحظة انكشاف إنساني، تتقدم فيها آثار التجربة على فكرة الخلاص النهائي، ويغدو الحب والكتابة والذاكرة وسائل لمواصلة الحياة وسط عالم أثقلته الحرب.

font change

مقالات ذات صلة