تكتب الأديبة والصحافية اللبنانية ثناء عطوي بعين تلتقط ما يتوارى خلف المشاهد، وبحس أدبي يتتبع الحكايات المختبئة في زوايا الحياة وتفاصيلها الصغيرة، منحازة إلى الإنسان في لحظات انكشافه وانكساره، ثمة مساحة جلية في كتابتها، تتجاور فيها رهافة التعبير مع وضوح الرؤية، وتتحول الكلمة إلى وسيلة للاقتراب من العالم وفهم تناقضاته. لذا تبدو الكتابة لديها رحلة في أعماق التجربة الإنسانية، تستكشف ما وراء الظاهر، وتبحث في ثنايا الحكايات عن معان تستحق الإصغاء والتأمل.
في روايتها "طيران على مستوى منخفض"، الصادرة عن "محترف أوكسجين" في كندا (2026)، تتناول عطوي الحرب من خلال مسارين سرديين متوازيين، يبدوان متباعدين في الظاهر، لكنهما يلتقيان عند جوهر التجربة الإنسانية وما تتركه الحرب من آثار في حياة الأفراد، حيث ترسم الرواية صورتين متقابلتين لتجربة واحدة، تتجلى في التورط بالعنف وما يخلفه من ندوب جسدية ونفسية وأخلاقية.
ومن هذه التقابل تبني الكاتبة عالما سرديا تتداخل فيه التجربة الحربية مع الذاكرة الشخصية، وتتقاطع الوقائع السياسية مع قضايا الضمير والهوية والمصير. وتتجه الرواية، عبر هذين المسارين، إلى تتبع الامتداد العميق للحرب في الأجساد والعقول، كاشفة أن انتهاء العمليات العسكرية يفتح أمام الإنسان طورا آخر من المواجهة، يخوضه مع ذاكرته وماضيه، ومع التحولات التي أحدثتها مشاركته في الحرب في علاقته بذاته والعالم المحيط به.
تقع الرواية أو النوفيلا في نحو ثمانين صفحة، وتستند إلى شخصيات وأحداث واقعية ارتبطت بالحرب الأخيرة على غزة ولبنان، غير أن الكاتبة تمنح هذه الوقائع أفقا يتجاوز التدوين الإخباري، من خلال بناء أدبي يستند إلى الحوار والتأمل والمفارقة وتعدد زوايا الرؤية. ومن هذا التداخل تنشأ صلة بين الكتابة الروائية والحس الصحافي، تحتفظ فيها الرواية بقدرتها على تشكيل عالمها السردي الخاص. فالكاتبة تتجه إلى ما يتوارى خلف الخبر العاجل، متتبعة مصائر الناس وحيواتهم التي تتبدد، وما يبقى من أسئلة معلقة بعد مغادرة المراسلين، فضلا عن الأصوات التي يغمرها ركام المدن.
مفارقة الحرب
يحمل عنوان الرواية "طيران على مستوى منخفض" دلالة تتجاوز الحركة الجوية التي يمارسها الطيار ألعازر، إذ يستدعي الطيران في المخيال الإنساني معاني التحرر واتساع الأفق وتجاوز الحدود، بينما يتحول في الرواية إلى وسيلة لمراقبة المدن وتحديد الأهداف وإسقاط الموت عليها. أما الانخفاض فيحيل إلى الاقتراب من الأرض، ومن تفاصيل الحياة التي تغيب خلف الخرائط والشاشات. وتنشأ من هذا التقابل بين الطيار والمدينة مسافة تكشف عمق الانفصال بين من يرى المكان من ارتفاع شاهق، ومن يعيش في داخله تحت وطأة الخوف والتهديد.



