الكاتب والمترجم يونس توفيق: لغتي هي وطني

ترجم رسائل ابن عربي إلى الإيطالية

 Oriana Fenwick
Oriana Fenwick

الكاتب والمترجم يونس توفيق: لغتي هي وطني

يونس توفيق، كاتب ومترجم وشاعر عراقي يقيم في إيطاليا، استطاع خلال عقود إقامته هناك أن يحقق حضورا أدبيا مرموقا لا سيما عبر ترجماته ورواياته التي تنشر بالإيطالية.

ولد يونس توفيق في الموصل عام 1957، وهو مجاز في الأدب والفلسفة من جامعة تورينو الإيطالية وحاصل على الدكتوراه من جامعة جنوى في اللغات والثقافات وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. يعيش في إيطاليا منذ 1979 ويشرف حاليا على إدارة المركز الثقافي الإيطالي-العربي، "دار الحكمة"، في تورينو، ويكتب في صحف "لا ستامبا" و"لا ريبوبليكا" و"إل ماتينو"، وتولى إدارة سلسلة"أبادير كالتشر Abadir Culture" المختصة بثقافات أفريقيا والشرق الأوسط لحساب دار "أنانكه"للنشر، وهو أيضا عضو في المجلس الإسلامي في إيطاليا ومجلس حقوق الإنسان في مقاطعة البيدمونت. له مؤلفات عدة باللغة الإيطالية، من بينها "ظهور السيدة البابلية" (1994)، وروايته الأولى "الغريبة" (2001) التي أصدرتها دار "بومبياني" وحازت جائزة "كرينتساني كافور" والعديد من الجوائز الأخرى، و"مدينة إرام" (2002)، و"العروس المنبوذة" (2011)، و"فتاة ساحة التحرير" (2012)، وصدرت له قبل أشهر رواية "الضفة ما بعد الجحيم"، الحائزة المرتبة الثانية في "جائزة روبنسون" التي تنظمها جريدة "لا ريبوبليكا" الشهيرة.

هذه الرواية الأخيرة تتحدّث عن معاناة خمسة أشخاص، أربعة رجال وامرأة، من جنسيات مختلفة، ينجون من غرق مركب قبالة السواحل الليبية، ويلتقون في جزيرة لامبيدوزا الإيطالية بعد أشهر في مركز احتجاز في ضواحي طرابلس، المحطة قبل الأخيرة في رحلات الخلاص المميتة.

ساعدني السعي وراء المعرفة في التغلّب على الجحيم التي كانت تجثم على صدري. فتمكنت من هزيمة الأحكام المسبقة وتجاوز جدران الخوف، وتحرير عقلي من عبء إمبراطورية الماضي وأن أرى بوضوح ما وراء الحجب السود

يونس توفيق

من الموصل إلى إيطاليا

رحلة طويلة بدأت عام 1979، عندما انتقلت إلى إيطاليا للدراسة، ثم رحلة أدبية وثقافية وشخصية طويلة أخرى. ما الذي علمتك إياه هذه التجربة وإلى أي مدى أثرت على حياتك بشكل عام؟

كنت لا أزال طالبا في السنة الأولى من المرحلة الثانوية في مدرسة "الشرقية" الإعدادية، وهي من أقدم المدارس في مدينة الموصل، ربما الأولى (بنيت عام 1905 وكان العراق لا يزال تحت الهيمنة العثمانية)، عندما بدأت تنضج ملكتي الأدبية وشرعت في كتابة القصائد والقصص القصيرة، ونشرت بعضا منها في الصحف والمجلات الوطنية. إنني أتحدث عن أعوام السبعينات السعيدة، 1975 على وجه الدقة، وكانت دفة الحكم آنذاك في يد حزب البعث العربي الاشتراكي الذي وصل إلى السلطة في 17 يوليو/تموز 1968. وقد سمح التشكيل العلماني للحكومة، على الرغم من طابعها الديكتاتوري البحت، بتطور البلاد بسرعة وتحرر المجتمع على مستويات عدة. لقد حوفظ على التعدّدية الدينية على الأقل. كانت الثقافة تنمو على قدم وساق، والمسارح ودور السينما ودور النشر تنتشر بسرعة، حتى إنه كانت لدينا أوركسترا وطنية فيلهارمونية، ومهرجانات للشعر وللأغنية. كان الشيء المهم هو عدم الانخراط في السياسة إلا من طريق الحزب الحاكم والخضوع للرقابة قبل النشر. هذه الآفة، وهي نموذجية في الأنظمة الديكتاتورية، حدّت بشدة من حرية المثقفين وإبداعاتهم.

في إيطاليا، فتح لي الأدب العالمي والفلسفة والتاريخ وغيرها من العلوم الإنسانية، المكتوبة بحرية وموضوعية، آفاقا هائلة للمعرفة والنمو الشخصي، ومنحني الفن والمسرح والموسيقى الحب والأحلام، ممزوجة بدفء الشمس الإيطالية. اكتشفت آنذاك أن الجمال سر الكون، وهو ما أكده الرسول عليه الصلاة والسلام، بقوله: "إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ"، لكن لا أحد منا تقريبا، يبحث عن الجمال الإلهي في خلقه.

ساعدني السعي وراء المعرفة في التغلّب على الجحيم التي كانت تجثم على صدري. فتمكنت من هزيمة الأحكام المسبقة وتجاوز جدران الخوف، وتحرير عقلي من عبء إمبراطورية الماضي وأن أرى بوضوح ما وراء الحجب السود.

عندما رأيت نور الحقيقة، لم أغلق عيني ولم أترك نفسي تنصرف للغفلة، لقد مضيت قدما لأسمح لنفسي بالولادة من جديد في فضاء المعرفة الأبدي. كانت معاناة حقيقية أن أكون بعيدا عن وطني، لكنها كانت في الوقت نفسه طريقة لفهم سبب اختياراتي وتقييم التواصل مع الآخر. لقد ساعدني التعايش مع القيم الجديدة على إعادة اكتشاف التقاليد القديمة لحضارتي، دون أن تبقيني أسير الماضي، بل حرّرت عقلي وروحي. تعرفت إلى عقيدتي وتعمّقت فيها بفضل الحوار والتقابل مع الآخرين، وأيضا للدفاع عن نفسي من التعصّب والجهل.

لذلك يتطلب الأمر لقاء متكافئا بين ثقافاتنا وإعادة تقييم الماضي لاكتشاف الحاضر وتحريره من شبح ذلك العبء الذي انقرض الآن.

ابن عربي

تبرز أيضا من بين أعمالك ترجمة كتب مهمة من التراث العربي إلى الإيطالية، مثل "رسائل ابن عربي- كتاب الفناء في المشاهدة" لمحي الدين ابن عربي، بالتعاون مع روبرتو روسّي تيستا. ما الصعوبات التي واجهتها في ترجمة هذا الكتاب وكيف تعاونت مع مترجم إيطالي، أفترض أنه خبير في الثقافة العربية؟

كان هناك العديد من الصعوبات، أولاها أن تكون قادرا على فهم مصطلحات ابن عربي، للدخول في فكره الفريد والعميق الذي لا يتمكن منه سوى القلائل. فدون قراءة معظم كتبه وشارحيه وترجماته إلى لغات أخرى، تكاد تستحيل ترجمته. كان روبرتو روسّي تيستا أحد طلابي في اللغة العربية الذين تمكنوا من استيعاب اللغة، ليس محادثة، بل قراءة فقط، وبمساعدتي كمترجم من اللغة العربية، طوّر النص ووضعه في حلّة أدبية جذابة وموائمة.

ساعدني التعايش مع القيم الجديدة على إعادة اكتشاف تقاليد حضارتي، دون أن تبقيني أسير الماضي، بل حرّرت عقلي وروحي. تعرفت إلى عقيدتي وتعمّقت فيها بفضل الحوار والتقابل مع الآخرين، وأيضا للدفاع عن نفسي من التعصّب والجهل

يونس توفيق

دانتي والإسلام

من أشهر الأعمال التي ترجمها توفيق، بالتعاون مع المستعرب الإيطالي روبرتو روسّي تيستا، كتاب "دانتي والإسلام" (العنوان الأصلي: علم الأمور الأُخرَوِيَّة الإسلامية في الكوميديا الإلهية)، وهو العمل الرئيس والأكثر شهرة للمستعرب الإسباني ميغال آسين بالاثيوس (1871-1944)، الذي نشر عام 1919، ولم يُترجم إلى اللغة الإيطالية سوى في عام 1997، بسبب اعتراضات الأوساط الأدبية المختصة بدراسات أدب دانتي.

كتب الناقد والأديب وأستاذ الأدب المعاصر في "الكوليج دو فرانس" في باريس كارلو أوسّولا في مقدمة الكتاب أنه "يفيض بذخيرة لا تنضب من المصادر والتشابهات والتماثلات، وتتم مقارنة الرؤية الأخروية للكوميديا ​​الإلهية لدانتي أليغييري بشكل منهجي مع عوالم أخرى موصوفة في الأعمال الأدبية والدينية العربية". وقد أثار هذا الكتاب عند ظهوره جدالا كبيرا، وخاصة بين دارسي دانتي الإيطاليين، غير المستعدّين لقبول فرضية تأثير الفن والفكر العربيين الإسلاميين على "الكوميديا ​​الإلهية" (وأيضا اللحظة الدقيقة من إصدار الكتاب، عشية الاحتفالات بالذكرى المئوية السادسة لوفاة دانتي والتي كانت ستختم صورته كأقصى ضامن لقيمة الأدب الإيطالي في العالم).

قام ميغال آسين بالاثيوس نفسه بتوثيق ردود الفعل التي أثارها الكتاب، وضمّنها في مؤلفه "في التاريخ وانتقاد الجدال"، وهو مراجعة للنقد السلبي والإيجابي للمختصين بأدب دانتي، وكذلك للمستعربين والمؤرخين واللغويين. نُشر الكتاب في عام 1924 وتابع المؤلف تحديثه حتى بداية الأربعينات. بعد خمسين عاما على وفاة بالاثيوس، نشرت دار "براتيكا" مؤلف بالاثيوس في الترجمة المتقنة لروبرتو روسّي تيستا ويونس توفيق، ومنذ ذلك الحين أعيد طبع الكتاب، حتى الإصدار الحالي، الذي تضمّن عشرين سنة من التحقيقات، ومن الأبحاث الموازية التي أجرتها ماريا كورتي، ثم المزيد من الباحثين الشباب، من أندريا تشيلي إلى لوتشيانو غارغان. أصبح واضحا من خلال الدراسات، أن "كتاب المعراج" Liber de scala كان واسع الانتشار في الدول الناطقة باللاتينية، حتى أنه ذُكرت نسخة منه في جرد لمكتبة في مدينة بولونيا، عاصمة مقاطعة إميليا رومانيا، أنجزها أحد الآباء الدومينيكان في زمن دانتي.

وعن كتاب بالاثيوس يقول أومبرتو إيكو، في مقال نشر عام 2014 على صفحات مجلة "لاسبريسّو": "في عام 1919 نشر ميغال آسين بالاثيوس كتابا ("علم الأمور الأُخرَوِيَّة الإسلامية في الكوميديا الإلهية") أحدث ضجة كبيرة على الفور. إذ أنه حدّد عبر مئات الصفحات أوجه التشابه المذهلة بين نص دانتي والنصوص المتعددة للتقاليد الإسلامية، ولا سيما النسخ المختلفة من معراج النبي محمد. في إيطاليا على وجه الخصوص، نشأ جدال بين مؤيّدي هذا البحث والمدافعين عن أصالة دانتي. كنا على وشك الاحتفال بالذكرى المئوية السادسة لوفاة أعظم الشعراء الإيطاليين، وعلاوة على ذلك، فقد كان يُنظر إلى العالم الإسلامي بازدراء في مناخ من الطموحات الاستعمارية والتمدين: كيف يمكن للمرء أن يعتقد أن العبقرية الإيطالية كانت مدينة لتقاليد أولئك المُعدمين "غير الأوروبيين... لقد بات الاعتقاد راسخا الآن أن دانتي تأثر بالعديد من المصادر الإسلامية".

 Oriana Fenwick

الكتاب الذي أثار الكثير من الجدال كان "علم الأمور الأُخرَوِيَّة الإسلامية في الكوميديا الإلهية". كيف بدأ هذا العمل وما رأيك في الأصوات الكثيرة التي انتقدته بشدّة في بعض الأحيان؟

في عام 1991 وبعد حرب الخليج الأولى، نظّم الشاعر والروائي الإيطالي جوزيبّي كونتي في مدينة سان ريمو لقاء دوليا كبيرا ومهمابعنوان "الفراشة واللهب" للتقريب بين ثقافات ضفتي البحر الأبيض المتوسط. دعيت كشاعر لإلقاء قصيدتي "ليلة القدر" باللغتين العربية والإيطالية.

هناك تعرفت إلى البروفسور كارلو أوسّولا، الناقد الأدبي والعالم اللغوي، الذي ركز في خطابه على المقارنة بين كتاب الإسراء، وكتب أساتذة صوفيين مثل ابن عربي والسنائي الغزنوي وغيرهما من جهة، و"الكوميديا ​​الإلهية" من جهة أخرى.

في تلك المناسبة طلب مني ترجمة كتاب بالاثيوس، فقبلت التحدّي وطلبت من روبرتو روسّي تيستا مساعدتي في ترجمة النصوص من الإسبانية بينما اضطلعت بترجمة النصوص العربية الأصلية التي ضمّنها المؤلف كتابه دون ترجمة. بمجرد نشره، حقق الكتاب، على عكس الجدال الذي اندلع في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، نجاحا بين المختصين في علوم التاريخ والأدب الإيطاليين، المتحمسين للأدب العربي مثل ماريا كورتي وغيرها من نقاد الجيل الجديد وصدرت منه العديد من المطبوعات وتناقلته دور نشر كثيرة.

بات الاعتقاد راسخا الآن بين دارسي "الكوميديا الإلهية" أن دانتي تأثر بالعديد من المصادر الإسلامية وأنه استلهم معراج النبي محمد في بناء كتابه

أدب المهاجرين

من المُسلّم به أن المهاجر، أيا تكن جنسيته، ينقل ثقافته معه، وهو أمر لم يكتشفه الإيطاليون سوى مع الروايات الأولى لكتاب أجانب، في بداية التسعينات، مثل "أنا بائع الفيلة" لبَبْ خوما وأوريستِهْ بيفيتّا، و"وعد حمدي" لسعيدو موسى با وأليساندرو ميكيليتّي، و"مهاجر" لصلاح مثناني وماريو فورتوناتو: كيف ترى هذا الأدب، أي "أدب المهاجرين الإيطالي"؟

- في بداية روايتي الأولى، كنت أعتبر نفسي كاتبا مهاجرا يكتب باللغة الإيطالية. كنت مصنفا من بين الكتاب الأجانب على لائحة دار "بومبياني" للنشر. بمرور الوقت أجد أن تسمية "أدب المهاجرين الإيطالي"لم تعد مناسبة، لأن اللغة بالنسبة إليّ هي الأرض، وكل من يكتب باستخدام لغة هذه الأرض، هو جزء منها، واللغة نفسها تصبح وطنه. منذ الرواية الأولى وأنا أكتب مباشرة باللغة الإيطالية ودون مساعدة أحد حيث كنت من الأوائل القلائل الذين يكتبون وينشرون دون مناصفة مع كاتب إيطالي.

 

دار الحكمة

"دار الحكمة"، المركز الثقافي الذي أنشأته في تورينو، في حي شعبي يغصّ بالمهاجرين، ماذا يعني لك هذا الاسم، والذي يشهد على العصر الذهبي العربي والإسلامي بشكل عام؟

تأسست جمعية مركز دار الحكمة الثقافي الإيطالي العربي في عام 1985 على أيدي بعض الأساتذة الذين يدرسون اللغة العربية في جامعة تورينو. لقد اخترنا الاسم لنتذكّر ونذكّر الآخرين بذلك العصر الرائع الذي ترجمت فيه النصوص المهمة إلى اللغة العربية بدقة في مختبر "بيت الحكمة" في بغداد العباسية. استأجرنا المقر، وهو منشأة بنيت في الخمسينات من القرن الماضي، من بلدية تورينو وقمنا بترميمه عام 2000 وفق مشروع معماري مستوحى من الثقافتين العربية والإيطالية.

أصبح المركز، وهو فريد من نوعه في إيطاليا، نقطة التقاء بين ثقافات البحر الأبيض المتوسط، ويقدّم خدمات متنوّعة إلى المواطنين الإيطاليين والمهاجرين على حدّ سواء.

 

كيف تصف علاقتك باللغة الإيطالية التي كتبت بها معظم أعمالك؟

علاقة انخراط وانتماء، دون إنكار لغتي الأم. إنها تسحرني وأحب استخدامها في الكتابة لأنها توفر لي أدوات ومساحات مرنة مثل اللغة العربية. اللغة الإيطالية غنية بالأضداد والمترادفات والاستعارات كونها من أصل لاتيني.

font change

مقالات ذات صلة