حرب غزة قد تغير المعادلة الانتخابية في بريطانيا

الناخبون البريطانيون ستكون لهم كلمتهم حول موقف الأحزاب السياسية من الحرب

Majalla
Majalla

حرب غزة قد تغير المعادلة الانتخابية في بريطانيا

مع اقتراب الانتخابات البريطانية العامة المقبلة، يمكن أن تشكل الأزمة العالمية المرتبطة بالحرب في غزة عاملا يُعزز من فرص حزب المحافظين المتعثر في الحصول على الدعم الذي يحتاجه لتحقيق فوز انتخابي.

وبعد أن شنت "حماس" هجومها ضد إسرائيل يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، ظهر انقسام سياسي عميق بين حكومة المحافظين برئاسة ريشي سوناك، الذي تعهد على الفور بدعم إدارته للرد العسكري الإسرائيلي على الهجوم، وحزب العمال المعارض بقيادة السير كير ستارمر، والذي كان أكثر تضاربا حول كيفية التعامل مع هذه القضية.

وبينما اتبع ستارمر في البداية خطى سوناك من خلال دعمه لحقّ إسرائيل في الدفاع عن النفس، بدا أعضاء بارزون آخرون في حزب العمال أقل دعما لها، حيث اتهم كثير من السياسيين البارزين في حزب العمال إسرائيل بتهديد حياة المدنيين الفلسطينيين الأبرياء ودعوا إلى وقف إطلاق النار.

وبرزت التوترات العميقة في حزب العمال إلى العلن بعد أن أجرى ستارمر مقابلة مع نيك فيراري، المذيع في إذاعة "إل بي سي" البريطانية، والذي سأله عما إذا كان "حصار غزة، أي قطع الكهرباء والمياه" يعدّ ردا متناسبا على المذبحة التي ارتكبتها "حماس" يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول. وكان آلاف المدنيين في غزة يتعرضون للموت، بالإضافة إلى النقص الحاد في الحاجات الأساسية مثل الغذاء والماء والوقود والأدوية.

اتبع ستارمر في البداية خطى سوناك من خلال دعمه لحقّ إسرائيل في الدفاع عن النفس، فيما بدا أعضاء بارزون آخرون في حزب العمال أقل دعما لها

وأجاب ستارمر على ذلك السؤال بـ: "نعم،" وقال: "إن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها". وبعد أن أبعد شبح معاداة السامية الذي لحق بحزبه في عهد الزعيم السابق جيريمي كوربين، لم يكن ستارمر مستعدا لتقديم أي ملاحظات من شأنها إثارة المشاكل قبل الانتخابات العامة.

وكان ستارمر قد قام بتعليق عضوية كوربين في حزب العمال على أثر تقرير رسمي دامغ حول معاداة السامية في حزب العمال في أكتوبر/تشرين الأول 2020؛ إذ أظهرت تحقيقات هيئة مراقبة المساواة أن الحزب كان يرتكب "أعمال مضايقة وتمييز غير قانونية" فيما يتعلق بمعاداة السامية تحت قيادة كوربين. وعلاوة على ذلك، خلال اجتماع في البرلمان عام 2009، وصف كوربين "حماس" و"حزب الله" بأنهما "أصدقاء".

غير أن رد ستارمر في مقابلته مع إذاعة "إل بي سي" أظهر عدم تقديره لعمق المشاعر داخل الحزب تجاه محنة سكان غزة المدنيين، وخاصة بين المسلمين البريطانيين. وقد أصبح هذا واضحا عندما دعت علنا شخصيات بارزة من حزب العمال- مثل عمدتي مدينتين كبيرتين: صادق خان في لندن، وآندي بورنهام في مانشستر، وكلتاهما تضم عددا كبيرا من السكان المسلمين- إلى وقف إطلاق النار. وكذلك فعل زعيم حزب العمال الاسكتلندي، أنس سروار، الذي لديه عائلة في غزة مثل منافسه في الحزب القومي الاسكتلندي، رئيس الوزراء الاسكتلندي حمزة يوسف.

اقرأ أيضا: في راهنية "وعد بلفور"

وعلى الرغم من أن ستارمر ادعى أن تعليقاته فُهِمت بشكل خاطئ، إلا أن حزب العمال انقسم منذ ذلك الحين، واستقال أكثر من 20 عضوا من ممثلي مجالس الحزب في لندن. 

ومع ذلك، وعلى الرغم من الانتقادات التي تعرض لها على مدى أيام داخل حزبه والدعوات إليه للمطالبة بوقف رسمي لإطلاق النار، تمسك ستارمر بموقفه، وأصر على أن وقف إطلاق النار الشامل لن يؤدي إلا إلى تعزيز قوة "حماس". وفي خطاب ألقاه في المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس) في لندن في الأيام الأخيرة، كرر دعوته لهدنة إنسانية للسماح للناس بالخروج من القطاع والسماح بدخول المساعدات، وذلك تماشيا مع موقف حكومتي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وقال: "هذا هو النهج الوحيد الموثوق الذي يحظى بأي فرصة لتحقيق ما نريد جميعا أن نراه في غزة". وأضاف أنه يفهم سبب رغبة الناس في وقف إطلاق النار ردا على المشاهد "المروعة" لمعاناة المدنيين.

وقف إطلاق النار الدائم في هذه المرحلة سيترك لـ"حماس" البنية التحتية والقدرة على تنفيذ هذا النوع من الهجوم الذي شهدناه يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول

كير ستارمر - زعيم حزب العمال

وقال ستارمر إن وقف إطلاق النار الدائم في هذه المرحلة سيترك لـ"حماس" البنية التحتية والقدرة على تنفيذ هذا النوع من الهجوم الذي شهدناه يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، مما يهدد بمزيد من البؤس والمعاناة للإسرائيليين والفلسطينيين. وقال: "ستتشجع حماس وستبدأ في الاستعداد للعنف المستقبلي على الفور". وأضاف: "إنها بالطبع تحتجز 200 رهينة، ولا يمكنك تجميد وضع كهذا دون حرمان دولة ذات سيادة من حقها في الدفاع عن نفسها".

ومن المؤكد أن الخلاف المتفاقم داخل حزب العمال حول كيفية التعامل مع أزمة غزة أعطى دفعة لحزب المحافظين الحاكم الذي كان، قبل هجوم "حماس"، متأخرا بشكل كبير في استطلاعات الرأي وبدا أنه مهدد بخسائر فادحة في الانتخابات البريطانية العامة المقرر إجراؤها العام المقبل.

اقرأ أيضا: حرب غزة... ستة تطورات تجب متابعتها

وعلى الرغم من أنه لا يزال من السابق لأوانه الحكم على ما إذا كانت الأساليب المختلفة للأحزاب الرائدة في بريطانيا ستؤثر على نتيجة الانتخابات النهائية، إلا أنه من الواضح أن دعم سوناك القوي لإسرائيل عزز مصداقيته القيادية، خاصة وأن عدد أعضاء البرلمان المحافظين الذين عبروا عن مخاوفهم بشأن قضية وقف إطلاق النار كان قليلا.

وفي المقابل، انتقد عدد كبير من نواب حزب العمال نهج ستارمر واختبروا المسؤولية الجماعية للحزب من خلال الدعوة إلى وقف كامل لإطلاق النار، وتعرض زعيم حزب العمال لانتقادات من مجموعة من المتظاهرين اليساريين عندما وصل لإلقاء الخطاب في "تشاتام هاوس" في لندن.

Reuters
وقفة احتجاجية أمام مقر رئاسة الوزراء البريطانية في لندن للمطالبة بوقف إطلاق النار في غزة

وفي حين تمكن سوناك حتى الآن من الحفاظ على جبهة موحدة بشأن قضية غزة، يخوض ستارمر صراعا للحفاظ على انضباط حزب العمال، خاصة مع معارضة بعض أعضاء الحزب لموقفه من الصراع بين إسرائيل و"حماس"؛ إذ يعارض ستة عشر من كبار النواب عن حزب العمال موقف ستارمر، كما أخبر نواب حزب العمال صحيفة "الإندبندنت" أن ما لا يقل عن 100 من زملاء السير كير في البرلمان– نصف حزبه البرلماني– يريدون منه تغيير موقفه لتجنب فقدان المزيد من الدعم. وحذروا زعيم حزب العمال من أن الحزب يواجه "تهديدا وجوديا" في المقاعد التي تضم عددا كبيرا من الناخبين المسلمين، مع استمرار أعضاء المجالس في الاستقالة وتمرير الأحزاب المحلية اقتراحات لصالح وقف إطلاق النار.

يأتي ذلك في ظل الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة "يوغوف"، والذي وجد أن 42 في المئة من ناخبي حزب العمال عام 2019 يعتقدون أن ستارمر استجاب للصراع بشكل سيئ، بينما يعتقد 26 في المئة فقط أنه استجاب بشكل جيد.

كما شهد ستارمر أيضا انخفاضا كبيرا في تقييماته الشخصية بين الجمهور البريطاني الأوسع، حيث أظهر استطلاع أجرته شركة "دلتا بول" أن صافي الرضا عن ستارمر انخفض بنسبة 12 في المئة، من +7 إلى -5. ولا يزال أمامنا بعض الوقت قبل أن تذهب بريطانيا إلى صناديق الاقتراع، ولكن ليس من المستبعد أن تخلّف الأحداث الرهيبة التي تشهدها غزة تأثيرا مباشرا على نتائج الانتخابات العامة المقبلة في بريطانيا.

font change

مقالات ذات صلة