الانفجار المؤجل بسبب "عدم توازن" بايدن في حرب غزة

تداعيات وخيمة لانحياز بايدن المطلق لإسرائيل

الرئيس الأمريكي جو بايدن مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أثناء زيارته لإسرائيل، في 18 أكتوبر 2023.

الانفجار المؤجل بسبب "عدم توازن" بايدن في حرب غزة

أحدث الحجم الكبير لهجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول التي نفذتها "حماس" ووحشيتها صدمات كبيرة في جميع أنحاء العالم، مما ولّد انقساما حادا في الرأي العام. وعلى أثر ما يعتبر بحق الهجوم الأكثر فتكا في تاريخ إسرائيل، أعادت الولايات المتحدة التأكيد بشكل فوري وثابت على دعمها الراسخ للإجراءات التي اتخذتها إسرائيل ضد "حماس". كما زادت واشنطن الأسلحة المقدمة لإسرائيل دون اتخاذ إجراءات مراقبة أو مساءلة قوية لضمان امتثال تل أبيب لقوانين الحرب الدولية.

إن دعم الرئيس بايدن الذي لا لبس فيه وتضامنه أحادي الجانب مع إسرائيل، حتى وهي توقع الآلاف من الضحايا المدنيين الفلسطينيين، يُعتبر على نطاق واسع، ولا سيما في الشرق الأوسط، ترخيصا ضمنيا لإسرائيل يمنحها شعورا بالقدرة على الإفلات من العقاب على أفعالها في غزة. وعلى الرغم من أن هذه السياسة قد تحظى بشعبية كبيرة داخل الولايات المتحدة، إلا أنها دون ريب سياسة قصيرة النظر وتحمل في ثناياها إمكانات مدمرة.

إن هذا الموقف يعيق قدرة الحكومة الأميركية على التعامل بفعالية مع جماهير دولية متنوعة، ما يقلل من أهمية الجهود الدبلوماسية الأميركية للتوسط في هذا الصراع، ويُعرّض حياة المزيد من المدنيين للخطر ويضع القوات الأميركية تحت دائرة خطر متعاظم، ويدفع باتجاه صراع إقليمي أوسع يلوح في الأفق.

ويجب على إدارة بايدن أن تستخدم كل الوسائل المتاحة لمنع تدهور الوضع في غزة والمنطقة المحيطة بها إلى أزمة شاملة، وضمان عدم وصولها إلى نقطة اللاعودة.

لقد أودى هجوم "حماس" في 7 أكتوبر/تشرين الأول بحياة 1400 شخص، بينهم الكثير من المدنيين، وقد سارع بايدن فورا ليعلن باستمرار عن دعمه غير المشروط لإسرائيل. وأكد في رده الأولي الذي جاء يوم الحادثة، وفي خطاباته وتصريحاته اللاحقة، على حق إسرائيل في الدفاع عن النفس، قائلا "نقطة. انتهى".

بصرف النظر عن إلحاق الضرر بصورة الولايات المتحدة العالمية، فإن سياسة الردع التي تنتهجها إدارة بايدن أظهرت علامات عدم الفعالية.

ولم تُضيّع إدارة بايدن أي وقت في إرسال مساعدات عسكرية إضافية إلى إسرائيل، ومن ضمنها الإمدادات الحيوية مثل الذخيرة والصواريخ الاعتراضية. وعلاوة على ذلك، نُشرت قوات العمليات الخاصة لمساعدة الجيش الإسرائيلي في عمليات التخطيط والاستخبارات. وبالتزامن مع ذلك، وفي تحذير واضح منها لإيران وحلفائها، أرسلت الولايات المتحدة مجموعتي حاملات طائرات وعددا من الطائرات الإضافية إلى المنطقة كإشارة ردع، بهدف ثنيهم عن الدخول في الصراع.

في هذه الأثناء، شنت القوات الإسرائيلية غارات جوية مكثفة على قطاع غزة، وهو قطاع مكتظ بالسكان يسكنه 2.3 مليون فلسطيني، واستهدفت المناطق السكنية والبنية التحتية المدنية الحيوية. ويشير تحليل صور الأقمار الصناعية إلى أن تلك الغارات قد دمرت أو ألحقت الضرر بنحو 11,000 مبنى في غزة خلال أقل من أسبوعين من الحرب. وسيتجاوز عدد الأشخاص الذين لن يجدوا مكانا يعودون إليه عندما تضع الحرب أوزارها 92,000 شخص على أقل تقدير.

أمريكيون يهود يتظاهرون في محطة "غراند سنترال" بمدينة نيويورك، مطالبين بوقف إطلاق النار في غزة، في 27 أكتوبر، 2023

كما شددت إسرائيل حصارها غير القانوني المفروض على غزة منذ 16 عاما، إذ إنها أعلنت وقفا كاملا للخدمات الأساسية، ومن ضمنها الكهرباء والمياه والوقود، حتى يُخلى سبيل المختطفين. وتقترب حصيلة القتلى في غزة من 5000 شخص، ومن ضمنهم عدد كبير من النساء والأطفال، وهو الأمر الذي يزيد المخاوف بشأن وقوع كارثة إنسانية وشيكة.

"الفريق الآخر"

ومع تزايد الانتقادات لسياسة الولايات المتحدة، ظهرت تقارير بأن الرئيس بايدن وإدارته قد ناشدا إسرائيل سرا، وحثاها على ضبط النفس والحد من الخسائر البشرية الفلسطينية. ومع ذلك، فإن هذه الدبلوماسية الهادئة لا ترقى إلى مستوى إظهار التزام الولايات المتحدة بحماية المدنيين على طرفي الصراع. إذ ستكون الدعواتُ إلى ضبط النفس ذاتَ وزنٍ أكبر إن هي اقترنت بخطوات أو آليات ملموسة تنفذها الولايات المتحدة لحماية المدنيين.

إن دبلوماسية إدارة بايدن العامة المتحيزة تُقوّض مصداقية النهج الحليم الذي تنتهجه تلك الإدارة. ويتجلى هذا الخلل في تصريح بايدن عند هبوطه في إسرائيل، إذ أشار إلى أن قصف المستشفى الأهلي العربي في غزة يبدو من عمل "الفريق الآخر، وليس من عملكم أنتم". الأمر الذي يعني أن الفصائل الفلسطينية المسلحة هي المسؤولة، من دون أن يُقدم دليلا ملموسا يدعم زعمه هذا. وكان الرد الأكثر حكمة هو الدعوة إلى إجراء تحقيق مستقل في هذا الحادث المأساوي، الذي أودى بحياة 500 مدني، ولا سيما أن الكثير من حلفاء الولايات المتحدة العرب يُحمّلون إسرائيل مسؤولية القصف.

تقود سياسة الرئيس بايدن الولايات المتحدة إلى مسار دبلوماسي محفوف بالمخاطر؛ فمن خلال التمسك الأعمى بالدعم غير المشروط لإسرائيل

وبصرف النظر عن إلحاق الضرر بصورة الولايات المتحدة العالمية، فإن سياسة الردع التي تنتهجها إدارة بايدن أظهرت علامات عدم الفعالية؛ إذ لم يقتصر الأمر على فشلها في منع الميليشيات التي تدعمها إيران من شن هجمات ضد إسرائيل، ولكنها عرّضت أيضا القوات الأميركية في المنطقة للخطر. ولم تُفلح التهديدات الأميركية في ردع الجماعات التي تدعمها إيران. وقد ذكر "حزب الله"، على سبيل المثال، أن نشر حاملة الطائرات الأميركية "لن يخيف شعوب أُمّتنا [الإسلامية]، ولا فصائل المقاومة المستعدة للمواجهة". ولإظهار جديتها، شنت هذه الجماعات هجمات ضد إسرائيل انطلاقا من سوريا ولبنان.

وفي سوريا، شنت الميليشيات التي تدعمها إيران عدة هجمات صاروخية باتجاه مرتفعات الجولان، وهي منطقة خاضعة للاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967. وفي جنوب لبنان، انخرط "حزب الله" وجماعات أخرى في مناوشات متبادلة مع إسرائيل، ملتزمين إلى حد كبير بقواعد الاشتباك الراسخة.

AFP
مدفع للجيش الإسرائيلي يطلق قذائف باتجاه قطاع غزة من موقع في جنوب إسرائيل عبر الحدود في 28 أكتوبر، 2023

وبهدف تصعيد الوضع بشكل أكبر، هددت الميليشيات التي تدعمها إيران في المنطقة أيضا باستهداف القواعد الأميركية في المنطقة إذا تدخلت الولايات المتحدة في الصراع بين "حماس" وإسرائيل، أو إذا قامت تل أبيب "بتوسيع ساحة المعركة". وقد ضمنوا أيضا أن يكون لتهديداتهم وزنها؛ ففي غضون 24 ساعة، تعرضت القوات الأميركية في مواقع متعددة في جميع أنحاء العراق وسوريا لهجوم بطائرات مسيّرة وصواريخ. كما اعترضت مدمرة تابعة للبحرية في شمال البحر الأحمر عدة صواريخ وطائرات مسيّرة أُطلقت من اليمن.

كما كررت إيران والفصائل المسلحة التابعة لها في المنطقة استعدادها للتدخل بشكل أكثر فعالية إذا تصاعدت أعمال إسرائيل في غزة، ويشتمل ذلك على احتمال حدوث انهيار في مقاومة "حماس"، أو احتمال ازدياد عدد الضحايا الفلسطينيين.

ويعد العثور على مخرج لهذا الصراع المتصاعد أمرا صعبا في هذه المرحلة، مع إمكان أن يتطور إلى صراع مباشر مع إيران؛ فإذا غزت إسرائيل غزة، وكثفت الفصائل المسلحة المدعومة من إيران هجماتها، فستواجه إدارة بايدن قرارا حاسما. وسيتعين عليها الاختيار بين اتخاذ إجراءات قد تؤدي إلى تفجر صراع إقليمي واسع وطويل الأمد يشمل الجماعات التابعة لإيران، أو الامتناع عن التدخل، وهو الأمر الذي من شأنه أن يقلل من مصداقية تهديداتها.

يحتاج الرئيس بايدن بشكل ملحّ إلى ممارسة ما يدعو إليه، للتخفيف من تداعيات هذه السياسة المتحيزة

كما كررت إيران والفصائل المسلحة التابعة لها في المنطقة استعدادها للتدخل بشكل أكثر فعالية إذا تصاعدت أعمال إسرائيل في غزة، ويشتمل ذلك على احتمال حدوث انهيار في مقاومة "حماس"، أو احتمال ازدياد عدد الضحايا الفلسطينيين.

ويعد العثور على مخرج لهذا الصراع المتصاعد أمرا صعبا في هذه المرحلة، مع إمكان أن يتطور إلى صراع مباشر مع إيران؛ فإذا غزت إسرائيل غزة، وكثفت الفصائل المسلحة المدعومة من إيران هجماتها، فستواجه إدارة بايدن قرارا حاسما.

ينبغي للولايات المتحدة أن تدعو، علنا وفي المناقشات الخاصة، إلى الالتزام بقانون الحرب والقانون الدولي، ومحاسبة المنتهكين جميعهم دون استثناء. 

وسيتعين عليها الاختيار بين اتخاذ إجراءات قد تؤدي إلى تفجر صراع إقليمي واسع وطويل الأمد يشمل الجماعات التابعة لإيران، أو الامتناع عن التدخل، وهو الأمر الذي من شأنه أن يقلل من مصداقية تهديداتها.

ويحتاج الرئيس بايدن بشكل ملحّ إلى ممارسة ما يدعو إليه، للتخفيف من تداعيات هذه السياسة المتحيزة؛ إذ ينبغي للولايات المتحدة أن تدعو، علنا وفي المناقشات الخاصة، إلى الالتزام بقانون الحرب والقانون الدولي، ومحاسبة المنتهكين جميعهم دون استثناء. وعلاوة على ذلك، يجب على الولايات المتحدة تشجيع إسرائيل على الابتعاد عن موقفها الانتقامي شديد العدوانية، كإجراء وقائي ضد احتمال اندلاع صراع إقليمي كارثي من شأنه أن يضر الأطراف جميعها، ومن ضمنها الولايات المتحدة.

لم يفت الأوان بعد للتصرف بحكمة، ولكن سرعان ما سيكون الأمر كذلك.

font change

مقالات ذات صلة