البحر الأحمر منصة أميركية لإدارة الصراعات

الاندفاعة الأميركية لتشكيل القوة البحرية تأتي في سياق الموقف المؤيد لاسرائيل

AFP
AFP
صواريخ اثناء عرض عسكري للحوثيين في صنعاء في 21 سبتمر

البحر الأحمر منصة أميركية لإدارة الصراعات

لم يكد وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن يعلن في التاسع عشر من ديسمبر/كانون الأول تشكيل تحالف متعدد الجنسيات تحت اسم "حارس الازدهار" لحماية السفن التجارية العابرة في البحر الأحمر، حتى تعرضت الناقلة "كيم بلوتو" الإسرائيلية لهجوم بطائرة مسيرة على مسافة 200 كيلومتر جنوب غربي ميناء "فيرافال" في الهند.

جاء هذا الهجوم في أعقاب هجمات نفذتها ميليشيات الحوثيين على سفن تجارية في البحر الأحمر بطائرات مسيرة وصواريخ، ما أجبر كبرى شركات الشحن العالمية على تغيير مسارات سفنها والإبحار حول الطرف الجنوبي لقارة أفريقيا. وبالتزامن ذكرت وسائل إعلام إيرانية عن قيادات في الحرس الثوري، منهم مساعد قائد الحرس الثوري للشؤون التنسيقية محمد رضا نقدي، قوله: "سيتعين عليهم قريبا انتظار إغلاق البحر المتوسط ومضيق جبل طارق وممرات مائية أخرى"، دون أن تعلن طهران عن أي صلة لها بهذا الهجوم.

وعلى الرغم من استعراض القوة الذي اعتمدته الولايات المتحدة بإعلان مشاركة 20 دولة في التحالف، توعد زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي بمواصلة الهجمات على السفن المبحرة من وإلى إسرائيل طالما استمرت حرب غزة، وأن العمليات لن تتوقف حتى لو حشدت الولايات المتحدة "العالم بأسره". وحذر الحوثي من أن "الجماعة لن تتردد في ضرب السفن الحربية الأميركية إذا استهدفتها واشنطن".

يطرح موقع الهجوم على السفينة الإسرائيلية قبالة السواحل الهندية الذي يبعد أكثر من 2500 كيلومتر عن باب المندب وخليج عمان، وأكثر من 1300 كيلومتر عن الساحل الإيراني تساؤلات عديدة حيال دلالات توسيع دائرة الاستهداف البحري لتشمل بحر العرب وجزءا من المحيط الهندي، بما يرفع نسبة المخاطر لتتجاوز المرور عبر البحر الأحمر والتحول نحو رأس الرجاء الصالح جنوب القارة الأفريقية، وبما يشكل تحديا واضحا للتحالف البحري الذي أعلنته الولايات المتحدة ويدفع باتجاه الحرب الشاملة في المنطقة.

حماية حرية الملاحة أم حماية المصالح الإسرائيلية؟

مما لا شك فيه أن الاندفاعة الأميركية لتشكيل القوة البحرية لحماية السفن في البحر الأحمر إنما أتت على خلفية تأمين السفن المتجهة إلى إسرائيل، وفي سياق الموقف المؤيد لعدوانها على غزة. وقد يكون في ذلك ما يكفي لعدم دعوة الدول العربية المشاطئة للبحر الأحمر لا سيما مصر أو تركيا كدولة إقليمية وازنة للمشاركة في هذا التحالف من جهة، أو لعدم إبداء الدول العربية رغبتها في الانضمام إليه رغم التقاطع الإيجابي مع العنوان المعلن للتحالف من جهة أخرى. ولعل في ذلك ما يكفي للتساؤل حيال المهمة النهائية التي تريدها الولايات المتحدة لهذا التحالف والتي قد تتحول من تأمين حرية الملاحة إلى فرض شروط وتقييدات عليها وربما إلى استخدام هذه القوة في مواجهات إقليمية أو دولية في ظل ضبابية السياسة الخارجية الأميركية والانحياز الواضح لإسرائيل.

المسافة من خليج عدن إلى إسبانيا عبر قناة السويس تبلغ 6600 كلم تقريبا، في حين تبلغ عبر رأس الرجاء الصالح أكثر من 17 ألف كيلومتر

هذا بالإضافة إلى أن عدم وضع تشكيل هذا التحالف في سياق تأمين استقرار المنطقة، ومنها وقف إطلاق النار في غزة، سيضع الدول العربية المشاركة في موقع الدفاع عن المصالح الإسرائيلية فيما لا يزال العدوان مستمرا على غزة. 

AP
دورية للشرطة البحرية الصومالية في خليج عدن في 30 نوفمبر

وفي السياق عينه، لم تبدِ الولايات المتحدة أي اعتبار للتداعيات السلبية على سلاسل التوريد العالمية والتي قد تشكل عنوانا جاذبا لمشاركة الدول في التحالف، إذ تواجه شركات الشحن التي تبحر حول رأس الرجاء الصالح خيارات صعبة بشأن مكان التزود بالوقود وإعادة التموين، حيث تعاني الموانئ الأفريقية من الروتين والازدحام وضعف المرافق حسب توصيف الكثير من المراقبين. وفي هذا المجال يؤكد مؤشر البنك الدولي لعام 2022 الذي صدر في مايو/أيار أن الموانئ الرئيسة في جنوب أفريقيا، بما في ذلك ميناء ديربان، وهو الميناء الأكثر تقدما والأكبر في أفريقيا من حيث حجم الحاويات، وكذلك موانئ كيب تاون، ونجكورا، هي من الأسوأ أداء على مستوى العالم، كما أن ميناءي مومباسا في كينيا، ودار السلام في تنزانيا، غير مجهزين للتعامل مع حركة المرور المتوقعة. وهذا يعني إن السفن التي تغير مسارها حول القارة لديها خيارات محدودة للرسو وتلقي الخدمات، بالإضافة إلى ما يترتب على إطالة مدة الإبحار من ارتفاع في استهلاك الوقود وزيادة الانبعاثات وارتفاع الأسعار بحيث تبلغ المسافة على سبيل المثال من خليج عدن إلى إسبانيا عبر قناة السويس 6600 كلم تقريبا في حين تبلغ عبر رأس الرجاء الصالح أكثر من 17 ألف كيلومتر.

عدم وضوح مهمة التحالف


لقد أضافت الضبابية وعدم وضوح مهمة التحالف عاملا جديدا إلى جانب انعدام الثقة بين بكين وواشنطن. وفي هذا ما يفسر تجاهل الصين دعوة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن للانضمام إلى عملية "حارس الازدهار"، التي عبر عنها المتحدث باسم وزارة الخارجية، وانغ وين بين، من خلال التوجه إلى القوات العسكرية والدبلوماسية الأميركية بالقول: "نعتقد أن الأطراف المعنية، وخاصة الدول الكبرى ذات النفوذ، بحاجة إلى لعب دور بناء ومسؤول في الحفاظ على ممرات الشحن آمنة في البحر الأحمر". 

القوات البحرية المصرية قادرة على الانضمام بكفاءة إلى التحالف الدولي وهي قادرة بإمكاناتها الذاتية على مواكبة وحماية السفن التجارية المتوجهة إلى قناة السويس

ولا تعكس مخاطبة وانغ "الدول الكبرى ذات النفوذ" اعتراف بكين بأن الولايات المتحدة وحلفاءها وشركاءها قادرون على حشد قوة بحرية أكبر بكثير مما تستطيعه بكين، بقدر ما تعكس الرغبة في اعتماد مقاربة أخرى أكثر جدوى لإعادة الاستقرار إلى الممر البحري. وربما في هذا إشارة إلى دور يمكن أن تلعبه الصين من خلال علاقتها الوثيقة مع إيران لوضع حد لتلك الهجمات. 

AP
وزير الدفاع الاميركي لويد اوستن يتحدث الى طاقم الحاملة "يو اس اس جيرالد آر فورد" اثناء زيارته لها في 20 ديسمبر

ينسجم هذا الموقف مع المسعى الدبلوماسي الذي قامت به بكين في أعقاب هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول من خلال مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، تشاي جون، بهدف "تهدئة الوضع" ووقف الحرب بين إسرائيل و"حماس"، بعد نجاحها في التوصل إلى اتفاق خفض العداء بين إيران والمملكة العربية السعودية في مارس/آذار.
وفي السياق عينه، يمكن قراءة موقف وزير الخارجية المصري، سامح شكري، في مؤتمر صحافي جمعه بنظيره البريطاني ديفيد كاميرون، وفق ما نقلته وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية الرسمية: "إن الدول المطلة على البحر الأحمر تتحمل مسؤولية حماية المياه المتنازع عليها، وأن القاهرة ستقوم بدورها لضمان حرية الملاحة". 
وأضاف شكري: "نواصل التعاون مع الكثير من شركائنا لتوفير الظروف المناسبة لحرية الملاحة في البحر الأحمر". وتشكل حرية وصول السفن التجارية بأمان إلى قناة السويس مسألة وجودية بالنسبة لمصر، ويعبر الموقف المصري عن امتعاض واضح من الموقف الأميركي وإصرار على حماية قناة السويس بالرغم من عدم توضيح الخطوات التي ستتخذ لضمان ذلك في إطار مواجهة التهديد الحوثي. 
وتجدر الإشارة إلى أن مصر تمتلك قدرات بحرية وازنة، إذ يصنف الأسطول البحري الحربي المصري في المرتبة رقم 12 عالميا وهو يتضمن حاملتي مروحيات و13 فرقاطة و8 غواصات و7 كورفيت و48 سفينة دورية و23 كاسحة ألغام، بالإضافة إلى 245 وحدة بحرية، حسب موقع "غلوبال فاير باور" الأميركي لعام 2022. وبهذا فإن القوات البحرية المصرية قادرة على الانضمام بكفاءة إلى التحالف الدولي وهي قادرة بإمكاناتها الذاتية على مواكبة وحماية السفن التجارية المتوجهة إلى قناة السويس.

هل تريد الولايات المتحدة تأمين البحر الأحمر أم إدارة الصراع فيه؟


لقد نفذ الحوثيون أكثر من 100 هجوم بطائرات دون طيار وصواريخ باليستية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، واستهدفوا سفن شحن تحمل أكثر من 35 علما من دول مختلفة وفقا لبيانات وزارة الدفاع الأميركية، بما في ذلك مدمرات تابعة للبحرية الأميركية. وقد تم اعتراض معظم هذه الصواريخ، على الرغم من أن بعضها أصاب أهدافه وتسبب في وقوع إصابات وأضرار طفيفة، كما تم اختطاف سفينة واحدة. وقد تسببت الهجمات في اضطرابات كبيرة في الشحن؛ حيث يمنع الحوثيون ما يقدر بنحو 10 مليارات دولار من الشحنات يوميا، ما أدى إلى ارتفاع في الأسعار، ووضع في المنطقة في حالة توتر وتأهب قصوى.

سيقدم هذا المسطح المائي الاستراتيجي منصة نموذجية لعودة الولايات المتحدة إلى المنطقة، إذ سيسمح بإرهاق الصين اقتصاديا بإعاقة صادراتها ورفع تكاليفها، كما سيسمح باستعادة الدور بين إيران ودول الخليج وربما إحباط الاتفاق الذي رعته بكين

وتتصدى المدمرتان الأميركيتان "US Carney"، و"US Mason"- اللتان انضمت إليهما أيضا السفن الحربية البريطانية- للهجمات باستخدام صواريخ "RIM66 SM-2"، و"RIM66 SM-6" الاعتراضية، بالإضافة إلى صاروخ "ESSM Sea Sparrows" لإسقاط الطائرات دون طيار. وقد تم تجهيز "US Carney" بصواريخ "SM-3" أيضا دون أن تتوفر معلومات حول استخدامها. تشكل هذه المنظومات جزءا من "الدفاع المتعدد المستويات" الذي يستند إلى نشر قدرات اعتراضية مختلفة للاستجابة لكافة أنواع التهديد، لكن الصواريخ التي ورد ذكرها حتى الآن في تقارير الاعتراض هي فقط "SM-2"، و"Sparrows".

AP
صورة من الارشيف للمدمرة الاميركية "يو اس اس ماسون" التي قال المسؤولون الاميركيون انها اسقطت جسما طائرا كان متجها اليها

لقد أنفق البنتاغون 12.3 مليار دولار على برامج الدفاع الصاروخي عام 2022 و24.7 مليار دولار على صواريخه وذخائره، مما يعني أن هناك مخزونا كبيرا منها. هذا بالإضافة إلى أن الدول المشاركة في التحالف كالمملكة المتحدة والبحرين وكندا وفرنسا وإيطاليا وهولندا والنرويج وسيشيل وإسبانيا لديها قدراتها الخاصة. ومن المثير للاهتمام أن تركيا العضو في "الناتو" ليست جزءا من التحالف، كما أن المملكة العربية السعودية التي ترتبط بوقف إطلاق النار في اليمن لا يمكن أن تشكل جزءا منه. 
إن مسألة تأمين حرية الملاحة في البحر الأحمر ليست مسألة ميزان قوى أو نفقات دفاعية تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تأمينها، بل هي مسألة استراتيجية أميركية في التعامل مع الصراعات في المنطقة والعالم. لقد أثبتت التجربة أن خيارات واشنطن منذ خمسينات القرن الماضي هي إدارة الصراعات وتطويرها والاستثمار فيها وليس حلها وإنهاءها، وبهذا فإن مسألة حرية الملاحة في البحر الأحمر لن تخرج عن السياقات الأميركية بل ستضيف فصلا جديدا إلى فصول إدارة الصراعات في المنطقة ودائما على الطريقة الأميركية. 
يقدم البحر الأحمر ميدانا نموذجيا لتصفية الحسابات بالنسبة لواشنطن، بما يسمح بالتعامل مع جملة من الأهداف دفعة واحدة. لقد قدم الهجوم على الناقلة الإسرائيلية بالقرب من السواحل الهندية عاملا إضافيا لهجمات الحوثيين على البحر الأحمر بما يستدعي توسيع نطاق التدخل الأميركي ليشمل المحيط الهندي وبحر العرب بالإضافة إلى خليج عدن وباب المندب. 
وسيقدم هذا المسطح المائي الاستراتيجي الهام منصة نموذجية لعودة الولايات المتحدة إلى المنطقة والإمساك بملفات هامة، إذ سيسمح بإرهاق الصين اقتصاديا عبر إعاقة صادراتها المتوجهة إلى المنطقة العربية وأوروبا ورفع تكاليفها، كما سيسمح باستعادة الدور بين إيران ودول الخليج وربما إحباط الاتفاق الذي رعته الصين، هذا بالإضافة إلى السيطرة عن قرب على ناقلات النفط العابرة من الخليج العربي نحو الشرق والغرب. ودائما مع الاحتفاظ بالتهديد بالحرب الشاملة التي يبدو أنها أصبحت خارج الخيارات الأميركية. 

font change

مقالات ذات صلة