أشهر كتّاب السيرة يغوص في عوالم إيلون ماسك المتناقضة

عبقري أم مجنون أم صورة أمينة عن عصره؟

AFP
AFP
أيلون ماسك

أشهر كتّاب السيرة يغوص في عوالم إيلون ماسك المتناقضة

عادت السيرة الغيرية لإيلون ماسك، الصادرة في سبتمبر/أيلول الماضي عن دار "سيمون شوستر"وصدرت ترجمتها إلى الإيطالية قبل أيام عن "دار موندادوري" في ميلانو، إلى الواجهة بعد اتهامه بمعاداة السامية وزيارته مستوطنات غلاف غزة برفقة نتنياهو. لكن ماسك أكد لاحقا، في لقاء تلفزيوني، أن تلك الزيارة لم تكن اعتذارية، وإذا كان هناك من يحاول ابتزازه من طريق الإعلانات، موجها حديثه بشكل خاص إلى بوب إيغر مدير شركة والت ديزني، فليذهب إلى الجحيم!

قبل ذلك، كان قد هاجم جورج سوروس، الملياردير الأميركي الذي ينحدر من عائلة يهودية هنغارية، ووعد بمقاضاة رابطة مكافحة التشهير، منتقدا بشدة المنظمات اليهودية التي استهدفته بحملات مكثفة بعد تغريدة على منصة "إكس" (تويتر سابقا) شارك فيها منشور يؤيد نظرية مؤامرة "معاداة السامية". خسر مالك "تسلا" و"سبيس إكس" على إثر ذلك 60٪ من الإعلانات على شبكته الاجتماعية بسبب "رسائل الكراهية التي تزدحم بها شبكته"، حسب المنظمات اليهودية الأميركية، والمنشورات المعادية لإسرائيل التي، على الرغم من تأكيدات "إكس" بأنها تعمل بجد لحظرها، تصاحب إعلانات شركات مثل "أمازون" و"إن بي سي" و"آي بي إم". في هذه الأثناء، قررت شركة "أبل" والاتحاد الأوروبي أيضا عدم الإعلان على منصته، في الوقت الذي أعلن فيه البيت الأبيض إدانته لخطوة ماسك لأنه "من غير المقبول أن تتكرّر الكذبة البغيضة التي بُني عليها أكثر أعمال معاداة السامية فتكا في التاريخ الأميركي".

مواجهة شاملة

الأمر يتعلق بمنشور لأحد المستخدمين يتهم فيه اليهود باستخدام جدلية الكراهية نفسها تجاه الآخرين، وكان رد ماسك: "لقد قلت الحقيقة تماما". وبهذا، بينما كان عدد متابعي هذا المستخدم لا يتجاوز خمسة آلاف شخص، وصل إلى 6 ملايين مشاهدة خلال يومين، بينما ذهب ماسك إلى أبعد من ذلك، معلنا المواجهة الشاملة مع رابطة مكافحة التشهير التي يعزو إليها خسارة الإعلانات على منصة "إكس". تعود بذلك نظرية المؤامرة الخاصة بالتغيير الديموغرافي الكبير المنتشرة بقوة بين المنادين بتفوّق العرق الأبيض، من أن المهاجرين الذين يدخلون الولايات المتحدة وأوروبا ليحلوا محل الغالبية البيضاء، يفعلون ذلك بتوجيه من المنظمات اليهودية.

  مع إيلون ماسك ينتقل كاتب السير إيزاكسون من قصة مبنية على بطل، إلى ما يسميه الأميركيون "الخصم السافل"

لم تنته مشاكل ماسك عند هذا الحد، ففي 18 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، انتهت رحلة المركبة الفضائية الثانية إلى شذرات متوهجة شبيهة بالألعاب النارية أثناء تحليقها فوق خليج المكسيك بعدما اكتشف نظام السلامة في المركبة خللا في تشغيلها فأمر بتدميرها فوق البحر لتجنب احتمال سقوطها فوق مناطق آهلة بالسكان. وهكذا تكرّرت الكارثة نفسها كما حدث في أبريل/نيسان الماضي عندما انفجرت المركبة الفضائية بعد أربع دقائق فقط من إقلاعها من قاعدة "بوكا تشيكا" في جنوب تكساس. ومع المركبة الفضائية، ينوي مؤسس شركة "تسلا" الذهاب إلى أبعد من ذلك بكثير من خلال الطيران إلى المريخ حيث يمكنه إنشاء مستوطنة دائمة هناك، لكن الطريق لا يزال طويلا.

كتب سيرة ماسك والتر إيزاكسون، وهو يعدّ أحد أفضل كتّاب السيرة الذاتية على الإطلاق، إنما تميّز هذه المرة بتغيير في النهج مقارنةً بأعماله السابقة. ومع أن الكثير يشهد لقدرته الاستثنائية في سرد قصص الشخصيات المؤثرة، مثل أينشتاين، أو كيسنجر الذي رحل منذ بضعة أيام، أو ستيف جوبز، أو ليوناردو دافنشي، إنما مع مالك "تسلا" و"سبيس إكس" ومنصة "إكس" للتواصل الاجتماعي، ينتقل إيزاكسون من قصة مبنية على بطل، إلى ما يسميه الأميركيون "الخصم السافل"، الشرير في الأفلام الذي لا يجلب سوى المتاعب. لكن قبل كل شيء، إنها سيرة ذاتية تتماشى مع عصرنا، فهي في الواقع تقدّم لنا أخبارا زائفة هائلة اضطر المؤلف إلى تصحيحها لاحقا.

سبر الأغوار

حتى الآن، لم تكن موهبة والتر إيزاكسون الرئيسة قدرته على تنظيم الكتلة المتنافرة للوجود الإنساني ضمن بنية درامية متماسكة، ولا بحثه المتعمق في المصادر، وهو من إرث السنوات التي قضاها في شبكة "سي إن إن"، ولا تلك الموهبة الفطرية لسرد القصص دون ملل، وهو أمر لا تجده لدى العديد من الروائيين الذين يجعلونك تتثاءب باستمرار. ما ميز السير الذاتية التي كتبها آيزاكسون، هو قدرته الفائقة على سبر أعماق هذه الشخصيات، إذ لم يتمكن أحد من وصفهم كما فعل هو، فذلك لأنه لم يكتف قط بالاحتفال بالماضي فحسب، بل حاول دائما أن يشرح للقراء سبب أهمية هذه الشخصية بالذات، من أجل حاضرهم ومستقبلهم. فقد استبعد في أعماله خطاب "العبقرية" وصيغ التفضيل المطلقة، وقام بغربلة أي هالة من العظمة لاستخلاص درس يفيد في فهم الحاضر ويكون بمثابة بوصلة للانطلاق نحو المستقبل.

وهكذا فإن ألبرت أينشتاين هو سيد التفكير النقدي، الذي يُعلِّم فن الشكّ  في عالم يدّعي فيه الجميع أن الحقيقة في جيوبهم؛ ومن ثم فإن هنري كيسنجر هو بطل السياسة الواقعية، مقارنة بسياسيي اليوم ذوي الموهبة المتواضعة، وستيف جوبز هو صاحب الرؤية الذي تصوَّر للمرة الأولى حاضرا يندمج فيه العلم والفن في الخوارزمية لتحسين الوجود الإنساني، وليوناردو دافنشي هو العبقري الذي لم يحسم أمره، والذي، مثل الإنسان المعاصر، يجد معنى وجوده في تردّده.

dpa
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس التنفيذي لشركة تيسلا إيلون ماسك يزوران كيبوتس كفر عزة في المنطقة الحدودية مع قطاع غزة.

أما مع إيلون ماسك، فيخال من قرأ كتب إيزاكسون السابقة أنه قد غيّر أسلوبه. في الحقيقة الأسلوب وكذلك التحليل المتعمق للمصادر، والاهتمام بالسياق، والعمل البحثي هو نفسه دائما، لكن يبدو أنه بعدما روى حياة مجموعة من الأبطال الخارقين، قرّر أن يخبرنا عن حياة فتى متهور. وإذا كان احتفى في الماضي بعبقرية تلك الشخصيات وعظمتها، فهو هنا يستخدم في المعنى المعاكس للتحذير من الخطر. فنرى في الكتاب صورة ماسك الذي اتخذ قراره بشراء "تويتر" بين عشية وضحاها، وماسك الذي يتحدّى بمفرده صناعة السيارات العالمية بأكملها من خلال المراهنة بكل شيء على الطاقة الكهربائية، وماسك الذي ينطلق لإنشاء أول مستوطنة مأهولة في المريخ. يُسرد كل من هذه المشاريع، بشكل أساسي، من وجهة نظر الأخطار، الأخطار الكامنة في حقيقة أن رجلا مثله، مغرورا إلى حد الثمالة، يتمكن بالفعل من الإنجاز. صحيح أن الشخصيات التي تعامل معها إيزاكسون في الماضي لم تكن معصومة تماما. كيسنجر على سبيل المثل، مؤلف العبارة الشهيرة، "أميركا الجنوبية حديقتنا"، التي اتخذ من خلالها وزير الخارجية الأميركي الأسبق المسؤولية السياسية عن بعض الشؤون الصغيرة، كما في الانقلاب الذي قام به بينوشيه في تشيلي، وأدّى إلى مقتل عشرات الآلاف من المواطنين المسالمين واختفائهم. لقد فعل إيلون ماسك الكثير من الأشياء، لكنه في الوقت الحالي لم يصدر الأمر بعد، أسوة بكيسنجر، بقتل رئيس منتخب ديموقراطيا لإقامة نظام فاشي على غرار ما فعل كيسنجر.

المقارنة الأبرز هي مع سيرة ستيف جوبز، ففي تعامل الكاتب المختلف مع هاتين الشخصيتين يكمن مفتاح التغيير الذي شهده المجتمع الأميركي في العقدين الماضيين

إيلون ماسك وستيف جوبز

المقارنة الأبرز هي مع سيرة ستيف جوبز، الكتاب الذي أفسح المجال لشهرة إيزاكسون وحوّله إلى كاتب عالمي، ففي تعامله المختلف مع هاتين الشخصيتين يكمن مفتاح التغيير الذي شهده المجتمع الأميركي في العقدين الماضيين. لقد اتهم جوبز بنقائص عدة، ولكن في سياق إيجابي شامل، أما ماسك فالعكس صحيح. هناك بالتأكيد بعض المزايا، لكنها تأتي في سياق شخصية مضطربة للغاية بحيث تبدو خبيثة ومضرة بالمجتمع. عند قراءة السيرة الذاتية لجوبز التي كتبها إيزاكسون عام 2011، نكتشف أن جوبز استغل عمل ستيف وزناك، واستولى على اختراعات مثل الفأرة وسطح المكتب مع أيقونات من شركات صغيرة لتكنولوجيا المعلومات، حتى أنه سرق من ستيوارت براند مقولة "ابق جائعا، ابق أحمق"، وقاد الشركة إلى حافة الهاوية قبل أن يطرد، في إعادة صياغة لعبارة بلزاك الشهيرة: "في أميركا كل ثروة عظيمة مبنية على سرقة كبرى".

مع ذلك، عند قراءة سيرة ماسك الذاتية، نتعرف الى قصة رجل لديه طموحات هائلة تتجاوز الجنون، حيث يضع نفسه دائما على المحك، ومع ذلك، فإن الكتاب عبارة عن بحث عن كنز ذي جوانب غامضة، يغص بالتفاصيل المرضية والهوس والانحرافات وخرق القواعد السائدة. الصورة التي ترتسم بعد قراءة الكتاب هي صورة طفل مدلل، يعتبر العالم غرفة نومه ليلعب فيها. لقد كان هناك الكثير من الحديث، في الأخبار التي استبقتها الصحافة، حول حقيقة أن كلمات ماسك المفضلة هي السيطرة، وعدم الحساسية، والإلحاح، وحب الدراما، وقلة التعاطف. باختصار، الأحمق المثالي. ولكن ألا يمكن قول الشيء نفسه عن أكثر من ملياردير؟ هل هناك أمثلة لأشخاص جمعوا ثروات هائلة وكان شعارهم "أحبب جارك كما تحب نفسك"؟

AFP

في أواخر تسعينات القرن الماضي، صدّرت أميركا أسطورة وادي السيليكون إلى العالم. وكان الصحافي دون هوفلر قد صاغ هذا الاسم في عام 1972 للإشارة إلى الجزء الجنوبي من منطقة خليج سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا، التي تضم الآن كبرى شركات تكنولوجيا المعلوماتية، مثل "فيسبوك" و"غوغل" و"أبل". كانت تلك هي السنوات التي كان فيها عدد قليل من الشركات الناشئة المتمركزة في هذا الشريط من الأرض يستعد لتغيير حياة المليارات من الأفراد إلى الأبد، مما يضمن أرباحا لم يسبق لها مثيل من قبل للمستثمرين. لا شيء يعمل بشكل أفضل من قصة مكتوبة جيدا لنشر فكرة، وقد فعلت قصة حياة جوبز التي رواها إيزاكسون، فعلها، وأصبح الناس يشعرون، بعد قراءة سيرته الذاتية أو مشاهدة الفيلم الذي يروي قصة حياته، أن لديهم صديقا لطالما التقوه في أحد المقاهي وهو يحدثهم عن خطط العمل والمشاريع شبه الخيالية والاهتمام المهووس بالتفاصيل.

اليوم، نتائج هذا النموذج موجودة تحت أعين الجميع: الأخبار الزائفة، والشعبوية، واستئجار البيوت عن بعد لفترات قصيرة، التي دمرت النسيج الاجتماعي لمدن بأكملها، وخدمات توصيل الأطعمة إلى المنازل والمكاتب، يقوم بها الآلاف من المهاجرين الأفارقة، التي أعادت بشكل ما مفهوم العبودية بعد قرن ونصف قرن من الزمان. لكن لا أحد يسأل عن هذا، ففي هذه الأثناء وصل النموذج التالي: إيلون ماسك. وإذا كان الحديث يدور في السابق حول الشركات الناشئة، فإنه يتركز اليوم حول مجتمع العلامات التجارية الذي يستهوي مكاتب التسويق كثيرا لأنه يبسّط حياتهم من خلال استهداف المنتجات بشكل أفضل. في هذا السياق، تعتبر السيرة الذاتية التي كتبها إيزاكسون عن إيلون ماسك حالة ممتازة لاغتيال الشخصية.

 أصبح ماسك رجلا قويا وهشا في الوقت نفسه، وعرضة لتقلبات مزاجية مفاجئة، مع ميل كبير إلى المخاطرة وإحساس ملحمي بالمهام التي يتولاها وينفذها بحمية جنونية 

أخبار زائفة

من جهة أخرى، يقدّم إيزاكسون للمرة الأولى، أخبارا زائفة متتابعة، عندما يقول في الكتاب إن إيلون ماسك منع استخدام "ستارلينك" أثناء هجوم بطائرات بدون طيار أوكرانية ضد الأسطول الروسي. كان من الممكن أن يكون خبرا مثيرا، إلا أنه من المؤسف كان كاذبا وكان على المؤلف أن يحاول تصحيحه، ولم يكن هذا بالضبط ما يمكن أن يتوقعه المرء من أعظم مؤلفي السير الذاتية."ستارلينك" هي خدمة إنترنت عبر الأقمار الصناعية تقدمها شركة "سبيس إكس"، وتستخدم لهذا الغرض كوكبة من الأقمار الصناعية المصغرة التي تُطلق في مدار أرضي منخفض لتوفير اتصالات إنترنت عالية السرعة حول العالم. وكان نتنياهو والملياردير الجنوب أفريقي توصّلا إلى اتفاق يشترط لاستخدام نظام "ستارلينك" في الأراضي الفلسطينية-الإسرائيلية، بما في ذلك قطاع غزة، الحصول على إذن مسبق من تل أبيب، كما أعلن وزير الاتصالات الإسرائيلي شلومو كارخي بتغريدة على موقع "إكس" نشرها صباح يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني.

REUTERS
أيلون ماسك

عندما كان إيلون ماسك صبيا في جنوب أفريقيا، كان يتعرض للضرب بانتظام على أيدي المتنمرين. وفي أحد الأيام، دفعته مجموعة إلى أسفل سلم خرساني في حديقة ألعاب وأشبعته ضربا حتى انتفخ وجهه مثل البالون. بقي إيلون في المستشفى لمدة أسبوع. لكن الندوب الجسدية لم تكن قابلة للمقارنة مع الندوب العاطفية التي أحدثها والده في ما بعد، وهو مهندس لا يؤتمن له جانب، مع أنه ذو شخصية جذابة، التي سيستمر تأثيرها لفترة طويلة. لقد أصبح ماسك رجلا قويا وهشا في الوقت نفسه، وعرضة لتقلبات مزاجية مفاجئة، مع ميل كبير للمخاطرة وإحساس ملحمي بالمهام التي يتولاها وينفذها بحمية جنونية، ومدمرة في بعض الأحيان.

في أوائل عام 2022، بعد عام تميّز بإطلاق شركته "سبيس إكس" واحدا وثلاثين صاروخا في المدار، وبيع من "تسلا" ما يناهز مليون سيارة، وصعوده كأغنى رجل على وجه الأرض، تحدث ماسك بمرارة عن ولعه بإثارة الدراما، قائلا: "أحتاج إلى إبعاد عقلي من وضع الأزمة الذي كنت فيه منذ نحو أربعة عشر عاما، أو ربما معظم حياتي". لقد كان تعليقا حزينا، لا يوحي بقصة نجاح آخر على صعيد الأعمال. على مر السنين، كلما وجد نفسه في لحظة قاتمة، كان يعود إلى أهوال التعرض للتنمر في حديقة الألعاب. في النهاية، يُذكر أن إيزاكسون، قبل أن يبدأ بكتابة السيرة الغيرية، تابع ماسك عن قرب، وحضر اجتماعاته، ورافقه إلى شركاته، وأمضى ساعات في إجراء مقابلات معه ومع عائلته وأصدقائه وزملائه وخصومه. والنتيجة هي قصة حميمة، مليئة بحكايات غير عادية عن الانتصارات والاضطرابات، وتجعل المرء يتساءل: هل الشياطين التي تدفع ماسك هي ما نحتاج إليه فعلا لدفع عجلة الابتكار والتقدم؟

font change

مقالات ذات صلة