كانت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، مختلفة عن كل الزيارات السابقة. لم تكن زيارة عابرة، ولا استئنافا لمسار معلّق منذ سبع سنوات، بل كانت عملية إعادة صياغة وتجديدا لشراكة عمرها ثمانية عقود. لم تعد المعادلات التقليدية للتحالف كافية، ولا بنوده تعكس الطموحات، ولا فقراته تواكب التغيرات.
"الشراكة الجديدة بين السعودية وأميركا"، عنوان قصة غلاف "المجلة" لشهر ديسمبر/كانون الأول، حيث نتناول جميع جوانب العلاقات بعد زيارة ولي العهد لواشنطن والاتفاقات والمذكرات بين البلدين.
منذ اللحظة الأولى، بدا أن الزيارة تحمل وزنا خاصا. الاستقبال في البيت الأبيض لم يكن بروتوكولياً، ولم يكن المشهد في "مركز كنيدي" عاديا. كان واضحا أن الرئيس الأميركي أراد إبراز خصوصية العلاقة مع ولي العهد والمملكة. علاقة بُنيت عبر سنوات، وامتحنتها تطورات في المنطقة والعالم، لكنها عادت هذا العام لتظهر على نحو أوضح بزيارة دونالد ترمب الرياض منتصف العام، وزيارة الأمير محمد بن سلمان واشنطن في نوفمبر.
أراد ترمب أن يؤكد أن السعودية شريك سياسي واقتصادي واستراتيجي لها معاملة مختلفة. والرياض قرأت الرسالة بدقة، لكنها بقيت متمسكة بمبدأ أن العلاقات المستدامة تُبنى بالمؤسسات والاتفاقات والمذكرات والتشريعات. الرسالة السعودية الأساسية كانت واضحة. تريد اتفاقا دفاعيا ملزما. لذلك تناول النقاش بين الجانبين تفاصيل الصفقات والأسلحة وتعميق التعاون نفسه: كيف يُصمَّم تحالف يصمد؟ وكيف تجدد الشراكة؟ برفع مستوى العلاقة الدفاعية وتوقيع اتفاق استراتيجي وتنويع بنود العلاقة وتحديثها.
وفي قلب هذا النقاش ظهر عنصر جديد، هو شبكة المصالح. السعودية استخدمت أدواتها الاقتصادية بمهارة. تريليون دولار ليست رقما يعلن في مؤتمر صحافي، بل هندسة نفوذ تُترجِم مصالح مشتركة، عبر استثمارات في قطاعات استراتيجية وولايات تؤثر في أصوات مجلس الشيوخ، ما يعزز صيغة الشراكة ويجددها.
السعودية تريد علاقة تُبنى على المؤسسات، وتدار بالمصالح، وتستمر. وترمب يريد إنجازا تاريخيا وشراكة ممتدة. وفي تلاقي هاتين الرغبتين، تبلورت الصيغة الجديدة للتحالف
اقتصادياً وتكنولوجياً، بدت السعودية عازمة على تثبيت موقعها في قلب الثورة الصناعية المقبلة، الذكاء الاصطناعي، مراكز البيانات، المعادن الحرجة. تحالفاتها الجديدة مع كبريات الشركات، لم تكن خطوات تقنية فحسب، بل إعلان انتقالها من دولة منتجة للنفط إلى دولة تمتلك أدوات المستقبل، من أنابيب الطاقة إلى خطوط الخوارزميات، "من مصفاة النفط إلى مصفاة الذكاء الاصطناعي"، كما قال جنسن هوانغ الرئيس التنفيذي لـ"إنفيديا" في المنتدى الاقتصادي. بالتالي، فإن أي شراكة يجب أن ترى هذا التحول وتتعامل معه بوصفه حقيقة استراتيجية.
وكما حضرت التكنولوجيا، حضر الإقليم بقوة. كان التأكيد السعودي حاسما: أي مسار نحو الانضمام إلى "الاتفاقات الإبراهيمية" يتطلّب العمل على "حل الدولتين". ليس موقفا تكتيكيا ولا ورقة تفاوضية، بل جزء من رؤية المملكة لدورها الإقليمي ولمستقبل المنطقة واستقرارها. وقد ساعد هذا الموقف واشنطن على فهم طبيعة المقاربة السعودية.
وكان السودان مفاجأة الزيارة. قدمت الرياض رؤية لكيفية وقف الحرب، مستندة إلى خبرة تراكمت عبر السنوات. تغيُّرُ الموقف الأميركي خلال دقائق عكس حجم ثقة ترمب بالدور السعودي، كما أعاد إلى الأذهان تحول موقف ترمب من الملف السوري. في الحالتين، ظهرت السعودية كمرجع سياسي، لا مجرد لاعب مهم.
بين الأمن والاقتصاد والإقليم، ظهر جوهر الزيارة. السعودية تريد علاقة تُبنى على المؤسسات، وتدار بالمصالح، وتستمر بعد تغيّر الرؤساء. وترمب يريد إنجازا تاريخيا وشراكة ممتدة. وفي تلاقي هاتين الرغبتين، تبلورت الصيغة الجديدة للتحالف.
السعودية تذهب إلى المستقبل بثقة أكبر، وبنفوذ أوسع، وبقدرة أعلى على صياغة شكل الشراكة، لا مجرد التكيّف معها
النتائج المباشرة مهمة، لكن الأهم هو الاتجاه العام. العلاقة السعودية-الأميركية تنتقل من شكلها القديم إلى صيغة أكثر اتساعا وتعقيدا، وأكثر ارتباطا بمستقبل التكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد. صيغة تُقارب الإقليم من بوابة الاستقرار، وواشنطن من بوابة التشريع، والعالم من بوابة الذكاء الاصطناعي.
ما حدث في واشنطن ليس نهاية مسار، بل تصاعده. المعاهدة الدفاعية تنتظر اختبار مجلس الشيوخ، ومسار السلام الإقليمي مرتبط بملف فلسطين، والاقتصاد والتكنولوجيا يفتحان مساحات جديدة تحتاج إلى خطوات إضافية. لكن الاتجاه بات واضحا، التحالف الذي تأسس بـ"اتفاق كوينسي" بين الملك عبدالعزيز والرئيس فرانكلين روزفلت عام 1945، يعاد بناؤه وفق شروط القرن الحادي والعشرين ومفاتيحه.
السعودية تذهب إلى المستقبل بثقة أكبر، وبنفوذ أوسع، وبقدرة أعلى على صياغة شكل الشراكة، لا مجرد التكيّف معها.