تطلعات ترمب لـ"نوبل" تتلاشى مع انهيار "اتفاقات السلام الورقية"

المعالجات السطحية، قصيرة الأجل لصراعات تاريخية عميقة الجذور، لا يمكن أن تصمد مع الزمن

رويترز
رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يقف أمام لافتة في قمة قادة العالم لإنهاء حرب غزة، في شرم الشيخ، مصر، 13 أكتوبر 2025

تطلعات ترمب لـ"نوبل" تتلاشى مع انهيار "اتفاقات السلام الورقية"

بدأت جميع اتفاقيات السلام الثماني، التي أعلن الرئيس دونالد ترمب من مقعده في البيت الأبيض، أن له الفضل في إبرامها، في التهاوي الواحدة تلو الأخرى، كما لو كانت قلاعا شيدت من رمال. فمن اتفاق إسرائيل و"حماس" على وقف الحرب في غزة، إلى النزاع المسلح بين تايلاند وكمبوديا، والحرب بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، وإسرائيل وإيران، عادت الصراعات إلى الاشتعال من جديد، ولم يمر على أبعدها أكثر من ستة أشهر. وطالما كرر ترمب الذي يطلق على نفسه "صانع السلام" مزاعم بأنه هو الذي توسط في التوصل إلى سلام بين الهند وباكستان، وفي تثبيت السلام بين أرمينيا وأذربيجان، وصربيا وكوسوفو، وفي التحضير للوساطة بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة.

بيد أن الاتفاقيات التي أعلنها أمام أطرافها، في مشاهد بدا فيها التركيز على اللقطة، أكثر من الرغبة في الغوص في جذور هذه الصراعات القديمة في أغلبها، كانت بالهشاشة التي حالت دون صمودها لأكثر من عدة أشهر. وحينما أعلنها ترمب، لوح بأوراق ضغط تمثلت في التهديد، بفرض عقوبات اقتصادية على من يرفض الإذعان، كما لو كانت صفقات تجارية. ولم ينس ترمب أن يستفيد من مساعيه، لإطفاء نار هذه الصراعات بالخروج بمكاسب تمثلت في حالة الكونغو ورواندا، في امتيازات لاستغلال الثروات المعدنية النادرة لكلتيهما، كي يقطع الطريق على تغلغل النفوذ الصيني هناك. وربما استطاع بالفعل تعليق أو تخفيف حدة هذه الصراعات لبعض الوقت، بيد أن منهجه إلى ذلك، لا يفضي إلى تسوية مستدامة أو سلام دائم. فالمصافحات بين قادة هذه الدول المتصارعة أو ممثليها أمام الكاميرات، لا تبدد المشاعر الدفينة، ولا تمحو الإحن القديمة، ولا تعالج الأزمات جذريا. كما أن الأسلوب الذي اتبعه لا ينم عن فهم عميق لهذه الصراعات المعقدة التي تظل نيرانها متأججة تحت الرماد، ما استمرت أسبابها التي تمتد امتداد الحدود المتنازع عليها بين كمبوديا وتايلاند، والصراعات الإثنية بين رواندا والكونغو الديمقراطية، والحروب العقائدية بين إسرائيل والعرب وإيران، والتوتر بسبب الموارد بين مصر وإثيوبيا، والصراع على الأرض بين أرمينيا وأذربيجان، أو على الأقاليم كالهند وباكستان، والنزاعات الدموية بين الصرب والبوسنة والهرسك.

كما عمد ترمب إلى الانفراد بالمشهد متجاهلا المنظمات الدولية المعنية، بتسوية النزاعات، وحفظ السلام، وتوثيق المعاهدات ومراقبة الالتزام بها، متبنيا نهج توقيع العقود أو تمهير الصفقات.

أعلن ترمب في يونيو توسطه في إبرام اتفاق سلام بين رواندا والكونغو الديمقراطية، ليضع نهاية لحرب دموية عنيفة دارت رحاها لعقود من الزمن

أفريقياً، كان ترمب قد أعلن في يونيو/حزيران توسطه في إبرام اتفاق سلام بين رواندا والكونغو الديمقراطية، ليضع نهاية لحرب دموية عنيفة دارت رحاها لعقود من الزمن، وشهدت عمليات إبادة واسعة راح ضحيتها مئات الآلاف من البشر، منهم أكثر من مليون على الجانب الكونغولي، وتشريد أكثر من سبعة ملايين شخص. وفي الأسبوع الأول من ديسمبر/كانون الأول الجاري، حضر رئيسا البلدين إلى البيت الأبيض، حيث وقعا على اتفاق سلام دون مصافحة، أو حتى النظر في أعين بعضهما البعض. وفيما اعتبره ترمب يوما عظيما للقارة الأفريقية، علق متهكما عن مدى "حب كل منهما للآخر"، ونعى في تدوينة على منصته "تروث سوشيال" بهذه المناسبة بخسه حقه في الحصول على "جائزة نوبل".

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يتصافحان في البيت الأبيض في واشنطن، الولايات المتحدة، 13 فبراير 2025

 وتضمن الاتفاق منح الشركات الأميركية معاملة تفضيلية في استغلال المعادن الثمينة في الكونغو. وما هي إلا أيام قليلة بعد هذا التوقيع حتى اتهمت الكونغو الديمقراطية رواندا، بخرق الاتفاق بعد أن استولت عناصر من حركة "23 مارس" المتمردة المدعومة من رواندا، على بلدة لوفونجي القريبة من الحدود الرواندية، وفجرت قنبلة شرقي الكونغو، ما أدى إلى مقتل أكثر من 30 شخصا وإصابة عشرين آخرين.

وتنكر رواندا دعمها لهذه الحركة التي تعادي الحكومة الكونغولية، والتي كانت وراء تشريد الملايين، وارتكاب الكثير من عمليات القتل الجماعي والاغتصاب. وتزعم هذه الحركة، أنها تعمل على حماية قبائل التوتسي، وتقوم باستغلال الثروات المعدنية في إقليم كيفو الغني شمالي البلاد.

وليس تمرد حركة "23 مارس" سوى حلقة في مسلسل الصراع، الذي مزق الكونغو لعقود بعد مذابح الإبادة التي ارتكبتها رواندا عام 1994. وهدد ترمب بفرض عقوبات صارمة، وقيود مالية على أي طرف ينتهك الاتفاق. لكن يبدو أن القوى اللاعبة في الكونغو ورواندا أقوى من العقوبات التي لوح بها ترمب، ومن ثم لا يبدو أن هذا الاتفاق سيصمد أمام نزعات الدم العاتية.

آسيوياً، خلفت المواجهات التي اندلعت في يوليو/تموز الماضي بين تايلاند وكمبوديا، على طول الحدود الممتدة لمسافة 800 كيلومتر عشرات القتلى من الجانبين. يعود هذا الصراع في أصوله، إلى النزاع حول الحدود التي رسمها الاستعمار بين البلدين، منذ مطلع القرن العشرين. وكشف ترمب أنه اتصل بزعيمي البلدين في الرابع من يوليو الماضي، وهو في طريقه لاسكتلندا. ووقع زعيما البلدين في ماليزيا اتفاق وقف إطلاق النار في 28 من الشهر نفسه. وبعدها أرسلت كمبوديا خطابا إلى لجنة "نوبل للسلام" في النرويج ترشح فيه ترمب للجائزة.

لكن ما لبثت التوترات أن تأججت من جديد، وتحولت إلى مواجهات عسكرية، أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات على الجانبين، وسط مخاوف من اتساع نطاقها وتحولها إلى حرب شاملة. ولا يعرف بعد ما إذا كان بوسع ترمب، استخدام أدواته المعتادة لإعادة الجانبين إلى جادة الصواب. فإخفاقه في ذلك لن يعني فقط فرض رسوم جمركية باهظة على صادراتهما إلى الولايات المتحدة، بل أيضا زيادة كلفة المعيشة على المواطن الأميركي الذي يستهلك هذه المنتجات.

حتى عندما وصل ترمب إلى ماليزيا في أكتوبر/تشرين الأول الماضي للإعلان عن الاتفاق في حضور زعيمي البلدين، كان كلاهما يتبادلان الاتهامات بالاستفزاز، فيما ترفض تايلاند إطلاق سراح 18 أسيرا كمبودياً حتى يتم الوفاء بشروطها. وتتخذ تايلاند هذه المرة موقفا متشددا، إذ ترى أن الثمن السياسي الذي سيدفعه نظامها يفوق بكثير قيمة الخسائر التجارية، التي قد تتكبدها نتيجة هذا الاتفاق، لاسيما مع اقتراب الانتخابات التي ستجرى في العام القادم. ورغم تفوق الجانب التايلاندي عسكريا، ترفض كمبوديا التسليم بمطالب بانكوك، ومن بينها تسليمها الكثير من النقاط الحدودية والمرتفعات الاستراتيجية المتنازع عليها بينهما، والتوقف عن زرع الألغام على الحدود، والتي أدت إلى بتر أعضاء أكثر من ثمانية جنود تايلانديين. حتى لو نجح ترمب مرة أخرى في إجبار الجانبين على الجلوس إلى طاولة التفاوض، فإن أقصى ما يمكن أن يبلغه، هو وقف إطلاق نار مؤقت، قد لا يصمد حتى نهاية ولايته، ما بقيت الأسباب الرئيسة للنزاع.

لا شك في أن تدخل ترمب وضغوطه على إسرائيل، قد أدى في النهاية لوقف الهجمات الشرسة والواسعة على قطاع غزة، ولكن بعد أن سوت إسرائيل أكثر من 70 في المئة منه بالأرض، وقتلت أكثر من 70 ألف فلسطيني

ترمب والسلام في الشرق الأوسط

وفي الشرق الأوسط، لا شك في أن تدخل ترمب وضغوطه على إسرائيل، قد أدى في النهاية لوقف الهجمات الشرسة والواسعة على قطاع غزة، ولكن بعد أن سوت إسرائيل أكثر من 70 في المئة منه بالأرض، وقتلت أكثر من 70 ألف فلسطيني. وحتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي ضغط ترمب من أجل موافقة إسرائيل و"حماس" عليه، لا تزال إسرائيل تنتهك الاتفاق يوميا، وتمنع الكثير من قوافل المساعدات المتفق عليها من المرور إلى القطاع، وتستهدف المدنيين هناك، فضلا عن الاستمرار في مصادرة الأراضي، والأملاك الفلسطينية في الضفة الغربية، وإطلاق قطعان المستوطنين على الفلسطينيين. ولا زال الوضع هلاميا من حيث مستقبل القطاع، ومصير "حماس" وسلطة وتركيبة قوة الأمن الدولية المقترحة، والسلطة التي ستحكم القطاع، وهي قضايا مجردة من أي توافق بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني.

رويترز
مصافحة بين الرئيسين ترمب وبوتين أثناء لقائهما لبحث إنهاء الحرب في أوكرانيا، ألاسكا، الولايات المتحدة، 15 أغسطس

كما يظل التوتر بين طهران وإسرائيل، على شفا الانفجار حتى بعد موافقة الجانبين على وقف الضربات المتبادلة في أعقاب تدخل ترمب بالضغط عليهما، عقب تدميره للمنشآت النووية الإيرانية. فإيران تصر على حقها في مواصلة تخصيب اليورانيوم، وإسرائيل تهدد باستنئاف الضربات ضدها، بينما لم تشأ إدارة ترمب إحياء الاتفاق النووي الذي انسحب منه ترمب، مما يهدد باشتعال الموقف في أي لحظة مجددا.

وتباهى ترمب بنجاحه في منع تفاقم الصراع المسلح الذي اندلع بين الهند وباكستان في مايو/أيار الماضي في أعقاب هجوم إرهابي، أودى بحياة عدد من السياح في كشمير المتنازع عليها بين البلدين، وألقت نيودلهي باللوم فيه على حكومة إسلام آباد. وقال ترمب إنه هدد بقطع العلاقات التجارية مع البلدين، لوقف الحرب بينهما في العاشر من مايو. ورغم نفي الهند لهذه الضغوط، فإن وقف إطلاق النار لم يتطرق إلى جذور الصراع بين البلدين اللذين خاضا ثلاث حروب طويلة بعد استقلالهما عن بريطانيا، نهاية النصف الأول من القرن العشرين.

كما وعد ترمب بتسوية النزاعات بين مصر وإثيوبيا حول مياه النيل، بعد أن دشنت الأخيرة سد النهضة رغم اعتراض القاهرة والسودان. ووعد أيضا بإعادة تهدئة التوترات بين صربيا والبوسنة، بعد أن زعم أنه تمكن من تحقيق السلام بينهما في ولايته الأولى.

هذه المعالجات السطحية، قصيرة الأجل لصراعات تاريخية عميقة الجذور، لا يمكن أن تصمد مع الزمن، لاسيما وأن الكثير من أنظمة هذه الدول المتصارعة، تعزز بقاءها في السلطة بتكريس هذه الصراعات

أما فيما يتعلق بالحرب التي لا زالت دائرة بين روسيا وأوكرانيا منذ أربع سنوات، فقد أخفق ترمب في الوفاء بوعده الانتخابي بإيقافها في اليوم الأول من ولايته الثانية. واعترف لاحقا بأنه "لم يتوقع أن يكون الصراع بهذا القدر من التعقيد". ويحرص ترمب على اقتحام المشهد، وتسريع إيقاعه حتى يتمكن من اقتناص درة التاج في قائمة اتفاقيات السلام المزعومة، بالضغط على أوكرانيا من أجل الرضوخ لمطالب روسيا، والموافقة على سلسلة من الشروط، أبرزها التنازل عن جانب كبير من الأراضي، التي احتلتها موسكو منذ استيلائها على جزيرة القرم عام 2014، مقابل منحها ضمانات أمنية أميركية، وهي شروط يرى الأوروبيون أنها تحابي موسكو، وتقوض استقرار المنطقة.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإلقاء كلمة خلال فعالية إعلانية تجارية بعنوان "استعادة ثراء أميركا" في حديقة الورود بالبيت الأبيض، في 2 أبريل 2025، بواشنطن العاصمة

وفي الثامن من أغسطس/آب، أحضر ترمب كلا من الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان لتوقيع اتفاق سلام شامل يكلل تفاهمات السلام التي توسطت فيها روسيا في أعقاب الحرب التي انتهت باستعادة أذربيجان لإقليم ناغورنو كاراباخ، من قبضة أرمينيا بالكامل عام 2023. وحاول ترمب انتزاع راية النفوذ من موسكو، بل وحصل على امتياز تطوير واستغلال المنطقة الحدودية بين البلدين لمدة 99 عاما، يشقها طريق دولي أطلق عليه اسم "ممر ترمب الدولي للسلام والرخاء" إلا أن بعض المحللين في أرمينيا يعتبرون الاتفاق بمثابة إقرار بحقوق أذربيجان، وإضفاء الشرعية على ما يصفونه بالعدوان الأذري، في الوقت الذي تشكك الأخيرة في صدق نوايا أرمينيا، ورغبتها في المضي قدما في الالتزام بهذا الاتفاق. كما يرى مراقبون أن تحمس الرئيس الأذري للاتفاق، وإلباسه ترمب عباءة صانع السلام، يرمي إلى تلميع صورته في الداخل، فيما يظل السلام الحقيقي بعيد المنال.

هذه المعالجات السطحية، قصيرة الأجل لصراعات تاريخية عميقة الجذور، لا يمكن أن تصمد مع الزمن، لاسيما وأن الكثير من أنظمة هذه الدول المتصارعة، تعزز بقاءها في السلطة بتكريس هذه الصراعات، أو ربما تتعمد اختلاقها إذا لم توجد، إما لتشتيت الداخل عن فشلها في التصدي للأزمات المحلية، وإما لتوحيد الصف عندما يتفرق الجمع، وينقسم على أداء هذه الحكومات. علاوة على أن اندفاع الرئيس الأميركي، المتشوق إلى إدراج اتفاقيات سلام، كتبت بمداد باهت في صحيفة إنجازاته التي يضغط على العالم للتوقيع عليها رغما عنه، لا يمكن أن يضمن له الغاية المنشودة المتمثلة في الحصول على "نوبل للسلام".

font change