مصر تدخل 2026 تحت تحديات إقليمية

على مجرى النيل، مضت إثيوبيا في تدشين سد النهضة الكبير دون اتفاق ملزم بشأن تشغيله، ما أثار مخاوف عميقة على أمن المياه في دول المصب

أ.ف.ب
أ.ف.ب
جنود على الجانب المصري من معبر رفح الحدودي مع غزة في رفح، 18 أغسطس 2025

مصر تدخل 2026 تحت تحديات إقليمية

في عام 2025، وجدت مصر نفسها عند تقاطع صراعات آخذة في التصاعد وتحولات متسارعة في خرائط التحالفات في المنطقة، ما وضع صلابتها الاستراتيجية أمام اختبار غير مسبوق، وكان عليها أن تشق طريقها وسط مشهد إقليمي مضطرب.

إلى الشمال الشرقي، أرخت حرب غزة بثقلها على حدود القاهرة، فأضافت أعباء اقتصادية هائلة، ورفعت منسوب المخاطر الأمنية، وراكمت ضغوطا دبلوماسية متزايدة. مع ذلك، برزت مصر وسيطا لا غنى عنه، ولعبت دورا محوريا في التوصل إلى وقف إطلاق نار منح الفلسطينيين هدنة مؤقتة من آلة الدمار وسفك الدماء.

ومن الجنوب، دفع احتدام الحرب الأهلية في السودان موجات من اللاجئين والفوضى نحو مصر، محولا عمقها الجنوبي إلى ساحة توترات تتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية. وتزامن ذلك مع تقارير عن تجدد المساعي الروسية لإقامة قاعدة بحرية في بورتسودان، ومع تقدم "قوات الدعم السريع" مدعومة بتدفقات سلاح قادمة من الخارج.

وعلى مجرى النيل، مضت إثيوبيا في تدشين سد النهضة الكبير دون اتفاق ملزم بشأن تشغيله، ما أثار مخاوف عميقة على أمن المياه في دول المصب، ورسخ سابقة قد تشجع مشاريع أحادية في حوض النيل.

في عام 2026، تلوح معركة تثبيت غزة بوصفها أرضا فلسطينية، ومنع تهجير سكانها الذين يربو عددهم على مليوني نسمة، كاختبار مفصلي قد يعيد رسم التحالفات الإقليمية ويضع الإرادة المصرية أمام امتحان قاس

ولكن على الرغم من هذا المشهد المليء بالتحديات، حققت القاهرة اختراقا دبلوماسيا لافتا عبر طي صفحة قطيعة استمرت عقدا مع أنقرة، مما فتح أبوابا أوسع للتجارة والاستثمار، وبناء شراكات في مجالات منها التصنيع العسكري، مع تقارب في ملفات غزة والسودان والقرن الأفريقي.

ومع ذلك، سيواجه هذا التقارب اختبارات جديدة في عام 2026. لقد صاغت هذه الأزمات المتشابكة، وما حملته أيضا من فرص، ملامح السياسة الخارجية المصرية في عام 2025، وتَعِد بأن تفعل ذلك بقدر أكبر من الحسم في العام المقبل.

مفترق حاسم

في عام 2026، تلوح معركة تثبيت غزة بوصفها أرضا فلسطينية، ومنع تهجير سكانها الذين يربو عددهم على مليوني نسمة، كاختبار مفصلي قد يعيد رسم التحالفات الإقليمية ويضع الإرادة المصرية أمام امتحان قاس.

أ.ف.ب
شاحنات وآليات ثقيلة تصطف على الجانب المصري من معبر رفح الحدودي مع قطاع غزة في 26 أكتوبر 2025

وبعد أكثر من شهرين على وقف إطلاق النار، ظل المسار متجمدا عند مرحلته الأولى. فعلى الرغم من وفاء حركة "حماس" بالتزامات جوهرية، شملت إطلاق سراح جميع الرهائن الأحياء وتسليم جثامين معظم القتلى، إلا واحدا ظل مفقودا، لا يزال الاتفاق يفتقر إلى الزخم اللازم للانتقال إلى مراحله التالية. وتواصل إسرائيل محاولاتها لإضعافه، فيما ترفض "حماس" نزع سلاحها، لتبقى الهدنة معلقة على خيط رفيع.

وفي واشنطن، تتبلور خلف الأبواب المغلقة رؤية جديدة تحمل اسم "مشروع شروق"، تُقدَّر كلفته بـ112 مليار دولار على مدى عقدين، ويقودها مستشارا الرئيس الأميركي ترمب المقربان جاريد كوشنر وستيف ويتكوف.

ويعيد المشروع إحياء فكرة "ريفييرا الشرق الأوسط" التي كان ترمب قد طرحها في فبراير/شباط 2025، وتصور فيها تحويل غزة المدمرة إلى مدينة عصرية متلألئة، تحتضن منتجعات فاخرة على الشاطئ وأبراجا شاهقة وقطارات فائقة السرعة وشبكات ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي وتطويرات ساحلية بديعة. لكن ما يغيب عن هذا المخطط الطموح هو عدم وجود أي تصور واضح لمصير سكان غزة المهجرين، المحشورين اليوم في أقل من نصف أراضيهم بين الركام والمعاناة.

بالنسبة لمصر، لم يكن المشهد السوداني بعيدا، ففوضى السودان تتسرب مباشرة إلى أمنها القومي، إذ يرتبط مصير الجار الجنوبي بحدود مشتركة وتاريخ واحد ونهر النيل الذي يهب الحياة

ويتقاطع المقترح مع الرؤية الإسرائيلية التي تدعو إلى حصر السكان في مناطق الجنوب قرب الحدود المصرية، وإخلاء الشمال والساحل لإعادة التطوير، بما يخدم المستثمرين الدوليين والمصالح الإسرائيلية أكثر مما يخدم الفلسطينيين.

هذا التركيز على جنوب غزة يثير قلقا بالغا في القاهرة، وسط اعتقاد بأنه قد يجعل النزوح الجماعي إلى سيناء أمرا شبه محتوم، وهو سيناريو رفضته مصر مرارا خلال العامين الماضيين. وقد صيغ المشروع جزئيا ليطغى على مبادرة مصرية أكثر تواضعا لإعادة الإعمار، تقدر كلفتها بـ53 مليار دولار على مدى خمس سنوات، وتلتزم صراحة بإبقاء سكان غزة في أرضهم.

وهكذا، يسرّع "مشروع شروق" لحظة المواجهة، حيث يصطدم الموقف المصري الراسخ ضد التهجير مباشرة بالتوجهات الأميركية والإسرائيلية لإخلاء الأرض وإعادة تطويرها. ويرجح أن تؤثر هذه المواجهة عالية المخاطر بعمق في علاقات القاهرة مع واشنطن وتل أبيب طوال عام 2026 وربما أبعد منه، مما قد يدفع مصر إلى اتخاذ خطوات أكثر صرامة، مثل تعزيز الانتشار العسكري والأمني في سيناء لحماية حدودها ومبادئها.

ظلال من الجنوب

انزلقت الحرب الأهلية في السودان عام 2025 إلى منعطف بالغ الخطورة عندما اجتاحت "قوات الدعم السريع" المدن الغربية في تقدم كاسح، تاركة الجيش الوطني محاصرا ومتمسكا بجيوب محدودة في الشرق.

وبالنسبة لمصر، لم يكن هذا المشهد بعيدا، ففوضى السودان تتسرب مباشرة إلى أمنها القومي، إذ يرتبط مصير الجار الجنوبي بحدود مشتركة وتاريخ واحد ونهر النيل الذي يهب الحياة.

وقد انعكست التداعيات بالفعل على القاهرة، مع تدفق موجات اللاجئين شمالا بما يرهق الموارد، فيما تتصاعد تهديدات أمنية غامضة على الحدود الجنوبية.

مع تجاوز عدد سكان مصر 110 ملايين نسمة وتفاقم شح المياه، جاء التشغيل الكامل لسد النهضة في توقيت بالغ السوء بالنسبة للقاهرة

وفي محاولة لوقف زحف "قوات الدعم السريع"، تشير تقارير إلى أن الخرطوم تعيد إحياء اتفاق كانت أبرمته مع موسكو عام 2021 لإقامة قاعدة بحرية روسية في بورتسودان، على مرمى كيلومترات قليلة من عتبة مصر على البحر الأحمر. وتنظر القاهرة إلى ذلك المشروع بعين القلق البالغ، خشية أن يستدعي قوى مضادة، بينها الولايات المتحدة، ويحوّل الممر الحيوي إلى بؤرة صراع بين القوى الكبرى.

والأدهى أن المخاوف تتزايد من أن يمتد نزيف السودان البري إلى المجال البحري، مهددا طرق الملاحة في البحر الأحمر، وبالتالي قناة السويس، شريان الاقتصاد المصري وأحد أهم شرايين التجارة العالمية.

أ.ف.ب
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وقائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في القاهرة بتاريخ 18 ديسمبر 2025

ولكن مصر لم تقف موقف المتفرج، ففي منتصف ديسمبر/كانون الأول 2025، لفت الرئيس عبد الفتاح السيسي الأنظار إلى اتفاق دفاع مشترك مع السودان يعود إلى عام 1976، في إشارة إلى الاستعداد للتدخل العسكري لوقف سيطرة كاملة لـ"قوات الدعم السريع".

مثل هذه الخطوة قد تقلب موازين الصراع في السودان عام 2026، وتعيد تشكيل المشهد الإقليمي على حدود مصر. لكنها تحمل أيضا مخاطر جسيمة، أبرزها الانزلاق في مستنقع طويل الأمد تغذيه جهات داعمة ذات موارد ضخمة، ما قد يورط القوات المصرية في حرب لا يمكن كسبها، وتردداتها تتجاوز الحدود بكثير.

غيوم فوق النيل

في سبتمبر/أيلول 2025، دشنت إثيوبيا سد النهضة بفخر بوصفه أضخم مشروع كهرومائي في أفريقيا على النيل الأزرق، لكن لحظة الاحتفاء تلك فتحت الباب أمام أزمة أشد عمقا لدول المصب، وفي مقدمتها مصر. فمع تجاوز عدد سكان مصر 110 ملايين نسمة وتفاقم شح المياه، جاء التشغيل الكامل للسد في توقيت بالغ السوء بالنسبة للقاهرة.

اتفاق رسمي قد يُبرم في عام 2026 سيضع القاهرة في انسجام مع ترتيباتها البحرية السابقة مع قبرص واليونان، ويفتح الباب أمام حقوق حصرية للتنقيب عن الغاز في مناطق ما تزال موضع نزاع

النيل شريان حياة مصر، يزوّدها بمعظم مياهها العذبة، بينما يمنح الخزان الضخم إثيوبيا قدرة غير مسبوقة على التحكم بأحد أهم روافده. وعلى مدى أكثر من عقد، سعت القاهرة إلى انتزاع اتفاق دولي ملزم ينظم ملء السد وتشغيله، غير أن مسار التفاوض انتهى إلى طريق مسدود وسط تبادل مرير للاتهامات.

واليوم، صار الكابوس واقعا قائما: سد قائم بكامل طاقته، قادر– في مواسم الجفاف أو فترات القحط– على تقليص تدفق النيل الأزرق بما يفتح الباب أمام أزمة وجودية تمس ملايين المصريين. وجاء رد القاهرة عبر رفع سقف المواجهة: مناشدات متكررة لمجلس الأمن، وتعزيز التحالفات العسكرية مع جيران إثيوبيا، ورفض قاطع لطموحات أديس أبابا في الوصول إلى البحر الأحمر، وهو ما يعمّق، في المقابل، شعور إثيوبيا بالحصار داخل جغرافيتها المغلقة.

أ.ف.ب
سفن على طول قناة السويس المصرية بالقرب من الإسماعيلية في 16 أبريل 2025

هذا الاشتباك مرشح لأن يتصدر السياسة الخارجية المصرية في القرن الأفريقي خلال عام 2026 وما بعده، مع تصاعد التوترات بالفعل إثر فيضانات ألقي باللوم فيها على إطلاقات مائية غير منتظمة.

وإذا مضت إثيوبيا في خططها لبناء سدود إضافية على النيل، فقد يتسع الشرخ إلى أزمة إقليمية شاملة، تختبر التوازن الهش للقوى على واحد من أهم أنهار العالم.

ذوبان الجليد في المتوسط

حققت مصر وتركيا في عام 2025 خطوات دراماتيكية نحو التطبيع الكامل، بعد عقد من العلاقات المتجمدة بفعل تضارب الأيديولوجيات وصراعات حادة حول ثروات الغاز في شرق المتوسط. زيارات رفيعة المستوى، ومناورات بحرية مشتركة، وسلسلة اتفاقات تجارية دفعت التبادل الثنائي باتجاه هدف 15 مليار دولار، فيما امتد التعاون إلى مجالات التصنيع العسكري وملفات إقليمية شديدة الحساسية.

أ.ف.ب
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في المجمع الرئاسي بأنقرة، في 4 سبتمبر 2024

غير أن هذا الانفراج الناشئ يوشك أن يواجه أقسى اختباراته– وربما في وقت مبكر من عام 2026– فوق مياه شرق المتوسط المكتظة بالتنافس والمخاطر. ففي مطلع ديسمبر/كانون الأول 2025، وخلال قمة رفيعة في القاهرة، اتفق الرئيس عبد الفتاح السيسي والجنرال الليبي خليفة حفتر، الذي يسيطر على معظم شرق وجنوب ليبيا، على المضي قدما في مسار ترسيم الحدود البحرية بين مصر وليبيا.

اتفاق رسمي قد يُبرم في عام 2026 سيضع القاهرة في انسجام مع ترتيباتها البحرية السابقة مع قبرص واليونان، ويفتح الباب أمام حقوق حصرية للتنقيب عن الغاز في مناطق ما تزال موضع نزاع. لكن خطوة من هذا النوع تهدد بالتصادم المباشر مع مذكرة التفاهم المثيرة للجدل التي وقعتها تركيا عام 2019 مع حكومة طرابلس آنذاك، والتي رسمت ممرات بحرية واسعة متجاهلة الجزر اليونانية ومتداخلة مع مطالب مصر ودول أخرى.

مع اقتراب نهاية عام 2025، أظهرت مصر قدرة ملموسة على إدارة عام مكتظ بالتحديات على مختلف حدودها

القاهرة رفضت تلك المذكرة باستمرار واعتبرتها غير شرعية، والمضي قدما مع حفتر قد يعيد إشعال توترات ظنّ الطرفان أنهما طوياها، بما ينذر بعودة سياسة حافة الهاوية في ملف الطاقة البحرية، وما يرافقها من استعراضات عسكرية. وبينما تمشي مصر على هذا الحبل الدبلوماسي المشدود– محاولة حماية حقوقها السيادية من دون نسف ما تحقق مع أنقرة– فإن مآلات هذا المسار مرشحة لإعادة رسم توازنات القوة في شرق المتوسط لسنوات مقبلة، في اختبار لمدى قدرة البرغماتية على الصمود أمام إغراء "الكنوز" المغمورة تحت الماء.

ومع اقتراب نهاية عام 2025، أظهرت مصر قدرة ملموسة على إدارة عام مكتظ بالتحديات على مختلف حدودها. فمن الوساطة في غزة، إلى احتواء تداعيات الفوضى في السودان، مرورا بالتكيف مع واقع سد النهضة، وصولا إلى ترميم العلاقة مع تركيا، نجحت القاهرة في موازنة المخاطر وحماية مصالحها الجوهرية. لكن الطريق في عام 2026 لن يكون أيسر: أزمات محتملة حول مستقبل غزة، ومسار حرب السودان، وتقاسم مياه النيل، وحقوق الطاقة في شرق المتوسط، قد تفرض على مصر اختبارات أكثر تعقيدا وبتكلفة أعلى.

font change

مقالات ذات صلة