ربع قرن من القفزات التكنولوجية تعيد تشكيل العالم

خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية حدث الكثير من التحولات الرقمية قادت إلى ثورة تقنية هائلة نراها في عالمنا اليوم... فهل نستطيع التنبؤ بمستقبلنا بعد ربع قرن آخر؟

Sara Padovan
Sara Padovan

ربع قرن من القفزات التكنولوجية تعيد تشكيل العالم

مع انتهاء ربع قرن كامل من الألفية الجديدة، يتضح أن العالم لم يشهد مجرد تقدم تقني متسارع، بل مر بأكبر سلسلة تحولات تكنولوجية في تاريخه الحديث.

خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، تغير كل شيء تقريبا من الأدوات التي نستخدمها، وطرق العمل والتواصل، حتى شكل العلاقات الإنسانية وطريقة فهم الفرد للعالم من حوله، بدأت هذه التحولات بالثورة الرقمية والانتشار الكاسح للهواتف المحمولة والإنترنت، ثم تبلورت في شبكات التواصل الاجتماعي التي أعادت تشكيل السلوك البشري والوعي الجمعي.

ومع العقد الثاني من القرن، ظهر الذكاء الاصطناعي بقوة، ليتحول من مفهوم أكاديمي وتجارب مخبرية إلى لاعب مؤثر في مقدمة قطاعات الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية وميزان القوى العالمي. لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة مساعدة للإنسان، بل أصبحت قوة مستقلة تساهم في صياغة القرار السياسي، وتوجيه الرأي العام، والتحكم في تدفق المعلومات، بل وحتى في التأثير على الحالة النفسية للبشر وهويتهم الثقافية.

ولم يبق هذا التحول محصورا في التقنية الرقمية، بل تمدد إلى عوالم أكثر عمقا مثل البيوتكنولوجيا، والتعديل الجيني، والهندسة الحيوية، والطب الوقائي المعتمد على البيانات، ما يعني أن التكنولوجيا لم تعد تغير الأدوات فحسب، بل بدأت تتداخل مع جسد الإنسان نفسه وتعيد تعريف مفهوم الحياة والصحة والقدرات البشرية.

قبل عام 2007، لم يكن اسم "آبل" محسوبا في سوق الهواتف المحمولة أساسا، بينما كانت "نوكيا"- بلا منافس- اللاعب الأكبر والمهيمن على السوق العالمية. ففي مطلع الألفية، امتلكت "نوكيا" ما يقارب نصف سوق الهواتف عالميا، وكانت أجهزتها رمزا للمتانة كما كانت البطارية طويلة العمر، بالإضافة إلى البساطة التي يحتاجها المستخدم العادي، فهواتف مثل "نوكيا-3310" و"نوكيا-1100" أصبحت جزءا من الذاكرة الجمعية لمئات الملايين، وكانت وسيلة الاتصال الأساسية لعدد هائل من الناس حول العالم، إلى درجة أن بعض الدول ربطت انتشار الإنترنت والاتصالات المحمولة بتوسع "نوكيا" نفسه.

لكن كل شيء تغير في عام 2007. فمع إطلاق "آبل" للجيل الأول من "آيفون"، تعرضت صناعة الهواتف لـ"زلزال تقني" لا يشبه أي حدث سابق. "الآيفون" لم يكن مجرد هاتف جديد، بل قدم فلسفة مختلفة بالكامل، من ضمنها شاشة لمس كاملة بدل الأزرار، ومتجر تطبيقات، وإنترنت سريع في الجيب، وتكامل بين الجهاز ونظام التشغيل والخدمات الرقمية. هذا لم يغير شكل الهاتف فقط، بل غير تعريفه، وانتقلت الصناعة من عصر "هاتف للاتصال" إلى عصر "منصة رقمية متعددة الوظائف" تعمل ككاميرا، ومركز ترفيه، ومحفظة مالية، وأداة للعمل، ومساحة شخصية للتواصل والذاكرة الرقمية.

تزامنا مع ذلك، تحول النجاح التاريخي لـ"نوكيا" إلى نقطة ضعف قاتلة. فالشركة اعتبرت أن التغيير جذري لكنه مؤقت، وتمسكت بنموذج الهواتف التقليدية وبأنظمة تشغيل قديمة بدل التحرك بسرعة نحو نظام أكثر تطورا مثل أندرويد. وعندما أدركت أن السوق تغيرت فعلا، كان الوقت قد تأخر؛ فخلال أقل من عشر سنوات، انهارت سيطرة "نوكيا" وخرجت من سباق الهواتف الذكية تقريبا، بعد أن كانت اللاعب الأول بلا منافس طوال عقود.

لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد مواقع بسيطة للدردشة أو تبادل الصور كما كانت في بداياتها، بل تحولت إلى واحدة من أقوى الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية

"آبل" في المقابل لم تكتف بنجاح "الآيفون"، بل أسست منظومة متكاملة حوله، من متجر التطبيقات للخدمات السحابية للمزامنة بين الأجهزة ونظام تشغيل موحد وتحديثات طويلة المدى. وهكذا أصبح الهاتف الذكي مركز حياة المستخدم الرقمية، ومصدرا ضخما للأرباح، ومحركا لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، ومصدر قوة جديدة في عالم التكنولوجيا.

مجرد تاريخ

وعلى النقيض تماما من "نوكيا"، قدمت "سامسونغ" قصة نجاح مختلفة. فقد قرأت الشركة الكورية التحول مبكرا، وتبنت نظام أندرويد منذ بداياته، ودخلت سوق الهواتف الذكية بقوة، مع استراتيجية تقوم على تنويع الأجهزة عبر جميع الفئات السعرية، بدل التركيز على فئة واحدة.

وكانت نقطة التحول عام 2010 مع إطلاق أول هاتف من سلسلة "غلاكسي" التي أصبحت خلال وقت قصير المنافس المباشر الأقوى لـ"آيفون" في الفئة العليا. ومع التوسع الكبير لسلسلة "غلاكسي"، استطاعت "سامسونغ" في عام 2012 أن تتفوق رسميا على "نوكيا" وأصبحت أكبر شركة مصنعة للهواتف في العالم من حيث المبيعات في إنجاز يعكس استجابة أسرع للتغيرات، وقدرة أعلى على الابتكار واستخدام سلسلة التوريد التي تمتلكها في الشاشات والشرائح والبطاريات لتكوين قوة صناعية شاملة.

وبينما صعدت "آبل" و"سامسونغ" إلى القمة، خرجت شركات كبرى أخرى من المشهد مثل "بلاك بيري" التي كانت رمز الأمن والرسائل المشفرة وفشلت في مواكبة ثورة الشاشات اللمسية. أما "إتش تي سي" فكانت أول من تبنى نظام أندرويد وقد خسرت السباق بسبب ضعف التسويق والتسعير فيما تراجعت "ألكاتيل" إلى مستوى العلامة التجارية الثانوية، أما "موتورولا"، التي صنعت أول هاتف محمول في التاريخ، فلم تستطع الاستمرار في سوق الهواتف الذكية أمام المنافسة الشرسة.

Sara Padovan

قصة هذه الشركات ليست مجرد تاريخ صناعي، بل درس مباشر في قوانين التكنولوجيا الحديثة فالنجاح السابق لا يحمي من السقوط، والتأخر في الابتكار يعادل الخروج من السوق، والتاريخ أو السمعة أو الشعبية السابقة لم يعد يكفي للبقاء الذي أصبح مرهونا بمن يبتكر أسرع، ويفهم التحولات قبل وقوعها، ويستثمر في المستقبل لا الماضي. ولذلك أصبح ما حدث لـ"نوكيا" و"بلاك بيري" وغيرهما يدرس اليوم كأحد أكثر الأمثلة وضوحا على كيف يمكن للتكنولوجيا أن تصنع إمبراطوريات خلال سنوات قليلة ثم تسقطها بالسرعة نفسها.

إعلام فوري

مع الانتشار الكاسح للهواتف الذكية خلال العقدين الأخيرين، لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد مواقع بسيطة للدردشة أو تبادل الصور كما كانت في بداياتها، بل تحولت إلى واحدة من أقوى الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في تاريخ البشرية.

فمنذ إطلاق "فيسبوك" عام 2004 كمنصة تواصل بين طلبة الجامعات، ثم ظهور "تويتر" عام 2006 بفكرة الرسائل القصيرة، و"إنستغرام" عام 2010 كمنصة للصور المرئية، وصولا إلى "تيك توك" الذي أعاد تعريف مفهوم المحتوى القصير والسريع، تغير شكل التواصل البشري جذريا. ومع انتشار الهواتف الذكية ووجود الإنترنت في الجيب على مدار الساعة، انتقلت المجتمعات من عصر إعلام تصنعه المؤسسات الكبرى إلى عصر إعلام فوري تصنعه الجماهير نفسها. اليوم، لم يعد الإنسان ينتظر الصحف أو نشرات الأخبار لمعرفة ما يحدث، فالحدث يولد أمام الكاميرا، ينشر على منصات التواصل في ثوان، ويتفاعل معه الملايين قبل أن تتمكن القنوات الفضائية حتى من صياغة الخبر.

خلال السنوات الأولى من الألفية الجديدة، كان الذكاء الاصطناعي محصورا في نطاق ضيق للغاية، ويعمل اعتمادا على قواعد ثابتة لا تتغير

أحد أعظم التحولات التي حققتها هذه المنصات هو كسر احتكار المعلومة. فقد انتقلت القوة من غرف الأخبار المغلقة إلى الأفراد العاديين. المواطن أصبح مراسلا ميدانيا يصور الحدث من مكان وقوعه، وصانع محتوى قادرا على الوصول إلى ملايين المشاهدين دون أي وسيط إعلامي.

ولد مفهوم "المؤثر" الشخص الذي لا يمتلك قناة تلفزيونية ولا صحيفة لكنه يستطيع تغيير الرأي العام وتحريك السوق أو إشعال قضية اجتماعية من خلال فيديو أو تغريدة. وفي الوقت نفسه، لعبت المنصات دورا إيجابيا في تقريب البشر عبر الجغرافيا، فالعائلات الموزعة بين دول وقارات صارت تتواصل لحظة بلحظة، والمجتمعات المتباعدة ثقافيا تقاربت، والأفكار انتقلت بسهولة عبر الحدود. كما خلقت هذه المنصات اقتصادا رقميا ضخما يقوم على الإعلانات التجارية والتسويق الإلكتروني وصناعة المحتوى، وأصبح مصدر رزق لملايين الأشخاص حول العالم.

لكن التأثير الأكبر، وربما الأخطر، ظهر في السياسة وصناعة الرأي العام. فمنصات التواصل أصبحت لاعبا مباشرا في الانتخابات، والحملات السياسية، والحركات الاحتجاجية، والحروب الإعلامية. ونتيجة لهذه القوة الجديدة، تحولت السيطرة على الرأي العام في العالم الرقمي إلى معركة حقيقية بين الحكومات، والأحزاب، وجماعات الضغط، والشركات الكبرى. لم تعد المعارك السياسية تحسم في قاعات المفاوضات فقط، بل أيضا في ساحات "تويتر" و"فيسبوك" و"يوتيوب" و"تيك توك". ومع تصاعد هذا الدور، بدأت دول عديدة تعتمد بشكل منظم على ما يعرف بـ"الجيوش الإلكترونية" من مجموعات منظمة تنشر روايات سياسية، وتهاجم الخصوم، وتؤثر في وعي الجماهير داخل وخارج الحدود الوطنية. وبهذا أصبحت المنصات الرقمية جزءا أساسيا من الصراعات الإقليمية والدولية والحروب الباردة الإعلامية.

غير أن هذا الدور الهائل لم يأت دون ثمن. فقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى بيئة خصبة للأخبار الكاذبة والشائعات وخطاب الكراهية، وأصبحت ساحة مفتوحة لحملات التضليل والتلاعب بالعقول والتدخل في الشؤون الداخلية للدول. خوارزميات هذه المنصات- المصممة لزيادة الجذب والإدمان- عززت الاستقطاب الاجتماعي، وقربت المتشابهين، وأبعدت المختلفين، ما أدى إلى زيادة الانقسام في المجتمعات. وعلى المستوى الفردي، تأثرت الصحة النفسية ومفهوم العلاقات الإنسانية وخصوصية الأفراد، نتيجة الاعتماد المستمر على الهاتف، والسعي المحموم وراء الإعجابات والمشاهدات، وتعرض المستخدم الدائم للمقارنات الاجتماعية والمحتوى الضاغط نفسيا. أصبح الهاتف لا يفارق صاحبه- ليس فقط كأداة اتصال، بل كنافذة دائمة على العالم، ومصدر تشتيت، وأحيانا مصدر قلق وإجهاد.

خلال السنوات الأولى من الألفية الجديدة، كان الذكاء الاصطناعي محصورا في نطاق ضيق للغاية، ويعمل اعتمادا على قواعد ثابتة لا تتغير إذ كانت هذه الأنظمة شبيهة ببرامج منطقية تنفذ أوامر محددة مسبقا ولا تتعلم من البيانات، مثل أنظمة البحث البسيطة أو الأدوات التي تقترح خيارات للمستخدم بناء على معايير رقمية محددة.

ورغم أن فكرة محاكاة الدماغ البشري عبر شبكات من العقد العصبية طرحت منذ ثمانينات القرن الماضي، فإنها ظلت لعقود غير قابلة للتطبيق بسبب ضعف الحواسيب وقلة البيانات المتاحة للتدريب.

في عام 2008 ظهرت الشرارة الحقيقية للثورة الكهربائية عندما طرحت شركة متخصصة في السيارات الكهربائية أول مركبة تجارية رياضية بالكامل تعمل بالكهرباء

لكن نقطة التحول العلمية الكبرى جاءت في عام 2006، عندما أعاد العالم الكندي جيفري هينتون إحياء فكرة الشبكات العصبية متعددة الطبقات، وأثبت أن هذه الشبكات يمكنها التعلم بعمق عندما تتوفر لها قوة حسابية كبيرة وكمية ضخمة من البيانات. هذا المسار البحثي الجديد حمل اسم التعلم العميق، وهو الذي وضع الأساس لكل ما نشهده اليوم من طفرة في الذكاء الاصطناعي.

ورغم هذا التقدم العلمي، فإن التحول العالمي الحقيقي لم يبدأ إلا في عام 2012، ففي تلك السنة تفوق نموذج قائم على التعلم العميق في مسابقة عالمية لتصنيف الصور تسمى "إيمدج نت"، وحقق دقة غير مسبوقة مقارنة بكل الأساليب السابقة. هذا الإنجاز أحدث صدمة في الأوساط العلمية والصناعية، وأعلن بداية عصر جديد أصبحت فيه نماذج الذكاء الاصطناعي قادرة على رؤية العالم وفهمه، وليس مجرد تطبيق أوامر جامدة.

لحظة مفصلية

بعد ذلك بدأ السباق، وأدركت شركات التكنولوجيا سريعا أن الذكاء الاصطناعي سيكون قلب الصناعة الرقمية في المستقبل، وبدأت في إدخاله تدريجيا في المنتجات اليومية. ظهرت تقنيات المساعد الصوتي التي تسمح بالتفاعل مع الهاتف عن طريق الكلام، ثم تطورت نظم فهم الصوت وتحويله إلى نص بدقة متزايدة، تزامنا مع ثورة في تقنيات التعرف على الوجوه والصور بعد عام 2015، ما أتاح استخدامه في الهواتف والأمن الرقمي والخدمات المصرفية وغيرها.

وفي عام 2016، حدثت لحظة مفصلية غيرت نظرة العالم بأكمله إلى الذكاء الاصطناعي. فقد تمكن نظام "ألفا غو" الذي طورته شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، من هزيمة بطل العالم في لعبة "غو" وهي لعبة ذهنية صينية قديمة تتطلب تخطيطا طويل المدى وحدسا إنسانيا عميقا. كان يعتقد سابقا أن هذا النوع من الألعاب بعيد تماما عن قدرة الآلة، لكن الفوز كشف أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد منفذ للأوامر، بل أصبح قادرا على اتخاذ قرارات استراتيجية بالغة التعقيد.

ثم جاءت القفزة الأكبر بعد عام 2020، مع ما يعرف بالذكاء الاصطناعي التوليدي القادر على إنتاج محتوى جديد بدلا من مجرد تحليل البيانات. في ذلك العام ظهر نموذج لغوي قادر على فهم النصوص وكتابتها بطريقة غير مسبوقة، ثم تلاه نظام قادر على توليد الصور من الأوصاف النصية، ثم جاءت اللحظة التي غيرت علاقة الناس بشكل مباشر بالذكاء الاصطناعي مع إطلاق برنامج "شات جي بي تي" للجمهور في نهاية 2022. ولأول مرة أصبح بإمكان أي شخص التفاعل مع الذكاء الاصطناعي وكأنه يحاور شخصا يفهم السلوك البشري ويستجيب له.

وفي عام 2023، ظهرت نسخة أكثر تقدما بقدرات تحليل منطقية عالية، وفي عام 2024 دخل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في أنظمة التشغيل والهواتف ومحركات البحث، وأصبح جزءا مباشرا من مجالات العمل والتعليم والإعلام والصحافة والبرمجة والإبداع الفني.

بهذا التسلسل التاريخي يمكن القول إن الفترة الممتدة بين 2012 و2024 تمثل المرحلة التي انتقل فيها الذكاء الاصطناعي من مجرد أبحاث مخبرية نظرية إلى ركيزة مركزية في الاقتصاد العالمي، وإلى سلاح استراتيجي تتنافس عليه القوى الكبرى، ثم إلى أداة يستخدمها الأفراد في حياتهم اليومية لأداء المهام والتعلم والعمل والإبداع.

لم تكن السيارات الكهربائية في بدايات انتشارها سوى فكرة محدودة ومثيرة للجدل. لكن مع تطور الذكاء الاصطناعي، وقدرات الحوسبة العالية، وتسارع تطور التصنيع والمواد، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل في عالم النقل.

قيادة ذاتية

في عام 2008 ظهرت الشرارة الحقيقية للثورة الكهربائية عندما طرحت شركة متخصصة في السيارات الكهربائية أول مركبة تجارية رياضية بالكامل تعمل بالكهرباء، وقد أثبتت أن السيارة الكهربائية يمكن أن تكون عملية وليست مجرد نموذج تجريبي. ثم جاء عام 2012 ليغير مسار التاريخ، حين قدمت سيارة كهربائية بمدى طويل وقدرات تسارع وأداء يتفوق على كثير من سيارات الوقود. منذ تلك اللحظة لم تعد السيارات الكهربائية خيارا لمحبي البيئة فحسب، بل أصبحت منافسا جديا في سوق السيارات الفاخرة والقوية.

في عام 2020 بدأت أولى تجارب النقل التجاري دون سائق في الولايات المتحدة والصين، ثم سمح اعتبارا من 2023 و2024 لبعض السيارات بالتحرك داخل مدن محددة دون وجود سائق

بين عامي 2015 و2020 دخلت معظم شركات السيارات حول العالم في سباق غير مسبوق للتحول نحو الكهرباء. شركات عريقة مثل "فولكسفاغن"، و"جنرال موتورز"، و"تويوتا"، و"هيونداي"، وغيرها، استثمرت مليارات الدولارات في تطوير البطاريات، وتحسين كفاءة المحركات الكهربائية، وخفض تكلفة الإنتاج. ومع انخفاض تكلفة البطاريات وارتفاع كفاءة تخزين الطاقة، أصبح بالإمكان توفير سيارات كهربائية بأسعار أقرب إلى المتناول، وليس لفئة محدودة فقط.

منذ عام 2020 تسارع التحول العالمي أكثر مع إصدار قوانين في أوروبا، والولايات المتحدة، والصين، تلزم الشركات بخفض الانبعاثات، وتمهد لإيقاف بيع سيارات الوقود خلال العقود المقبلة. وهكذا انتقلت السيارة الكهربائية من مجرد "خيار بيئي" إلى ركيزة أساسية في مستقبل النقل، ومركز سباق صناعي واقتصادي بين أكبر دول العالم.

فكرة السيارات التي تقود نفسها كانت لعقود طويلة تنتمي إلى عالم السينما والخيال العلمي. لكن التحول الجذري بدأ عام 2005، عندما استطاعت سيارة معدلة من طراز "فولكسفاغن"، طورها فريق من جامعة ستانفورد، قطع أكثر من 210 كيلومترات في صحراء موهافي من دون أي تدخل بشري. كان ذلك أول دليل عملي حديث على إمكانية القيادة الذاتية الكاملة في بيئة حقيقية، وليس على مسار تجريبي بسيط.

REUTERS
صورة لهواتف نوكيا القديمة في روما

بعد هذا الإنجاز تحول الاهتمام الأكاديمي إلى سباق تجاري عالمي. ففي عام 2009 دخلت إحدى كبرى شركات التكنولوجيا المجال رسميا بإطلاق مشروع للقيادة الذاتية، ثم أصبح هذا المشروع في عام 2016 شركة مستقلة مهمتها تطوير مركبات لا تحتاج إلى سائق إطلاقا.

في عام 2014 حدث تحول آخر عندما قدم نظام قيادة ذاتية جزئية في السيارات الكهربائية التجارية، يسمح للمركبة بالحركة على الطرق السريعة والتحكم في السرعة والمسار دون تدخل مباشر من السائق. ورغم أن السائق كان ملزما بالمراقبة، فإن هذه التجربة فتحت الباب أمام تعميم أنظمة القيادة الذاتية على نطاق واسع.

منذ عام 2016 تطورت تقنيات القيادة الذاتية بسرعة هائلة. أصبحت السيارة تعتمد على منظومة متكاملة من الكاميرات الدقيقة، وأجهزة الرادار، وأشعة الليزر، إلى جانب خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تحلل المشهد المحيط جزءا بجزء، وتنفذ قرارات لحظية خلال أجزاء من الثانية، مثل التوقف، أو تغيير المسار، أو التعامل مع المارة والمفاجآت في الطريق.

وفي عام 2020 بدأت أولى تجارب النقل التجاري دون سائق في الولايات المتحدة والصين، ثم سمح اعتبارا من 2023 و2024 لبعض السيارات بالتحرك داخل مدن محددة دون وجود سائق خلف المقود، ولكن ضمن قواعد تنظيمية صارمة ومراقبة حكومية مستمرة.

اختبار غير مسبوق

على مدى ربع قرن فقط، حدث انقلاب جذري في شكل الطب وفلسفته وأدواته وتوجهاته، انقلاب لم يكن ثمرة تطور بطيء ولا تراكم اعتيادي للمعرفة، بل نتيجة ثورات متتالية اخترقت الجسد البشري وغيرت النظرة إليه من كيان بيولوجي ننتظر أن يمرض ثم نتدخل لإنقاذه، إلى كيان يمكن فهمه مسبقا وتحليل احتمالات مرضه والتنبؤ بسلوكه وإعادة هندسته وإصلاحه من الداخل قبل ظهور الخلل. لقد كانت بداية هذا التحول الكبرى في عام 2003 حين اكتمل مشروع الجينوم البشري، وهو الحدث العلمي الذي يشبه في تأثيره اكتشاف الكهرباء أو الإنترنت، لأنه منح البشرية القدرة لأول مرة على قراءة الشفرة الوراثية التي تحدد كل شيء تقريبا في حياة الإنسان: شكله، استجاباته، نقاط ضعفه، قابلية إصابته بالأمراض، احتمالات تطور السرطان في جسده، قدرته على استقبال الأدوية، وحتى الطريقة التي يتقدم بها في العمر. كان ذلك بمثابة كشف خريطة كاملة لما كان يعتبر سابقا صندوقا مغلقا لا يمكن الدخول إليه إلا من الخارج.

منذ عام 2000، بدأت الجراحة الروبوتية في تغيير قواعد اللعبة، حين دخل الروبوت ليكون الذراع الأكثر دقة للجراح

هذا المشروع لم يكتف بتوسيع معرفة العلماء، بل أطلق ثورة كاملة في مفهوم العلاج. فبدل أن يكون كل مريض يتلقى العلاج نفسه للمرض نفسه، أصبح من الممكن تصميم العلاج وفق التركيب الوراثي لكل فرد، بحيث يتلقى مريضان بالمرض ذاته علاجين مختلفين لأن جيناتهما تختلف. بهذا ظهر مفهوم الطب الشخصي، أو الطب الذي لا يستهدف المرض بل يستهدف الجسد نفسه، حتى باتت التحاليل الجينية تستخدم لمعرفة ما إذا كان الشخص سيستجيب لدواء قبل أن يتناوله. وبدل انتظار ظهور الورم في أعضاء الجسم، أصبح ممكنا البحث عن المؤشرات الجينية التي تنبئ بفرصة ظهوره مستقبلا. وهكذا تحول الطب من مطاردة المرض إلى اعتراضه قبل الميلاد أحيانا.

ثم جاءت القفزة التالية في 2012 حين دخل العالم مرحلة جديدة تماما مع ظهور تقنية تعديل الجينات. لم يعد فهم الجينات كافيا، بل أصبح بالإمكان تعديلها. وبكل بساطة، صارت الطفرات المسببة لأمراض وراثية مستعصية قابلة للإزالة أو التصحيح، وصار العلماء قادرين على إعادة كتابة الجملة الوراثية داخل الخلية كما يعاد تحرير نص على شاشة حاسوب. هذه التطورات لم تعن فقط نهاية محتملة لعشرات الأمراض الوراثية، بل فتحت الباب أمام سؤال أوسع: إذا أمكن علاج المرض بتعديل الجينات، فهل يمكن تحسين القدرات البشرية؟ هل يمكن تعديل العضلات لتصبح أقوى؟ أو إبطاء الشيخوخة؟ أو تحسين الذاكرة؟ وهكذا أصبح الجسد ليس فقط موضوعا للعلاج، بل صار ميدانا للهندسة البيولوجية.

وفي عام 2020، وتحت ضغط جائحة كورونا، واجه الطب اختبارا غير مسبوق، اختبارا كان سيظهر نجاح التحول البيولوجي أو انهياره. فجاءت لقاحات الحمض النووي (المرسال) لتثبت أن الثورة لم تكن إعلاما علميا مؤقتا، بل نقلة حقيقية في فهم الجهاز المناعي. ففي بضعة أشهر فقط، صمم لقاح قادر على تعليم الجهاز المناعي التعرف إلى الفيروس من دون استخدام الفيروس نفسه، بل باستخدام شيفرة جزيئية تحث الجسم على إنتاج بروتينات دفاعية. كانت هذه التكنولوجيا حدثا علميا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، لكنها قبل كل شيء كانت برهانا على أن التدخل الرقمي في التعليمات البيولوجية ممكن وفعال. ومع مرور الوقت تحولت اللقاحات الجديدة إلى بوابة تجرب عليها تقنيات لعلاج السرطان، وأمراض المناعة، والاضطرابات العصبية، بل ومشاريع لإبطاء تدهور الجسم مع التقدم في العمر.

REUTERS
يتابع أشخاص يحملون هواتف محمولة مسيرة المتظاهرين المطالبين بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية والعرقية في نيويورك

أما السرطان، الذي كان ينظر إليه لعقود بوصفه العدو الأكبر للطب والغاية القصوى للحرب العلاجية، فقد شهد منذ عام 2014 تحولا ثوريا عبر العلاج المناعي. بدل أن يتم تدمير الخلايا السرطانية بالكيماوي والإشعاع، صار العلاج يعتمد على تدريب الخلايا المناعية لاستهداف الورم كما تستهدف البكتيريا والفيروسات. هذه الثورة أعادت رسم المشهد السرطاني بالكامل، لأن نسب النجاة ارتفعت في سرطانات كانت تعد مستحيلة العلاج، وصار الطبيب قادرا على إعادة برمجة الجهاز المناعي للمريض نفسه كي يتحول إلى جيش متخصص يقتل الخلايا الخبيثة ويلاحقها داخل الجسم. هذه القدرة لم تكن مجرد إنقاذ حياة المرضى، بل كانت إعلانا أن الجسد قادر على شفاء نفسه إذا تم توجيهه بيولوجياً بالطريقة الصحيحة.

ثورة في غرف العمليات

وبالتوازي مع البحوث الجزيئية، كانت غرفة العمليات تشهد ثورة أخرى لا تقل عمقا. منذ عام 2000، بدأت الجراحة الروبوتية في تغيير قواعد اللعبة، حين دخل الروبوت ليكون الذراع الأكثر دقة للجراح. لم يعد الجراح مضطرا إلى مواجهة القيود الطبيعية ليد الإنسان، بل أصبح يتحكم في أدوات دقيقة تصل إلى مناطق لا يمكن الوصول إليها وإجراء شقوق أصغر وأقل نزيفا وأكثر سرعة في التعافي. ومع عام 2015، أصبحت الجراحة الروبوتية معيارا في آلاف المستشفيات. ثم دخل الذكاء الاصطناعي إلى غرفة العمليات ليقترح الأماكن الأكثر أمانا للقطع، ويحذر من الخطر أثناء الجراحة، ويتوقع حالات النزيف قبل حدوثها. ثم ظهرت أنظمة قيد التطوير قادرة على تنفيذ جزء من العملية تلقائيا، مما يفتح الباب أمام جراحة شبه ذاتية الإجراء. وحين يصبح الروبوت قادرا على تحليل صور الأنسجة لحظة بلحظة ثم تعديل مسار العملية، فإن دور الجراح سيعاد تعريفه من تنفيذ مباشر إلى إشراف وتوجيه.

مع تغير الهاتف، ستتبدل طبيعة منصات التواصل جذريا. فبدلا من أن تكون مساحة لتبادل المحتوى، ستتحول إلى بيئات رقمية يمارس فيها الإنسان جانبا كبيرا من حياته

وفي الفترة نفسها، بدأ الطب يفكك فكرة المستشفى. ففي الماضي كانت زيارة الطبيب تعني الانتقال إلى مكان العلاج. أما الآن، فالطب يتقدم نحو المريض أينما كان. ظهر الطب عن بُعد، وتطورت الأجهزة الذكية المنزلية بحيث أصبح الجسم مراقبا لحظة بلحظة. لم يعد قياس الضغط والسكر ضربا من الروتين، بل أصبحت البيانات الصحية ترسل تلقائيا إلى الطبيب أو إلى نظم الذكاء الاصطناعي التي تراقب أنماطا يصعب على البشر ملاحظتها. ثم ظهرت تحاليل تعتمد على الصوت وطريقة الكلام لاكتشاف الاكتئاب وأمراض الأعصاب قبل التشخيص الإكلينيكي. ومع الوقت ستتحول المراقبة الصحية إلى عملية مستمرة لا يشعر بها الإنسان، وكأن هناك طبيبا افتراضيا يرافقه طوال الوقت، ينبهه عند الخطر ويقترح تعديلات يومية في الغذاء والنوم والحركة.

وفي الوقت الذي تدمج فيه هذه التقنيات داخل الجسد أو حوله، يستعد العالم لمرحلة أعمق، مرحلة تمتد خارج العيادة وإلى كل تفاصيل الحياة. فالجهاز الذي نحمله اليوم في أيدينا، أي الهاتف، لن يكون كما هو في المستقبل القريب. فالتكنولوجيا تسير نحو أن تصبح جزءا من الجسم بدل أن تكون شيئا منفصلا عنه. الهواتف مرشحة لأن تتحول إلى نظارات أو عدسات أو شرائح تفاعلية أو واجهات عصبية تتصل مباشرة بالدماغ. لن يعود الشخص بحاجة للبحث عما يريد، بل سترسل له المعلومات قبل أن يطلبها.

مستقبل صعب التنبؤ

أصبح استشراف المستقبل اليوم أكثر صعوبة من أي وقت مضى، ليس فقط بسبب التسارع المذهل في تطور التكنولوجيا، بل لأن الحدود التي تنظم هذا التطور نفسه باتت غير واضحة. فهناك من يتوقع أن يصل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة يواصل فيها النمو ذاتيا دون ضبط بشري، ويطور طرقه الخاصة في التفكير واتخاذ القرار، بينما يرى آخرون أن الإنسان سيبقى قادرا على توجيه هذه الثورة والتحكم فيها لمصلحة حياته اليومية. وبين هذين التصورين المتناقضين، يتشكل مستقبل العقود المقبلة، محملا بفرص غير مسبوقة، ومخاطر لا يمكن تجاهلها.

في قلب هذا التحول، يبدو أن الهاتف– أو الشكل الجديد الذي سيخلفه– سيكون البوابة الأولى للانتقال إلى العالم المقبل. فالهاتف بشكله التقليدي مرشح للاختفاء تدريجيا، لتظهر أدوات جديدة مثل النظارات الذكية، والعدسات الرقمية، والواجهات العصبية التي تعتمد على الإشارات المباشرة من الدماغ. ومع هذا التحول، لن يكون الهاتف مجرد وسيلة اتصال، بل سيصبح هوية رقمية شاملة تضم البيانات الصحية والمالية والقانونية والاجتماعية لصاحبه، ليصبح بمثابة مركز التحكم في الحياة اليومية، يوجه القرارات، ويقترح الخيارات، وربما يتدخل في تشكيل العادات الشخصية كذلك.

ومع تغير الهاتف، ستتبدل طبيعة منصات التواصل جذريا. فبدلا من أن تكون مساحة لتبادل المحتوى، ستتحول إلى بيئات رقمية يمارس فيها الإنسان جانبا كبيرا من حياته: العلاقات، والعمل، والتعليم، والتسوق، وحتى المناسبات الاجتماعية. ومع انتشار الحسابات الآلية المتقدمة، سيصبح من الصعب التمييز بين الوجود البشري والوجود الرقمي، وسيتحول الرأي العام إلى نتيجة فورية لاجتماع خوارزميات تتحكم في تدفق المعلومات. ونتيجة لذلك، ستؤثر هذه المنصات مباشرة في تشكيل الوعي الجماعي وتوجيه السلوك الاجتماعي، مما يجعل الخصوصية تتراجع إلى مستويات غير مسبوقة، بينما تتحول الذاكرة الرقمية إلى سجل دائم لا ينسى.

مع توفر رفاق آليين قادرين على التواصل وتقديم الدعم والمحادثة، قد يلجأ بعض الأفراد إلى الروبوت بديلا عن العلاقات البشرية، مما يطرح أسئلة عميقة حول العزلة، والروابط الاجتماعية، وحدود العلاقة بين الإنسان والآلة

في الوقت نفسه، سيتطور دور الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى نظام تشغيل شامل لقطاعات الحياة الأساسية. فالمدن ستدار بالخوارزميات، والمستشفيات ستعتمد على أنظمة تشخيص وعلاج شبه ذاتية، والمصانع ستعمل بحد أدنى من التدخل البشري. كما سيتولى الذكاء الاصطناعي اتخاذ قرارات اقتصادية وصحية وأمنية مصيرية بسرعة تتجاوز قدرة الإنسان على الاستيعاب أو المراجعة.

REUTERS
أيقونة تطبيق شات جي بي تي على هاتف ذكي

ويتقدم هذا التحول جنبا إلى جنب مع صعود الروبوتات في الحياة اليومية. فبدل أن تنحصر داخل المصانع والمخازن، ستصبح جزءا من البيوت والمجتمعات. ستقوم الروبوتات المنزلية بتنظيف المنزل، وإعداد الطعام، ورعاية كبار السن، ومساعدة المرضى وذوي الإعاقة، ومتابعة المؤشرات الصحية بشكل مستمر، بل وقد توفر رفقة اجتماعية للأشخاص المعزولين. ومع الوقت ستتعلم هذه الروبوتات من سلوك أصحابها وتتكيف مع عاداتهم، مما يجعلها شريكا يوميا أكثر من كونها مجرد آلة.

وخارج المنازل، ستشارك الطائرات المسيرة والروبوتات المتحركة في نقل البضائع والمواد الغذائية والأدوية، وفي تشغيل الموانئ والمستودعات والمصانع على مدار الساعة. سيؤدي ذلك إلى رفع كفاءة سلاسل الإمداد، لكنه سيحدث تحولات جذرية في سوق العمل، مع تراجع الحاجة لكثير من الأدوار التقليدية.

وإلى جانب الفوائد، سيؤثر التطور المتسارع للروبوتات الاجتماعية في طبيعة العلاقات الإنسانية نفسها. فمع توفر رفاق آليين قادرين على التواصل وتقديم الدعم والمحادثة، قد يلجأ بعض الأفراد إلى الروبوت بديلا عن العلاقات البشرية، مما يطرح أسئلة عميقة حول العزلة، والروابط الاجتماعية، وحدود العلاقة بين الإنسان والآلة.

وبين من يرى في المستقبل عالما أكثر رفاهية وراحة، ومن يراه عالما أكثر رقابة وضبطا للسلوك الإنساني، يقف البشر عند مفترق حاسم. فالتكنولوجيا التي ولدت كأداة في يد الإنسان أصبحت اليوم شريكا في اتخاذ القرار، وربما تتحول لاحقا إلى قوة مستقلة تعيد تشكيل حياتنا. ويبقى السؤال الأكبر في الربع قرن المقبل: هل ستظل التكنولوجيا خادمة للإنسان، أم سنجد أنفسنا نعيش في عالم أصبح الإنسان فيه الملحق بثورة تقودها الخوارزميات؟

font change