عرضت رواية "البيت الفارغ" La Maison vide الفائزة بجائزة "غونكور" الفرنسية لهذا العام، لكاتبها لوران موفينييه، في معظم القراءات النقدية، بوصفها ملحمة عائلية، رواية ذاكرة، أو سردا طويلا عن فرنسا الريفية في القرن العشرين. غير أن ما يمنح هذا النص ثقله الحقيقي ليس اتساعه الزمني فقط ولا كثافة كل شخصية من شخصياته وعمقها، بل أيضا قدرته على كشف العلاقة العميقة بين العنف التاريخي والعنف الحميم، بين ما فعلته الحروب بفرنسا وما تفعله العائلات (والحياة) بأبنائها.
لا تحضر الحرب في رواية موفينييه بوصفها قوة خارجية تملي أثرها على دواخل البشر بطريقة واحدة ومبسطة، بقدر ما يبدو تأثيرها مرتبطا بهذا الداخل نفسه. هكذا، لا تترك الحروب الندوب نفسها، بل تحفر في الصدمات العائلية والعاطفية المتراكمة والمسكوت عنها، في حركة ثابتة من الخارج إلى الداخل. الحرب موجودة في الأجساد التي عادت من الجبهات منكسرة، لكنها أيضا في اللغة التي انكمشت حتى صارت صمتا، وفي التربية التي استبدلت العاطفة بالقسوة، والحنان بالحاجة إلى البقاء. ما تقوله الرواية، هو أن الحروب العالمية لم تكتف بقتل الملايين، بل أعادت تشكيل العلاقات الإنسانية داخل البيوت، وأعادت تعريف الأبوة والأمومة والزواج والحب نفسه. في النهاية، يبدو أن أبلغ طريقة للحديث عن حرب ما، هي سرد تاريخ عائلة تحت وطأة هذه الحرب.
أشياء خرساء
حين يعيد الكاتب فتح البيت الفارغ بعد عقود في المشهد الأول من الرواية، تتضح للقارئ بسرعة مشقة المهمة التي يبدو على وشك القيام بها. إعادة سرد قصة العائلة، ستكون تخيلا مرهقا، محاولة لإعادة تشكيل خط زمني طويل من الأحداث، يعتقد الكاتب أنها إذا وضعت بالترتيب فستقوده إلى الفهم، إلى الإحاطة بالسر خلف انتحار والده المأسوي. غير أن المهمة صعبة، لأن البيت في هذا المشهد أشبه بأرشيف مغلق، لا يحتفظ بالذكريات بل بالأغراض الخرساء: أشياء متراكمة بلا قصص، صور ناقصة، أثاث جامد. بعكس فكرة البيت بوصفه حارسا للذاكرة في وجه الزمن، يبدو هذا البيت مخزنا تالفا لأشياء عجزت العائلة عن مواجهتها.

