"البيت الفارغ" والمسعى المستحيل لترميم الذاكرة من بقايا الأشياء

الرواية الفائزة بجائزة "غونكور" الفرنسية

Bertrand GUAY / AFP
Bertrand GUAY / AFP
الكاتب الفرنسي لوران موفينييه بعد فوزه بجائزة "غونكور" عن رواية "البيت الفارغ"، باريس، 2025

"البيت الفارغ" والمسعى المستحيل لترميم الذاكرة من بقايا الأشياء

عرضت رواية "البيت الفارغ" La Maison vide الفائزة بجائزة "غونكور" الفرنسية لهذا العام، لكاتبها لوران موفينييه، في معظم القراءات النقدية، بوصفها ملحمة عائلية، رواية ذاكرة، أو سردا طويلا عن فرنسا الريفية في القرن العشرين. غير أن ما يمنح هذا النص ثقله الحقيقي ليس اتساعه الزمني فقط ولا كثافة كل شخصية من شخصياته وعمقها، بل أيضا قدرته على كشف العلاقة العميقة بين العنف التاريخي والعنف الحميم، بين ما فعلته الحروب بفرنسا وما تفعله العائلات (والحياة) بأبنائها.

لا تحضر الحرب في رواية موفينييه بوصفها قوة خارجية تملي أثرها على دواخل البشر بطريقة واحدة ومبسطة، بقدر ما يبدو تأثيرها مرتبطا بهذا الداخل نفسه. هكذا، لا تترك الحروب الندوب نفسها، بل تحفر في الصدمات العائلية والعاطفية المتراكمة والمسكوت عنها، في حركة ثابتة من الخارج إلى الداخل. الحرب موجودة في الأجساد التي عادت من الجبهات منكسرة، لكنها أيضا في اللغة التي انكمشت حتى صارت صمتا، وفي التربية التي استبدلت العاطفة بالقسوة، والحنان بالحاجة إلى البقاء. ما تقوله الرواية، هو أن الحروب العالمية لم تكتف بقتل الملايين، بل أعادت تشكيل العلاقات الإنسانية داخل البيوت، وأعادت تعريف الأبوة والأمومة والزواج والحب نفسه. في النهاية، يبدو أن أبلغ طريقة للحديث عن حرب ما، هي سرد تاريخ عائلة تحت وطأة هذه الحرب.

أشياء خرساء

حين يعيد الكاتب فتح البيت الفارغ بعد عقود في المشهد الأول من الرواية، تتضح للقارئ بسرعة مشقة المهمة التي يبدو على وشك القيام بها. إعادة سرد قصة العائلة، ستكون تخيلا مرهقا، محاولة لإعادة تشكيل خط زمني طويل من الأحداث، يعتقد الكاتب أنها إذا وضعت بالترتيب فستقوده إلى الفهم، إلى الإحاطة بالسر خلف انتحار والده المأسوي. غير أن المهمة صعبة، لأن البيت في هذا المشهد أشبه بأرشيف مغلق، لا يحتفظ بالذكريات بل بالأغراض الخرساء: أشياء متراكمة بلا قصص، صور ناقصة، أثاث جامد. بعكس فكرة البيت بوصفه حارسا للذاكرة في وجه الزمن، يبدو هذا البيت مخزنا تالفا لأشياء عجزت العائلة عن مواجهتها.

بعكس فكرة البيت بوصفه حارسا للذاكرة في وجه الزمن، يبدو هذا البيت مخزنا تالفا لأشياء عجزت العائلة عن مواجهتها

من هنا، يحاول الكاتب إعادة نسج القصة، عبر استنطاق الأشياء الصامتة من حوله، انطلاقا من العناصر القليلة الموجودة لديه، ومما روي له عبر السنوات بشكل متقطع. وهنا، يكمن سحر هذا العمل، لأن الكاتب يتدخل باستمرار ليذكرنا بأن الكثير مما يرويه يدور في خياله. أحيانا يعجز حتى عن تخيل لحظة ما، ويتركها معلقة في الزمن، بلا سرد. يرسم لنا لوران موفينييه صورة مؤثرة لرجل يروي اليوم أحداثا وقعت عام 1905، مستخدما جملا طويلة ولغة متوترة وساحرة، ليصف مثلا حفل زواج جدة جدته، أو حادث انتحارها، أو أيضا -على امتداد صفحات كاملة- اضطراب أفكارها وشعورها عبر مونولوغ داخلي طويل. 

Bertrand GUAY / AFP
لوران موفينييه يحمل روايته "البيت الفارغ" عقب فوزه بجائزة "غونكور"، باريس، 2025

في هذا البيت الفارغ، لن تكتشف الحقيقة دفعة واحدة، بل عبر تراكم التفاصيل الصغيرة التي تعيد تشكيل قصة العائلة منذ أربعة أجيال. على مدى 744 صفحة، يعتمد الكاتب بناء سرديا طويلا ومتشابكا، يظهر كيف أن كل جيل يحمل إرث من سبقه، مع فارق أن هذا الإرث ليس شيئا واضحا، بل على العكس أشياء كثيرة لم تقل أبدا، ومع هذا انتقلت عموديا -من جيل إلى جيل- عبر منظومة من الصمت المتوارث، من العار والألم والقسوة والشعور بالذنب. في هذا الإطار، يبدو أن الرواية نفسها تحاكي عمل الذاكرة: متعثرة، ملتوية، وغير مكتملة. هذا الشكل السردي — الجمل الطويلة، التكرار، التقدم البطيء — ليس خيارا أسلوبيا فحسب، بل ترجمة أدبية لعالم عاجز عن الحسم، عن التسمية والاعتراف. 

ثلاث نساء

يبني موفيننيه قصته حول ثلاث نساء، جدة جدته في قلب القصة، كذلك والدتها ومن ثم ابنتها (جدته). الرجال حاضرون أيضا، لكن حضورهم مختلف: يساهمون في خلق الصدمات، في تكريس الصمت، يذهبون إلى الجبهات ويعودون صامتين، أو لا يعودون أبدا، تاركين لغيابهم حضورا كاسحا في حياة الأحياء/النساء. غير أن حكاية ماري إرنتستين، جدة الجدة، تبدو مركز الدائرة التي يدور حولها تاريخ العائلة كله، وصولا إلى الكاتب الجالس أمام بيانو مغبر في بيت فارغ، ورثه والده عن هذه الجدة البعيدة. أو لنقل، أنه مع ماري إرنتستين ، سيحدث الكسر الأول، الذي سيطول بعدها تاريخ العائلة كله. 

قصة عن العنف الذي حين يمارس أحيانا على مصائر البشر، يتراكم في الجسد والروح، على شكل صدمات لا رجعة فيها

ليست قصة ماري إرنتستين قصة حرمانها من حلمها بالعزف على البيانو، ولا قصة حب غير مكتمل، أعقبه إجبارها على الزواج من عامل في أرض والدها ليؤمن استمرارية العائلة فقط، إنما تبدو أبعد من ذلك قصة عن العنف الذي حين يمارس أحيانا على مصائر البشر، يتراكم في الجسد والروح، على شكل صدمات لا رجعة فيها، صدمات تواصل الاندفاع مثل موجة جبارة عبر الزمن، ولا شيء يتمكن من إيقافها. 

هكذا، لن يتوقف العنف الذي يمارس على ماري إرنتستين عند حدودها، بل يعاد إنتاجه بقسوة في علاقتها بابنتها، ابنة لم تردها من رجل لم تحبه. يرسم الكاتب صورة جريئة لأمومة قاسية وغير نمطية، تعجز فيها امرأة عن حب ابنتها بشكل تام. هذا الخلل الأول في العلاقة الأكثر بداهة، يبدو من أهم أفكار هذا النص، وأقساها على السواء، كأن تاريخا كاملا كان سيتغير لو استطاعت أم أن تظهر لابنتها بعض الحنان.

Bertrand GUAY / AFP
لوران موفينييه يتحدث إلى الصحافة بعد نيله جائزة "غونكور"، باريس، 2025

العجز عن الحب

عوضا عن هذا، تبدو ماري إرنتستين عاجزة عن منح الحب. هذا العجز لا يبدو نقصا عاطفيا عابرا، بل هو فشل وجودي، لأم لا تكره ابنتها بالمعنى المباشر، لكنها تتعامل معها بوصفها تذكيرا حيا بما لم تعشه، وبما انغلق داخلها إلى الأبد. الابنة، جدة الكاتب، تصبح مكانا لتدوير الصدمة، هي لم تواجه أما تكرهها صراحة، بل أما لا تعرف كيف تحبها. وهذا العجز، أكثر من أي عنف مباشر، هو ما يترك الأثر الأعمق. فلا حيلة للمرء في مواجهة عاطفة غير موجودة، يصبح حتى رفضها أو مقاومتها أمرا مستحيلا.

لا تعود مأساة العائلة بالحرب نفسها، بل في هذا العطب العاطفي، الذي سينتقل من جسد إلى جسد ومن جيل إلى جيل

إنه فراغ، فجوة، مساحة من العدم العميق، يتسرب إلى التربية، إلى النظرة، إلى الصمت اليومي، ويحول العلاقة الأمومية من مساحة أمان إلى مساحة تهديد وحرمان وصمت. من هنا، كل ما يحدث بعدها في حياة هذه الابنة وما يترتب عليه من نتائج في الأجيال التي ستأتي بعدها، يبدو نتيجة لهذا التصدع العميق. وفي هذا المعنى، لا تعود مأساة العائلة بالحرب نفسها، بل في هذا العطب العاطفي، الذي سينتقل من جسد إلى جسد ومن جيل إلى جيل.

قدم لوران موفنييه في هذه الرواية سردا صادقا إلى حد القسوة، كأنه يعيد بالكتابة تشكيل بشر من لحم ودم، كانوا ذات يوم عائلته. تبقى الإشارة إلى أن النص أيضا أغنية هادئة في مديح الكتابة نفسها، في مديح قدرة التخيل على البناء، والحلم على الاكتشاف. يقول الكاتب/الراوي في النص: "هذا العالم، أكتشفه في ما أحلم به". أي أنه حين شعر بأنه لا يعرف شيئا عن تاريخ عائلته، قرر أن يكتبه. لا حلول، لا مصالحة، لا خلاص من وطأة الذاكرة، فقط الكتابة كحاجة ملحة، كمحاولة أخيرة للفهم كأنها محاولة للبقاء.

font change

مقالات ذات صلة