ما الأثر المحتمل لانهيار إيران على الإقليم؟

إذا قاومت السلطات في طهران وشنّت هجوما مضادا، قد تنزلق واشنطن إلى صراع طويل

أ ف ب
أ ف ب
متظاهرون مناهضون للنظام الإيراني يرفعون العلم الإيراني الذي يحمل شعاري الأسد والشمس، قبل ثورة 1979، خلال تجمع أمام السفارة الإيرانية في وسط لندن، في 9 يناير 2026

ما الأثر المحتمل لانهيار إيران على الإقليم؟

خرج الإيرانيون إلى الشوارع مرات لا تحصى، احتجاجا على النظام الذي استولى على السلطة بعد ثورة عام 1979، في مشهد بات مألوفا في تاريخ الجمهورية الإسلامية، لكنه يحمل هذه المرة دلالات أعمق وأكثر خطورة.

فالدافع إلى الاحتجاج، لم يعد محصورا في الطابع العقائدي والقمعي للنظام، بل اتسع ليشمل ضائقة اقتصادية خانقة، تمس تفاصيل الحياة اليومية. ومع اتساع رقعة الغضب، برز تطور لافت تمثل في انخراط تجار بازار طهران، الذين اعتبروا تقليديا من ركائز التأييد للنظام، بعدما ظلوا على مسافة من الاحتجاجات السابقة. دخولهم على خط المواجهة، يعد تحولا مقلقا للسلطة، وإن لم يكن بالضرورة مؤشرا حاسما على قرب نهايتها.

في مواجهة هذا الحراك، دفعت السلطات بقوات أمن النظام والحرس الثوري والميليشيا الموالية المعروفة باسم "الباسيج" إلى الشوارع بأعداد كبيرة لقمع الاحتجاجات. وترددت تقديرات تفيد بأن نحو ثلاثة آلاف شخص لقوا حتفهم، فيما أصيب واعتقل آلاف آخرون، مع ترجيحات بأن تكون حصيلة القتلى أعلى بثلاثة أو أربعة أضعاف من الأرقام المعلنة.

وفي تفسيره للأزمة، يعزو النظام الإيراني ما يجري إلى تدخل خارجي، يهدف إلى زعزعة استقرار البلاد، ويلقي باللوم على العقوبات الدولية، لما لها من تأثير بالغ في الاقتصاد. وقد تحمل هذه المزاعم قدرا من الصحة، إلا أن جذور الأزمة تبدو أعمق، إذ تنبع في جوهرها من اختلالات بنيوية داخل النظام نفسه.

فالتضخم يتراوح بين 45 و50 في المئة، والريال الإيراني فقد جزءا كبيرا من قيمته أمام العملات الأجنبية، فيما تتفاقم مشكلات دفع المعاشات التقاعدية، ويشعر الإيرانيون بإنهاك عام. وفي الوقت الذي يزداد فيه الناس فقرا يوما بعد يوم، تواصل نخب النظام والانتهازيون مراكمة الثروات، في ظل فساد مستشر يفاقم الشعور بالغبن.

وإلى جانب الأزمة الاقتصادية، أخفقت السلطات على مدى سنوات طويلة في معالجة مشكلات مزمنة، من بينها تلوث هواء طهران، لتضاف إليها اليوم أزمة الجفاف. في المقابل، وجهت الموارد الشحيحة للبلاد إلى برامج تسليح متعددة، دمر كثير منها إلى حد كبير نتيجة هجمات نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل.

لا يمكن فصل ما يجري في إيران، عن سياق أوسع من التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط. فسياسات النظام الإقليمية والدولية أكسبته عبر السنين أعداء كثرا، إلى حد أن سقوطه المحتمل لا يبدو حدثا يثير تعاطفا يذكر على المستوى الدولي

ولا يمكن فصل ما يجري في إيران، عن سياق أوسع من التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط. فسياسات النظام الإقليمية والدولية أكسبته عبر السنين أعداء كثرا، إلى حد أن سقوطه المحتمل لا يبدو حدثا يثير تعاطفا يذكر على المستوى الدولي.

وفيما لا تزال تداعيات الأزمة السورية، ماثلة في أذهان المنطقة والعالم، فإن القلق يتضاعف عند التفكير في الأثر المحتمل لانهيار إيران، التي تفوق سوريا بكثير من حيث عدد السكان والموارد الطبيعية، وهو ما يثير رجفة تتجاوز حدود الإقليم. ومن هنا، يبرز السؤال الأول، حول ما إذا كان النظام سيسقط فعلا، وما الكلفة التي قد تترتب على تغيير كهذا، قبل أن يطرح السؤال الأثقل وزنا، عن شكل المشهد الذي سيلي ذلك في حال تحقق.

في هذا السياق، أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل دعمهما الصريح للمحتجين الإيرانيين. وتبرز إيران، بموقعها على طرق التجارة والطاقة بين الشرق والغرب، وامتلاكها أحد أكبر احتياطيات النفط والغاز الطبيعي في العالم، بوصفها فرصة استثمارية جذابة أخرى للرئيس الأميركي دونالد ترمب، على غرار غزة وفنزويلا وغرينلاند.

وقد هدد ترمب بالتدخل، إذا أقدم النظام على قتل المحتجين، ودعا الإيرانيين إلى تصعيد تحركاتهم، غير أن تصريحاته الأخيرة عن امتلاكه معلومات، تفيد بأن عمليات القتل توقفت، ولا توجد خطط للإعدامات أثارت قدرا من الضبابية بشأن نياته الحقيقية.

رويترز
امرأة إيرانية تسير في أحد شوارع طهران، إيران، 15 يناير 2026.

وفي موازاة ذلك، تتردد مزاعم عن أن دبلوماسية القنوات الخلفية، أفضت إلى تراجع إيراني أمام بعض المطالب الأميركية. وتفيد مصادر أميركية ووسائل إعلام مطلعة بأن الرئيس الأميركي ما زال يدرس خياراته، مع ترجيح بأن يقتصر أي تدخل عسكري محتمل على عملية محدودة ودقيقة، بدلا من محاولة غزو شاملة.

غير أن الولايات المتحدة، المثقلة بأعباء في فنزويلا ومناطق أخرى، تدرك أن أي مواجهة قد تخرج عن السيطرة. فإذا قاومت إيران وشنّت هجوما مضادا، قد تنزلق واشنطن إلى صراع طويل بعواقب غير متوقعة تمتد آثارها إلى المنطقة وما وراءها.

وفي هذا الإطار، نقل عن مسؤول إيراني كبير قوله إن بلاده ستشن هجمات على قواعد أميركية في السعودية والإمارات وتركيا، إذا تعرضت لضربة أميركية. وعلى سبيل الاحتراز، سحبت الولايات المتحدة بعض أفرادها العسكريين من قاعدة العديد الجوية في قطر، وهي أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

أما إسرائيل، فتسعى بوضوح إلى تغيير النظام في إيران، وتأمل أن يحل محله حكم صديق يعيد إلى الأذهان مرحلة الشاه. في المقابل، دعت السعودية والكويت وعمان ودول أخرى في المنطقة إلى ضبط النفس، خشية تداعيات سلبية قد تنجم عن تدخل عسكري أو حرب، وأكدت أنها لن تسمح باستخدام أراضيها في أي عمليات عسكرية.

وتبرز تركيا بين الدول الأكثر قلقا. فعلى الرغم من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تربطها بإيران، فإن البلدين يتنافسان إقليميا في الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى، وهو تنافس ظهر بوضوح خلال الأزمة والحرب الأهلية في سوريا.

وترى أنقرة، شأنها شأن دول إقليمية أخرى، أن التدخل العسكري سيخلّف عواقب سلبية، وتخشى من تدفق موجة جديدة من الهجرة الجماعية، ومن تفجر مشكلة كردية شبيهة، بما حدث في العراق وسوريا، فضلا عن تعطل إمدادات الطاقة. ويضاف إلى ذلك هاجس قيام حكومة إيرانية جديدة صديقة لإسرائيل، وهو احتمال لا يبعث على الارتياح في تركيا.

من حيث المبدأ، يبدو التغيير من داخل النظام عبر انتخابات حرة تتيح للإيرانيين اختيار من يدير شؤون البلاد هو المسار الأمثل. غير أنه من الصعب تصور قبول أركان النظام المتشددة والمخلصين له التخلي عن السلطة بسهولة

وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية هاكان فيدان، إن هناك تلاعبا من الخارج، وذكر إسرائيل بالاسم، معتبرا أنها لن تحصل على النتيجة التي تتوقعها من الاحتجاجات في إيران، في إشارة يمكن فهمها على أنها تشكيك في احتمال سقوط النظام.

وأجرى فيدان اتصالين هاتفيين مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال أربع وعشرين ساعة، إلى جانب اتصالات مع السفير الأميركي لدى أنقرة توم باراك، في ما يمكن اعتباره مساعي دبلوماسية تركية لاحتواء التصعيد وتهدئة الوضع.

أ ف ب
رفع المتظاهرون لافتات وأعلاماً إيرانية خلال مظاهرة لدعم المسيرات الحاشدة في إيران، في لاهاي في 10 يناير 2026.

وتستحضر هذه المقاربة التركية موقف أنقرة من سوريا في عام 2011، حين حثت، بوصفها دولة مجاورة، نظام الأسد على تنفيذ إصلاحات والإصغاء إلى مطالب المحتجين، والكف عن استخدام القوة، غير أن النظام آنذاك اختار المراوغة.

من حيث المبدأ، يبدو التغيير من داخل النظام عبر انتخابات حرة تتيح للإيرانيين اختيار من يدير شؤون البلاد هو المسار الأمثل. غير أنه من الصعب تصور قبول أركان النظام المتشددة والمخلصين له التخلي عن السلطة بسهولة.

وفي المقابل، تبدو المعارضة الإيرانية شجاعة ومصممة، لكنها تعاني غياب جبهة سياسية موحدة، وافتقارها إلى شخصية قيادية جامعة. وفي هذا الفراغ، دعا بعض المتظاهرين إلى عودة رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، والمقيم في الولايات المتحدة، الذي نشط أخيرا في محاولة لتقديم نفسه قائدا ومنقذا.

ورغم احتمال أن يضطلع رضا بهلوي بدور ما، يصعب تصديق أن غالبية الإيرانيين، حتى مناهضي النظام، يرغبون في استبدال حكم الملالي بنظام وراثي مكروه أطاحه الإيرانيون قبل ستة وأربعين عاما. ومع ذلك، تبقى كل السيناريوهات مفتوحة، في ظل تشابك صراعات القوى الداخلية والدولية.

font change

مقالات ذات صلة