الكاتب النروجي يون فوسه الحائز جائزة نوبل لـ"المجلة": لغتي هي وطنيhttps://www.majalla.com/node/329277/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B1%D9%88%D8%AC%D9%8A-%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%81%D9%88%D8%B3%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%A6%D8%B2-%D8%AC%D8%A7%D8%A6%D8%B2%D8%A9-%D9%86%D9%88%D8%A8%D9%84-%D9%84%D9%80%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D9%84%D8%BA%D8%AA%D9%8A-%D9%87%D9%8A-%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A
حين تجلس معه وتتحدث إليه، تشعر أنه إنسان عادي لا مبدع حائز جائزة نوبل في الأدب التي تعد حلم كل كتاب العالم. حتى هو نفسه، لم يكن يصدق أن أحدا سيريد نشر شيء يكتبه، فكيف بالوصول إلى جائزة نوبل؟
الروائي والمسرحي والشاعر النروجي يون فوسه، المولود في 29 سبتمبر/ أيلول 1959 في هاو غسوند، مدينة المهرجانات الثقافية والموسيقية في النروج، تحاوره "المجلة" لمناسبة زيارته الأولى للسعودية، استجابة منه لدعوة مركز الملك عبدالعزيز الثقافي- إثراء الذي اعتاد سنويا الاحتفاء بعقول نوبل.
مسرحيتك "أنا الريح" توحي لكل من قرأها بأن الصمت أخذ منك عقودا طويلة، فهل أعاد إليك شيئا في المقابل؟
بدأت بالكتابة مبكرا جدا، في سن الثانية عشرة تقريبا، بكتابة قصائد صغيرة وقصص قصيرة. لكن القصيدة، أو ما يمكن تسميته بالقصيدة، هي أساس كل ما أكتب. كتبت أول رواية نُشرت لي عندما كنت في الثالثة والعشرين، وكانت بعنوان "أحمر أسود"، وخلال الثمانينات نشرتُ روايات ومجموعات شعرية. ثم طُلب مني لاحقا كتابة مسرحية. لم أكن أنوي ذلك، ولم أرغب به، لكنني كنت أحاول أن أعيش ككاتب حر، وكان الأمر صعبا، وكنت في حاجة إلى المال. فجلست وكتبت أول مسرحية لي، "سيأتي أحد ما"، وكانت تجربة مدهشة، لأنني استطعت كتابة كلمة، ثم "صمت قصير"، "صمت طويل"، وهكذا... وفجأة أصبح في إمكاني خلق الصمت مباشرة على الورق.
لغتي "نينوشك" لغة أقلية تقاتل من أجل البقاء، لكنها لغة ذات تقليد أدبي كبير يعود إلى 1850 تقريبا
كنت أحاول، حتى عندما نضجت كتابيا، أن أصل إلى الصمت، أن أجعله يتكلم.
فهناك اللغة المكتوبة، ولكن هناك فوقها وتحتها لغة أخرى… لغة صامتة. وهذه اللغة الصامتة هي التي تقول الحقيقة. وفي المسرح كان تحقيق ذلك أسهل، رغم أنني لم أكن مهتما به أصلا. وأعتقد أنني نجحت في ذلك أيضا في الرواية. مترجمي الألماني يقول لي دائما إن التكرار في رواياتي يقوم مقام "الوقفات" في مسرحياتي، وأعتقد أنه محق، ففي النثر تُصنع الوقفات بالتكرار والاختلافات البسيطة.
(من اليسار) الممثلة السويسرية إيرين جاكوب، والممثلون الفرنسيون يان كوليت، وجوديث ماغر، وسيمون أينِه، أثناء بروفة لمسرحية «Rêve d'Automne» (حلم الخريف) للكاتب جون فوس، من إخراج دافيد جيري، في 23 سبتمبر 2008 على مسرح "أتينيه" في باريس
في مسرحيتي الأولى، استطعت الدمج بين التركيز والتوتر اللذين أستخدمهما في الرواية، وبين حرية الحركة الشعرية في الشعر الحر. وعندما جمعتهما، وجدت أن لدي صوتا مسرحيا خاصا. فكتبت العديد من المسرحيات لمدة 15 عاما، ثم قررت التوقف تماما. سئمت السفر وافتتاح العروض حول العالم.
البدايات
في عام 1981، أي قبل أربعة عقود من الآن، نشرت أول قصة قصيرة لك في صحيفة طلابية، هل أثرت تلك التجربة في مسيرتك الأدبية لاحقا؟
نعم. كنت أحب الكتابة، لكن لم يخطر لي يوما أنه يمكنني أن أصبح كاتبا أدبيا. ظننت أنني سأعمل صحافيا في صحيفة إقليمية. لكنني عندما فزت في مسابقة وأنا في العشرين، وكان ذلك أثناء دراسة الأدب في جامعة "بيرغن" شجّعني الأمر على كتابة رواية. كتبتها في سن العشرين، ونُشرت بعد ذلك في عام 1983. تلك الجائزة كانت دفعة كبيرة لي. بعدها أرسلت الرواية إلى دار نشر، ولدهشتي وافقوا على نشرها، وهذا فاجأني جدا.
الممثلتان أودريه بونيه (يسار) ودومينيك ريمون أثناء بروفة مشهد من مسرحية Visites (زيارات) لجون فوس، بإخراج ماري-لويز بيشوفبرغر، في 19 يوليو 2002 في أفينيون خلال مهرجان أفينيون
كيف تنظر إلى المسرح اليوم؟ وفي رأيك ما الذي يحتاج إليه كتّاب المسرح؟
كما قلت سابقا، لم أكن مهتما بالمسرح في بداياتي. عندما كتبت أول مسرحية كنت أشعر تقريبا بالكراهية تجاه المسرح. لكن اتضح لي أن لديّ قدرة ما على الكتابة المسرحية. فأصبحت كاتبا للمسرح، لا "رجل مسرح" وأنتجت مسرحياتي بكثرة — أكثر من ألف إنتاج، وترجمت إلى أكثر من 60 لغة. ورغم ذلك، بقيت بعيدا عن المسرح كحياة.
ولكن عندما دخلت إلى عالم المسرح وتعرفت على الممثلين والمخرجين، شعرت بأنني أنتمي إليه بصورة ما. وأدركت قيمة "اللحظة المسرحية": لحظة مكثفة وصامتة يشعر فيها الجميع أنهم يفهمون الشيء نفسه دون أن يُقال… في المجر يسمونها "مرور ملاك على الخشبة" هي لحظات ساحرة. وهذه بالنسبة إلي هي جوهر المسرح.
الرواية وأسئلة العمر
بين أولى رواياتك " أحمر أسود" الصادرة 1983 ومسرحياتك، وأعمالك السردية المبتكرة التي منحتك جائزة نوبل عام 2023، هناك أعمال كثيرة مثل السباعية التي عنيت بالهوية والحياة والفن والصمت... هل شعرت بعد كل هذا أن الرواية أجابت عن كل ما أثاره العمر في داخلك؟
لا، لا. أشعر أنني أنا… مجرد أنا. وعندما أكتب أحاول الهروب من نفسي، الابتعاد عنها، والدخول إلى عالم آخر، عالم النص. كل عمل روائي له "كونه" الخاص.
زيارتي للسعودية كانت استثناء، لأني شعرت أنها فرصة للتعرّف إلى الثقافة العربية
أستمع بما كتبته وبشيء آخر غير مكتوب. وفي مرحلة ما أشعر أن النص موجود مسبقا… في الخارج، لا في داخلي. وأنا فقط أسرع لكتابته قبل أن يختفي. إنها تجربة غريبة. ليست تعبيرا عني، بل عن شيء آخر. لكن ما هذا الشيء؟ لا أعلم. أشبه نفسي أحيانا بالرسام أو الموسيقي. اللوحة "تقول" شيئا ما، بصمت، لكن حتى الرسام لا يعرف بالضبط ما الذي تقوله. أحد رساميّ المفضلين هو مارك روثكو، لوحاته صامتة لكنها تتحدث إليّ بلا توقف. وآمل أن يصل أدبي إلى الآخرين بالطريقة نفسها.
تكتب بلغة نادرة، ينطق بها نحو نصف مليون إنسان فقط... هل كان ذلك خيارا متعمدا أم اختيارا مقصودا؟ وكيف كان سيختلف أدبك لو لم يُكتب بهذه اللغة؟
لغتي "نينوشك" مهمة جدا بالنسبة إلي، وربما هي الأهم في حياتي، إنها لغة أقلية تقاتل من أجل البقاء. لكنها لغة ذات تقليد أدبي كبير، وترتبط كثيرا بالنوردية القديمة، لغة الساغات، وبالإيسلندية. وفي الدول الإسكندينافية، السويد والنروج والدانمارك هي مفهومة، لذا أكثر من 20 مليون شخص قادر على قراءة "نينوشك" دون تعلمها.
غلاف الترجمة العربية لرواية "ثلاثية"
وليس من الصعب ترجمة أعمالي، لأن من يعرف السويدية أو الدانماركية يستطيع ترجمة "نينوشك" بسهولة. بالنسبة لي، هذه اللغة هي "الوطن". عشت في دول عديدة، لكن اللغة هي البيت الحقيقي.
في الثقافة العربية، لدينا أسطورة "وادي عبقر"، حيث يعلّم "الجن" الشعر لمن يبيت فيه. فيما قلت ذات مرة: "عفريت الكتابة لا يزال معي"، فهل ترى تشابها بين الأساطير والثقافات؟
أستطيع تفهم ذلك تماما. عندما أكتب، عليّ أن أتخلص من نفسي. أن أذهب إلى "مكان آخر"، إلى مكان مجهول. هذا ضروري كي أكتب شيئا جديدا لا أعرفه مسبقا. لا أعرف من أين يأتي النص، أعرف فقط أنه يمر عبر لغتي وصوتي، لكنه ليس مني. هو من ذلك "الصمت الأبيض" الذي يحيط بالكلمات. نحن لدينا في النروج كذلك أسطورة "الفوغسريم" عن عازفي الكمان الذين يجلسون قرب الشلال ليلا، فيأتيهم "نوكّن" وهو "مخلوق يعيش في الماء" ويعلمهم لحنه.
السعودية والثقافة العربية
أثناء زيارتك الأولى للسعودية، كيف رأيت الحركة الثقافية فيها؟
الأشخاص الذين التقيتهم هنا مثقفون جدا، واطلاعهم الأدبي واسع. لا أدّعي أنهم يمثلون الغالبية، لكنني أجريت معهم محادثات عميقة ومفيدة. لقد تعلّمت الكثير هنا. وبالطبع، لديكم تقليد أدبي عريق وكبير. وأعتقد أن جوهر "الشعرية" واحد في كل مكان.
الأدب العظيم شيء فريد تماما، لكنه في الوقت نفسه عالمي تماما. مثل الإنسان: كل فرد مختلف وله نوره الداخلي، لكنه أيضا يشترك في جوهر الإنسان العالمي.
مؤلفات للكاتب النروجي جون فوس معروضة في الأكاديمية السويدية في ستوكهولم بعد إعلان فوزه بجائزة نوبل للآداب لعام 2023، في 5 أكتوبر 2023
هل تطلع على الأدب العربي؟
لا أستطيع القول بذلك. في المناسبة، أنا الآن مترجم إلى أكثر من 60 لغة. أكثر ما أثر فيّ كان البيئة التي نشأت فيها: اللغة، البحر، صوت الأمواج، الإيقاع. ثم قراءاتي الأولى: كنوت هامسون، وتارجيه فيسوس. ثم لاحقا صمويل بيكيت، والشاعر النمساوي جورج تراكل، والفيلسوف هايدغر. أما الأدب العربي، فإلمامي به محدود، باستثناء "ألف ليلة وليلة" بالطبع.
الكاتب المسرحي النروجي جون فوس، الحائز جائزة نوبل للآداب 2023، يلقي كلمة خلال مأدبة نوبل في قاعة المدينة بستوكهولم في 10 ديسمبر 2023
جائزة نوبل
ما الأثر الذي تركته جائزة نوبل عليك؟
نوبل حلم لا يمكن أن يتخيله أي كاتب. لم أكن أصدق أن أحدا سيريد نشر شيء أكتبه - فكيف بالحصول على جائزة نوبل؟ لذا بالطبع أنا سعيد وممتن. لكنها أيضا عبء، لأنها تجلب حياة مليئة بالطلبات والتشويش.
أقول لكل كاتب تمسك بنفسك، واعمل كثيرا، واقرأ كثيرا، وثق بنورك الداخلي
والكتابة تحتاج إلى عزلة وصمت. عليّ أن أقول لا كثيرا، وهذا أمر مرهق. أما هذه الزيارة للسعودية فكانت استثناء، لأني شعرت أنها فرصة للتعرّف إلى الثقافة العربية حقا، فقد كانت زيارتي السابقة لمصر ذات طابع سياحي وليس ثقافيا.
الكاتب المسرحي النروجي جون فوس في منزله قرب فريخاوغ شمال بيرغن في 5 أكتوبر 2023، بعد منحه جائزة نوبل للآداب
ما رسالتك الى الكتاب حول العالم؟
أقول لكل كاتب تمسّك بنفسك، برؤيتك، وبلغتك. لا تخف من ثقافتك. أحب لغتي "نينوشك" وأثق بها. وعندما بدأت بالكتابة، حصلت على تقييمات سيئة للغاية. لو استمعت إليها لتوقفت. لكنني اخترت أن أثق بما أشعر أنه حقيقي في داخلي. وعندما جاء المديح والجوائز لاحقا، تعلمت أيضا ألا أستمع إلى ذلك كثيرا. الطريق هو ذاته: تمسّك بنفسك، واعمل كثيرا، واقرأ كثيرا، وثق بنورك الداخلي.