عن "ريفييرا غزة" المراد بناؤها على أنقاض الفلسطينيين

نموذج لكيفية إعادة تخيل الإبادة كفرصة استثمارية

REUTERS
REUTERS
شريحة بعنوان “New Gaza” خلال إعلان مبادرة “Board of Peace” على هامش منتدى دافوس 2026.

عن "ريفييرا غزة" المراد بناؤها على أنقاض الفلسطينيين

ليس ما يطرح اليوم تحت اسم "ريفييرا غزة" أو "غزة الجديدة" مجرد تصور عمراني أو حلم تنموي مؤجل، بل هو مشروع سياسي كامل، يعاد به تعريف الأرض والإنسان والعمران مع استبعاد واضح للسياق الفلسطيني. المشروع الذي روج له عبر عروض تقديمية أنيقة، وتحدث عنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي نصب نفسه رئيسا لما أسماه "مجلس السلام"، باعتباره على حد وصفه "عقارا رائعا على البحر"، وجرى تسويقه من قبل صهره جاريد كوشنر في دوائر رجال الأعمال، لا ينطلق من سؤال: كيف سيعيش الفلسطينيون؟ بل من سؤال واحد فقط: كيف يمكن تحويل غزة إلى منتج ومشروع استثماري؟

تجريد غزة وتحويلها لعقار استثماري

في هذا المقترح، لا تقرأ غزة بوصفها مدينة مأهولة لها تاريخ كثيف من الحياة والعلاقات الاجتماعية والصراع والذاكرة، بل كموقع استثماري. إن هذا الخيال العمراني، يمحو غزة بوصفها مجتمعا، ويعيد كتابتها كمساحة فارغة قابلة لإعادة التشكيل، وكأن كل ما جرى خلال الأشهر الماضية لم يكن إبادة ممنهجة، بل عملية هدم وتفريغ ضرورية تمهد لما هو آت.

وحين تجرد المدينة من تعقيدها السياسي والثقافي والاجتماعي والإنساني، وتختزل بالفنادق، والفرص، والواجهة البحرية، والتطوير العقاري، فإن هناك لغة سوق وفعلا تجاريا يقصي السكان الأصليين، ويقدمهم بصورة مجردة بكونهم مستفيدين ومستهلكين محتملين.

الفلسطيني في هذا التصور لا يظهر كفاعل سياسي، ولا كصاحب حق في المكان، بل كعنصر فائض يجب التعامل معه إداريا. تنزع عنه إنسانيته وإرادته، ويجرد إلى كتلة سكانية تخضع لإجراءات سلطوية تتضمن الفرز، والنقل، والاحتواء، والإدارة.

فوفقا لتفاصيل واردة حول هذا الإعلان، فقد تقرر أن يخضع الفلسطينيون لعملية فرز إسرائيلي، يحدد على أساسها من يحق له الإقامة في القرى والمجمعات السكنية المغلقة المزمع بناؤها. وهو ما يتضمن إقصاء ممنهجا للسكان الأصليين بتقرير مصيرهم حول من يسمح له بالبقاء ومن يقصى.

الفلسطيني في هذا التصور لا يظهر كفاعل سياسي، ولا كصاحب حق في المكان، بل كعنصر فائض يجب التعامل معه إداريا

فضلا عن ذلك، فإن فكرة المجمعات السكنية المغلقة والمراقبة هو شكل محدث لسجن غزة، والذي سيدار عبر أنظمة سكن مشددة، وتصاريح، وخدمات مشروطة. بهذا المعنى، لا تبنى المدينة للفلسطيني، بل تبنى فوقه. يطلب منه أن يتكيف مع شكل لم يشارك في تصوره، ومع نظام حياة لم يختره، ومع مدينة لا تشبهه. التخطيط هنا لا ينطلق من أسئلة الحياة اليومية: كيف يعيش الناس؟ كيف يعملون؟ كيف يتجاورون؟ بل من أسئلة السيطرة: أين يجب أن يكونوا؟ كيف يمكن ضبطهم؟ كيف يجب إسكاتهم؟ وكيفية الحيلولة دون أن يتحولوا مجددا إلى مشكلة سياسية؟

AP Photo/Abdel Kareem Hana
مشهد الدمار في شوارع خان يونس بعد العمليات العسكرية

المدينة المقترحة لا تستند إلى تاريخ المكان، ولا إلى ثقافته، ولا إلى ذاكرته الجمعية. لا أثر فيها للأحياء التي مسحت، ولا للأسماء، ولا لشبكات القرابة، ولا لاقتصاد العيش الذي تشكل عبر عقود من الحصار. هي مدينة تستورد كفكرة جاهزة، وتركب فوق أرض جردت من معناها. مدينة لا تصمم انطلاقا من الواقع الفلسطيني، بل من خيال المستثمر: واجهات بحرية، أبراج، فنادق، ومساحات استهلاك.

لهذا، تبدو "غزة الجديدة" مدينة بلا طابع فلسطيني، بلا إيقاع حياة حقيقي، بلا علاقات اجتماعية متجذرة. هي واجهة مصقولة، تخفي خلفها فراغا عميقا: فراغ المعنى، وفراغ الحق، وفراغ المشاركة. إنها مدينة تعامل السكان كأنهم عائق أمام العمران، لا شرط لوجوده. وهذا، في جوهره، يعكس منطقا استعماريا قديما، يعاد إنتاجه اليوم بلغة معاصرة: أرض بلا شعب، أو شعب يجب جعله غير مرئي كي تصبح الأرض قابلة للاستثمار.

من المواطنة إلى الإدارة السكانية

الأخطر في مقترح "غزة الجديدة" ليس شكله المستقبلي، ولا لغته الاستثمارية التسويقية، بل منطق الهيمنة المتضمن في سياسته: الانتقال من فكرة المواطنة إلى منطق الإدارة السكانية. في هذا التصور، لا ينظر إلى الفلسطينيين كجماعة سياسية لها حق تقرير المصير، ولا كأصحاب أرض ومدينة، بل ككتلة بشرية يجب تنظيمها، وتوزيعها، والتحكم بحركتها ووجودها. تكشف اللغة المستخدمة هذا التحول بوضوح. الحديث لا يدور عن أحياء، أو مدن مفتوحة، أو نسيج حضري قابل للحياة، بل عن مجمعات سكنية مغلقة، وقرى نموذجية، وعملية استيعاب للسكان بعد فرزهم من قبل جهات إسرائيلية.

REUTERS
دمار غزة كما يُرى من الجانب الإسرائيلي للحدود

هذه المصطلحات بالمجمل لا تنتمي إلى قاموس التخطيط المدني والحضري بقدر ما تنتمي إلى قاموس السيطرة. إنها تعيد إنتاج مفردات استخدمت تاريخيا في سياقات عسكرية، كالمعسكرات والمحميات ومناطق الاحتواء، حيث يعزل السكان، ويحدد لهم مكانهم، وتدار حياتهم من الخارج. حتى في سياق الفعل الحضري، هذا ليس تخطيطا عمرانيا، لأن التخطيط في جوهره يفترض مشاركة السكان، والاعتراف بأنماط حياتهم، والبناء على شبكاتهم الاجتماعية والاقتصادية. أما هنا، فنحن أمام هندسة اجتماعية قسرية، تصمم مسبقا ثم يطلب من الناس التكيف معها. المدينة لا تنمو من الداخل، بل تفرض من الأعلى. لا تصاغ من التجربة اليومية، بل من مخططات جاهزة تفترض أن السكان مشكلة تقنية يمكن حلها بالتصميم.

الأخطر أن هذا العنف لا يقدم بوصفه عنفا، بل يغلف بلغة إنسانية ناعمة: إعادة إعمار، سكن لائق، حياة أفضل. لكن خلف هذه اللغة، يعاد ترتيب الحياة الفلسطينية على نحو يفرغها من بعدها السياسي والاجتماعي، ويحلها إلى مسألة إدارية خاضعة للضبط والمراقبة.

المدينة كأداة عقاب: مساومة العيش مقابل الخضوع

المعادلة الضمنية التي يقوم عليها مقترح "غزة الجديدة" واضحة، وإن لم تصرح صراحة، وهي قبول العيش وفق صورة يقررها آخرون من خارج المشهد، والقبول هنا يأتي في مساومة على الحياة. وحده الخضوع ما يمنع عن الفلسطيني الموت والتهجير والمحو البطيء.

تبدو "غزة الجديدة" مدينة بلا طابع فلسطيني، بلا إيقاع حياة حقيقي، بلا علاقات اجتماعية متجذرة. هي واجهة مصقولة، تخفي خلفها فراغا عميقا: فراغ المعنى، وفراغ الحق، وفراغ المشاركة

وفي هذا السياق، لا تقدم المدينة كحق طبيعي للسكان، ولا كامتداد لحياتهم السابقة، بل كبديل مشروط للنجاة. النجاة هنا لا تعني الحياة الكريمة، بل مجرد البقاء. هكذا يتحول السكن من فضاء للحياة إلى آلية تأديب. البيت لم يعد مكانا للخصوصية، أو للذاكرة، أو لإعادة بناء الذات بعد الكارثة، بل وحدة سكنية مضبوطة داخل نظام أكبر، يراقب الحركة، ويحد من الاجتماع، ويعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية بما يضمن الحد الأدنى من الاستقرار، لا الحرية.

AP Photo/Abdel Kareem Hana
فلسطينيون ينتظرون المساعدات الغذائية في خان يونس

ووفقا لهذا المنطق، تستخدم المدينة وسيلة لإكمال العنف بوسائل أخرى. فبعد أن يدمر المكان بالقوة، يعاد بناؤه بطريقة تمنع أهله من استعادته سياسيا أو اجتماعيا. المدينة هنا لا تعالج الجرح، بل تغلقه قسرا، وتطلب من السكان الامتنان بدل المطالبة بالعدالة. الأخطر أن هذا العقاب لا يقدم بلغة القهر، بل بلغة الرعاية. يقال للفلسطيني: نوفر لك سكنا، أمنا، خدمات. لكن ما لا يقال هو أن هذا السكن مشروط بالصمت، وهذا الأمن مشروط بالامتثال، وهذه الخدمات مشروطة بالتخلي عن أي حق في إعادة تعريف المكان أو مستقبله.

وما يحدث الآن في الواقع، ليس جديدا في التاريخ الاستعماري. الجديد فقط هو الواجهة. فالمنطق ذاته الذي حكم المعسكرات والمستعمرات ومدن إعادة التوطين، يعاد إنتاجه اليوم بلغة معاصرة، وبأدوات استثمارية، وبوعود حياة كاذبة.

مشروع موجه للمستثمرين لا للفلسطينيين

ما يجب قوله بوضوح هو أن مقترح "ريفييرا غزة" لا يخاطب الفلسطينيين أصلا. ليس لأنهم غائبون جسديا فقط، بل لأنهم مستبعدون بنيويا من الخطاب نفسه. اللغة، والوسيط، والمكان الذي يعرض فيه المشروع، كلها تكشف الجمهور المقصود: رجال الأعمال، صناديق الاستثمار، والنخب الاقتصادية العالمية التي تخاطب عادة في فضاءات مثل "المنتدى الاقتصادي العالمي". الفلسطيني هنا ليس المتلقي، بل الموضوع. ليس الشريك في التصور، بل العقبة التي يجب تجاوزها أو إدارتها كي يصبح الاستثمار ممكنا. تصمم هذه المدينة لا لتجيب عن أسئلة الناس الذين عاشوا في غزة، بل لتجيب عن أسئلة رأس المال والمستثمرين: هل المكان آمن؟ هل السكان قابلون للضبط؟ هل المخاطر السياسية تحت السيطرة؟

AFP – Mandel NGAN
قادة دول يشاركون ترامب توقيع ميثاق "Board of Peace" في دافوس 2026.

ما يحدث خطير ويحول القضية من كونها مسألة استعمار، وحرب إبادة، وحقوق مسلوبة، إلى كونها ملفا اقتصاديا قابلا للإدارة. فلسطين، في هذا الخطاب، لا تقرأ كقضية عدالة، بل كسوق ناشئة بعد الكارثة. وعليه، لا يكون تغييب الفلسطينيين خللا في المشروع، بل شرطا لنجاحه. فوجود شعب له مطالب سياسية، وذاكرة، وحقوق تاريخية، يربك الاستثمار.

هذا العنف لا يقدم بوصفه عنفا، بل يغلف بلغة إنسانية ناعمة: إعادة إعمار، سكن لائق، حياة أفضل. 

فلسطين، في هذا المقترح المعلن حول غزة، لا تقدم بوصفها وطنا جريحا يحتاج إلى عدالة، بل بوصفها أرضا جاهزة لإعادة التسويق. وهذا ما يجعل المشروع، في جوهره، ليس مقترح إعمار، بل مقترح نزع سياسي مغلف بلغة الاستثمار.

من التطهير العرقي إلى التنمية: تغيير اللغة لا الجوهر

صحيح أن خطاب التطهير العرقي الصريح تراجع لغويا في السنوات الأخيرة، لكن ما تغير هو اللغة فقط، لا المنطق. لم يعد يقال علنا إن غزة يجب أن تفرغ من سكانها، لكن يقترح بدلا من ذلك نموذج تنموي يفترض، ضمنيا، أن الفلسطينيين إما فائضون عن الحاجة، وإما قابلون لإعادة التشكيل بما يخدم تصورا جديدا للمكان. الفرق الجوهري هنا هو الانتقال من الإفراغ بالقوة المباشرة (القصف، التهجير، التدمير) إلى الإفراغ بالسياسات (التخطيط، الاقتصاد، إعادة الإعمار المشروط).

AFP – Egypt’s State Information Service
تشكيل اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية لإدارة غزة في القاهرة

لم يعد السلاح وحده هو الأداة، إنما أصبحت المدينة نفسها أداة. التخطيط يحل محل الدبابة، والاستثمار يحل محل الجندي، واللغة الإنسانية تحل محل الخطاب العنصري الصريح.

تستخدم الخدعة اللغوية الجارية مفردات مثل التنمية، إعادة الإعمار، الاستقرار، والحياة الأفضل، وذلك لإخفاء حقيقة أن ما يقترح هو إعادة ترتيب المكان بطريقة تمنع عودة الفلسطيني إلى موقعه السياسي. التنمية هنا لا تعني تمكين المجتمع وإعادة بناء ما دمر، بل بناء شيء آخر، لشعب آخر، أو على الأقل وفق منطق لا يسمح لأصحاب المكان الأصليين باستعادة علاقتهم به. بهذا السياق، تصبح التنمية شكلا متقدما من أشكال السيطرة. فهي لا تحتاج إلى إعلان نية الإقصاء، بل تترك النتائج تتكفل بذلك. حيث مدينة لا يمكن العودة إليها، أحياء لا تشبه سكانها، وشروط عيش لا تتناسب مع أنماط الحياة الفلسطينية للغزيين، بالإضافة إلى اقتصاد يقصي الناس تدريجيا من المكان الذي يفترض أنه يعاد بناؤه لهم.

REUTERS
آليات عسكرية إسرائيلية تمر بمحاذاة الدمار في غزة

الأخطر أن هذا التحول يسمح للعنف بأن يقدم بوصفه عقلانيا، تقنيا، ومحايدا. فبدل الحديث عن جريمة، يجري الحديث عن حل. وبدل السؤال عن المسؤولية، يجري النقاش حول الجدوى الاقتصادية. هكذا ينزع عن التطهير العرقي اسمه، من دون أن ينزع عنه أثره.

إن "ريفييرا غزة" ليست قطيعة مع منطق الإفراغ، بل تطوير له. هي محاولة لإنتاج واقع لا يحتاج إلى الطرد المباشر، لأن شروط الحياة نفسها تصبح طاردة. مدينة تبنى على أنقاض مدينة أخرى، ليس بهدف إعادة أهلها، بقدر ما لمنهجة عملية إقصاء ناعمة لهم.

لكن خلف هذه اللغة، يعاد ترتيب الحياة الفلسطينية على نحو يفرغها من بعدها السياسي والاجتماعي مدينة تبنى على أنقاض مدينة أخرى، ليس بهدف إعادة أهلها، بقدر ما لمنهجة عملية إقصاء ناعمة لهم

وعليه لا يمكن فصل المشروع الحالي عن سياق حرب الإبادة، مهما تغيرت لغته. يدخله العنف في مرحلة جديدة بدلا من إنهائه: مرحلة يدار فيها الإقصاء بهدوء، وبمخططات، وباستثمارات، وبوعود مستقبل لا مكان فيه للفلسطيني إلا بوصفه فائضا، أو حالة، أو ذكرى.

font change