ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة بعد 12 عاما... دورة كاملة للسياسة العراقيةhttps://www.majalla.com/node/329347/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AA%D8%B1%D8%B4%D9%8A%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%8A-%D9%84%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-12-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D8%AF%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9
لطالما حاول فلاسفة السياسة، تفسير تقلبات أنظمة الحكم في دورات التاريخ، واختلفوا في توصيف كيفية حدوثها. فأفلاطون كان يعتقد أن دورة أنظمة الحكم تسير بطريقة دائرية، أما مكيافيللي فكان يعتقد أنها تدور بطريقة لولبية، فهي لا تعود إلى نفس شكل نظام الحكم الذي بدأت منه.
بيد أنه لا أفلاطون ولا مكيافيللي عاصرا العملية السياسية في العراق، حتى يدركا أن دورة الحياة السياسية في العراق تدور في حلقة مفرغة، وتعيد إنتاج نفسها من دون تطور دائري أو لولبي. إذ بعد 12 عاما من تركه المنصب يعود نوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق، وزعيم ائتلاف دولة القانون إلى رأس السلطة التنفيذية مرة أخرى، بعد ملامح الاتفاق بين قوى الإطار التنسيقي على ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء.
بين الإجماع والقبول الوطني
يمكن أن نتخيله كمشهد درامي: بدأ اجتماع قوى "الإطار التنسيقي"، وبدأ حديث رئيس الوزراء المنتهية ولايته، ليُعلن تنازله عن الترشيح لمنصب رئيس الوزراء لصالح منافسه نوري المالكي. ويكون الخبر بمثابة صدمة وذهول واستغراب. لا أحد كان يتوقع هذه الخطوة من السوداني. ولكن الخبر وقع كالصاعقة على الجميع. وبعد لحظات تصنع الحاضرون ابتسامات وأعقبتها الصلوات والمباركة.
وهنا، كَسر الصمت والمباركة مقاطعة السيد عمار الحكيم، بحديث يدعو فيه إلى اشتراط توسيع دائرة قبول المكلف برئاسة الوزراء من إجماع "الإطار التنسيقي"، إلى اشتراط قبول الشركاء السياسيين في الفضاء الوطني. لم يعترض المالكي، وكأنه يتحدث بلغة الواثق: خذوا وقتكم. لا سيما أن التوقيتات الدستورية لم تدخل بعد في المرحلة الحرجة.
انتهى الاجتماع، وتناقلت الأخبار اتفاق قوى "الإطار التنسيقي" على تكليف نوري المالكي. وعندما تم تأريخ الخبر بأنه "قضي الأمر الذي فيه تستفتيان". بدأت الاعتراضات تصدر عن الحاشية المقربة من قيادات "الإطار"، وليس منهم مباشرة. واللافت في هذه الاعتراضات أنها لم تعلن الرفض الصريح لتكليف المالكي، وإنما بدأت تغلفها بأن طرح ترشيح المالكي موجود، ولكن حسم الموضوع لم يتم بعد.
رغم محاولات بعض ساسة "الإطار" الذهاب إلى إيران، وتأكيد أن الإجماع على المالكي لم يتحقق بعد، فإن التأكيد جاء مرة أخرى بأن طهران، ترحب بخطوات الاتفاق على تكليف نوري المالكي لتشكيل الحكومة القادمة
لم تنجح محاولات الأصدقاء-الأعداء داخل "الإطار التنسيقي" في رفض ترشيح المالكي للمنصب. ورغم أن الرفض لم يكن صريحا ومعلنا، إلا أنه كان يغطى تحت تبريرات ضرورة اقتران الترشيح بإقرار المرجع الأعلى السيد السيستاني، وزعيم "التيار الصدري" مقتدى الصدر، والشركاء في الفضاء الوطني، وكذلك المحيط الإقليمي. ولم يتأخر رد مكتب السيستاني كثيرا، وكان واضحا وصريحا بالرفض القاطع لزج اسم مرجعية السيستاني باختيار رئيس الوزراء. أما مقتدى الصدر فقطع الطريق أمام أي محاولة للتواصل معه، مؤكدا استمراره بمقاطعة العملية السياسية وخيارات القوى الفاعلة فيها.
بعض العناوين السياسية السنية، وربما بضغط من بعض حلفائهم داخل "الإطار التنسيقي" الشيعي، بدأت التلميح برفض ترشيح المالكي. ولعل أبرز تلك التلميحات في تغريدة على منصبة "إكس" في حساب محمد الحلبوسي رئيس حزب "تقدم"، يشير فيها إلى ضرورة مراعاة قوى "الإطار التنسيقي" لـ"القبول الوطني اللازم لتمرير المكلف... دون العودة لأيام عجاف مؤلمة من الأزمات والاضطرابات والفتن". وفي تغريدة أخرى، أعاد التذكير بحادثة هروب سجناء أبو غريب، والتي حدثت في فترة حكومة نوري المالكي الثانية، والتي ذكرها الحلبوسي بوصفها "حادثة هي الأغرب ومرّت بلا مساءلة وإدانة للمتسبب". لكن موقف رئيس حزب "تقدم"، لم ولن يكون حاسما ومبدئيا، وإنما سوف يتلاشى أمام إجماع قوى "الإطار التنسيقي" على ترشيح المالكي. أو ربما كان هو المحفز الرئيس لحدوث ذلك الإجماع.
البرلمان العراقي
ورغم لقاءات نوري المالكي التي كانت مستمرة برؤساء البعثات الدبلوماسية، والتي كانت تحت عنوان لقاء مع رئيس "ائتلاف دولة القانون"، فإنها بدأت تكثر بمجرد قرب حسم ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء. والأهم في تلك الزيارات أن الرسائل الأميركية بشأن تشكيل الحكومة القادمة، كانت مطروحة للنقاش في تلك اللقاءات.
وكذلك بدأت الأخبار تتواتر بأن رسالة وصلت من مكتب "الولي الفقيه" في إيران، تبارك خبر إجماع "الإطار التنسيقي" على اختيار مرشحهم. ورغم محاولات بعض ساسة "الإطار" الذهاب إلى إيران، وتأكيد أن الإجماع على المالكي لم يتحقق بعد، فإن التأكيد جاء مرة أخرى بأن طهران، ترحب بخطوات الاتفاق على تكليف نوري المالكي لتشكيل الحكومة القادمة.
كثرت التأويلات بشأن خطوة السوداني بالتنازل عن الترشيح لمنصب رئيس الوزراء لصالح المالكي. البعض عَدّها مناورة لإحراج الرافضين تكليفه، وجعلهم في حرج المواجهة مع المالكي. على أمل أن تعود حظوظه بالتكليف مرة أخرى بعد رفض المالكي
شراكة الكبار
كثرت التأويلات بشأن خطوة السوداني بالتنازل عن الترشيح لمنصب رئيس الوزراء لصالح المالكي. البعض عَدّها مناورة لإحراج الرافضين تكليفه، وجعلهم في حرج المواجهة مع المالكي. على أمل أن تعود حظوظه بالتكليف مرة أخرى بعد رفض المالكي.
آخرون فسروا خطوة التنازل، بأنها نتيجة لحالة اليأس التي وصل لها السوداني، باحتمالية حصوله على الولاية الثانية. ومن ثم، أن يكون هو من يختار رئيس الوزراء القادم أفضل من أن يكون مجرد رقم في التصويت على رئيس وزراء يختاره الآخرون، داخل "الإطار التنسيقي". وهناك من حاول الترويج لتنازل السوداني بأنه نوع من "الإيثار السياسي" لمصلحة الوطن.
لا أحد ينكر أن خطوة السوداني تعبر عن احترافية سياسية تحسب له، فهي مناورة صحيحة بعد أن وصل إلى قناعة تامة بأن طريقه أمام الحصول على الولاية الثانية مقطوع تماما. لذلك هو بقي بين خيارين إما القبول بالرفض، ورفع الراية البيضاء أمام خصومه داخل "الإطار التنسيقي" وخارجه، وإما الالتفاف على الرافضين من خلال تشكيل تحالف بين أصحاب المقاعد الأكثر داخل "الإطار".
اختار السوداني شراكة الكبار، ويكون أقطابها هو والمالكي ومن يلتحق بهم. هذه الشراكة على المدى القريب تُبقي السوداني ضمن لائحة "الزعامات" السياسية الشيعية، حتى بعد خروجه من المنصب التنفيذي الأعلى. وأيضا بترشيحه المالكي، سوف ينكسر عرف سياسي حاول الفاعلون السياسيون الشيعة ترسيخه، يقوم على أساس "لا عودة لمنصب رئيس الوزراء بعد مغادرته". ومن ثم، تبقى آمال السوداني في الدورات القادمة بالعودة إلى المنصب.
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يسير مع مسؤولين أمنيين خلال زيارة لقاعدة عين الأسد الجوية، عقب انسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، في محافظة الأنبار، العراق، 21 يناير 2026
تحالف المالكي والسوداني، قطع الطريق أمام الأطراف الهامشية، التي بدأت تعيش لحظات الغرور السياسي، من خلال فرض إرادتها على اختيار رئيس الوزراء. وتسوق للشارع بأنها هي من يحسم هذا الاختيار. لكن تحالف السوداني-المالكي سيكون كابحا لنشوة تمرير مرشح تسوية لمنصب رئيس الوزراء تكون مهمته إدارة صفقاتهم، وتوزيع مغانم الدولة بينهم.
رجل أزمة أم حل؟
يتميز نوري المالكي بأنه السياسي الذي غاب عن منصب رئيس الوزراء 12 عاما، ولكنه لم يغيّب عن الحضور السياسي. إذ على خلاف الأسماء الأخرى التي وصلت إلى المنصب التنفيذي الأعلى في البلاد، فإن نهايتها كانت بمجرد خسارتها فرصة العودة إلى رئاسة الحكومة. حتى وإن كانت حاضرة في اللقاءات والأوساط الإعلامية. إلا أن المالكي بقي فاعلا ومؤثرا في المشهد السياسي.
يقترن حضور التأثير السياسي للمالكي، بقدرته على البقاء ضمن دائرة الأضواء السياسية. وأيضا مؤهلاته الشخصية التي تمكنه من أن يكون دائما في واجهة الأحداث. وربما، استفاد المالكي كثيرا من عدم وصول شخصية سياسية إلى منصب رئيس الوزراء، تملك نفس مؤهلاته في إدارة المواقف السياسية. إذ كان المالكي بارعا في تسويق نفسه بأنه يقف في مواجهة جيوش من المحاربين والخصوم، حتى وإن كانت أغلب الجبهات معارك وهمية، لا وجود لها على أرض الواقع.
تنتظر الحكومة التاسعة منذ تغيير النظام 2003، الكثير من الظروف السياسية والأمنية وحتى الاقتصادية، والبيئة الإقليمية والدولية. وهذا يفرض على رئيس الوزراء القادم، جملة من التحديات تحتاج أفقا سياسيا جديدا يتجاوز أخطاء الماضي، ويتعامل مع الواقع الجديد بمرونة رجل الدولة الذي يقرأ التغييرات التي يحتاج الداخل لقراءتها للتكيف مع البيئة السياسية الخارجية إقليميا ودوليا.
تجربة المالكي في ثماني سنوات بالحكم، كان سلوكه السياسي فيها يميل إلى تمركز السلطة بيده. وكان يسعى إلى علو صوت السلطة التنفيذية على حساب بقية مؤسسات الدولة. وهو شخصيا كان يعتاش على الأزمات أكثر من محاولة حلها. ولكنه كان يجيد المناورات في تحييد الخصوم.
ولكن من المفارقات، أن المالكي سيدخل حلبة الصراع السياسي مع خصوم جدد. فخصومه القدماء بعضهم تحول إلى حليف سياسي تجمعه بهم مصالح مشتركة، مثل الزعيم الكردي مسعود بارزاني. أما غَرِيمه الشيعي السيد مقتدى الصدر، فاختار الانسحاب من العملية السياسية، وترك المالكي في مواجهة أصدقاء في العلن، خصوم في السر. وفي الساحة السنية اختفى خصوم المالكي السابقون مثل رئيس البرلمان الأسبق أسامة النجيفي، ووزير المالية الأسبق رافع العيساوي، ولا حتى صالح المطلك نائب رئيس الوزراء في ولاية المالكي الثانية.
إيران لم يعد لديها نفوذ على قرار دمشق. والفصائل المسلحة التي كانت تقاتل جنبا إلى جنب مع قوات نظام الأسد غادرت سوريا، ورجعت إلى قواعدها في العراق
2014 ليست 2026
ربما تتشابه 2014 مع 2026 بتطورات الأحداث على الحدود العراقية-السورية. ولكن سوريا اليوم يحكمها رئيس اسمه أحمد الشرع وليس بشار الأسد، وإيران لم يعد لديها نفوذ على قرار دمشق. والفصائل المسلحة التي كانت تقاتل جنبا إلى جنب مع قوات نظام الأسد غادرت سوريا، ورجعت إلى قواعدها في العراق. ومن ثم، التهديدات اختلفت، ولم يعد أفراد تنظيم "داعش" يقفون خلف الحدود بالآليات المسلحة، وإنما سيتم دخولهم إلى العراق كسجناء، وترتيب إجراءات محاكمتهم.
المعادلة السياسية في الداخل العراقي، هي الأكثر تعقيدا في 2026. فالمالكي الآن في مواجهة مع شركاء وخصوم جدد، إذ لم يتبق مع القدماء إلا السيد مسعود بارزاني رئيس "الحزب الديمقراطي الكردستاني" الذي ترك قطار التخاصم، والتحق بركب الحلفاء. في الساحة السياسية الشيعية سيكون عليه مواجهة شركائه داخل "الإطار" الذين يعملون بثنائية السلاح والسياسة، ولا يريدون التخلي عن السلاح حتى بعد زيادة حضورهم السياسي. وكذلك، سيكون في مواجهة صريحة مع الطامحين نحو تمركز زعامتهم السياسية، بعد انسحاب الصدر من حلبة السياسة. وهؤلاء إذا قبلوا بحصول المالكي على الولاية الثالثة، فهم يدركون أن استراتيجيته في الحكم هي تجويف محيطهم، وتهديد مناطق نفوذهم، وربما تهميش وجودهم السياسي.
حرس الحدود العراقي يقوم بدوريات على طول الحدود مع سوريا، في سنجار، شمال العراق، 22 يناير 2026
مباركة المرشد الأعلى في طهران لإجماع "الإطار التنسيقي"، لا أحد يمكن أن يتكهن باستمرارها من عدمه، لا سيما أن نظام الحكم في إيران، يواجه تهديد البقاء والاستمرارية، وتقلص نفوذه من أربع عواصم إلى عاصمة واحدة فقط وهي بغداد، وتنافسها عليها الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترمب.
واشنطن، اختارت في عهد الرئيس ترمب تقليص الوجود العسكري، وتوسيع النفوذ السياسي. وفي بغداد سيكون حاضرا المبعوث الخاص للرئيس الأميركي مارك سافايا، ومهمته مواجهة النفوذ الإيراني في العراق ومحاربة أذرعه. وهو يحمل في اليد اليمنى ملفات حصر سلاح الفصائل المسلحة، وفي اليسرى ملفات نفوذ إيران الاقتصادي وسيطرتها على موارد الدولة.
ولذلك، ستكون مهمة رئيس وزراء العراق التاسع، أشبه بالمهمة الصعبة والمعقدة، ولكنها ليست مستحيلة.