قراءة في الذاكرة المعمارية للمدينة العربية... القاهرة نموذجا

دور بارز لأنظمة الحكم في بناء الحواضر وتطويرها

shutterstock
shutterstock
مدينة القاهرة

قراءة في الذاكرة المعمارية للمدينة العربية... القاهرة نموذجا

في ورقة بحثية حملت عنوان "من بغداد إلى لندن: الكشف عن التطوير المدني في أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا 88-1800" From Baghdad to London: Unraveling Urban Development in Europe, the Middle East, and North Africa, 800–1800 قارن باحثون بين المدينة العربية في العصر الذهبي والمدن الأوروبية، التي كانت في التوقيت نفسه تعايش عصورها المظلمة الوسطى، وكان المثير للانتباه في هذه الورقة أن المدينة العربية في نواح كثيرة كانت متفوقة تماما على المدن في أوروبا، حتى مع كونها مدنا داخلية لم تستفد من إطلالتها على البحار أو الأنهار في التجارة.

ففي الوقت الذي كانت فيه مدن أوروبا، كلندن، لا تزال بلدات صغيرة، كانت بغداد تحولت سريعا إلى متروبوليس عالمية يقطنها مئات آلاف البشر، تتشابه في ذلك مع مدن عظمى، كالقاهرة ودمشق وقرطبة، التي ظلت مراكز للقوة الاقتصادية والثقافية حتى عام 1200.

هذا التفوق كان جليا في معدل التمدن الذي بلغ حينها في الشرق الأوسط ثلاثة أضعاف نظيره الأوروبي، وكان الدور الحاسم في نمو هذه المدن يعود إلى كونها عواصم كانت تستقطب الثروة والنشاط الاقتصادي بفضل تركيز الإنفاق العام وتركز الامتيازات الملكية فيها.

لم يقتصر هذا الازدهار المدهش على حجم المدن فحسب، بل تجسد في قيام نظام حضري متكامل ومترابط جدا استمر حتى القرن العاشر، وولد هذا الترابط من رحم الوحدة السياسية تحت لواء حكم واحد، وسيادة اللغة العربية التي وحدت هذه الشعوب، فضلا عن المشتركات الثقافية والدينية، مما أسس فعليا لمنطقة تجارة حرة واسعة عززت التبادل والتفاعل الحضاري بين الأقطار الإسلامية المترامية.

هذا التحول جعل هناك مركزا آخر للمدينة بجانب المسجد، ألا وهو مقر الحكم، الى درجة أن كثيرا من المدن خططت أساسا بناء على موقع قصر الحاكم

ربما تعيدنا هذه الورقة البحثية إلى قول ويل ديورانت في كتابه "قصة الحضارة"، عندما تناول المدن الإسلامية: "كانت تقوم في أماكن متفرقة من الأقطار الإسلامية مدن كبيرة ارتقت فيها الحضارة الإسلامية إلى أعلى درجات الجمال والمعرفة والسعادة".

يحتل عمران المدينة الإسلامية مكانة خاصة في بحوث المهتمين بالعمارة وتطور المجتمعات، نظرا لتطوره المستمر وتأثره بالعديد من العوامل التي بدراستها يمكننا وضع صورة شبه مكتملة للمجتمعات العربية في العصور الأقدم، ويمكننا أيضا فهم دوافع تغير المدن العربية، وهو التغير الذي نعيش نحن اليوم نتائجه.

أسس التكوين والروح الجامعة للمدينة الإسلامية

يؤكد الباحث رياض حسن، في ورقة بحثية تتناول نشأة المدينة الإسلامية وتطورها، حملت عنوان Islam and urbanization in the medieval Middle-East، أن الاستقرار كان هدفا اجتماعيا في الفكر الإسلامي المبكر، إذ شجعت الشريعة الإسلامية العرب على التوطن في المدن، تمهيدا لبناء حضارة راسخة. وقد لعب الجامع دورا محوريا وأساسيا في نشأة المدن الإسلامية الجديدة. فبما أن إقامة صلاة الجمعة تتطلب وجود استقرار دائم وتجمعا سكانيا لا يقل عن أربعين رجلا، فقد مثلت هذه المتطلبات حينها "شروطا حضرية" دعت إلى تأسيس المدن. وبفضل هذا الدور، تحول الجامع سريعا ليصبح مركزا شاملا للحياة السياسية، والاجتماعية، والفكرية، والقضائية، مما عزز التضامن المجتمعي ووحدته.

وفي جوهر هذا التحول، نجح الإسلام في استبدال الرابطة الدينية القائمة على العقيدة مكان الروابط التقليدية القائمة على القبيلة والقرابة، موفرا بذلك أساسا متينا للتنظيم الاجتماعي الجديد.

تأثرت المدن العربية على اختلافها قبل الإسلام تأثرا عميقا بالعوامل السياسية والاجتماعية، فكان من الطبيعي أن توجد بعض التأثيرات الأجنبية في معمار وأسس هذه المدن، ثم جاء الإسلام وتغير شكل المدينة، فبدأت المدينة في صدر الإسلام بالمسجد كمركز لها جامع لأهلها، لا فرق فيه بين الحاكم والمحكوم. ثم شهدت المدن العربية تحولا جذريا بانتهاء عصر الخلفاء الراشدين، واتساع الفتوحات الإسلامية التي ذهبت بالعرب الى أبعد من الجزيرة العربية، والى بلدان كان فيها أنظمة مدنية وحضارية قديمة تسبق زمن الإسلام، وهي في الوقت نفسه مختلفة. هذا التحول جعل هناك مركزا آخر للمدينة بجانب المسجد، ألا وهو مقر الحكم، الى درجة أن كثيرا من المدن خططت أساسا بناء على موقع قصر الحاكم، والقاهرة هي أوضح مثال على هذا.

AFP
صورة غير مؤرخة لجنود بريطانيين من فرقة الـ"هايلاندرز" وهم يعزفون على آلة القِربة (مزمار القِربة) أمام قلعة القاهرة في مصر

ومع تحول مسار الدولة نحو التجارة، أصبحت الأسواق وورش الصناعة ركائز العمران المحورية، لتدفع حركة الأموال والبضائع ولتزدهر بالتزامن معها الحرف والصناعات. وفي سياق هذا النشاط الاقتصادي، ازدهر التعايش السلمي، فتجاورت الديانات وتحاورت الثقافات والطوائف بانسجام.

لخدمة هذا النسيج المعقد، انتظمت مصفوفات لا حصر لها من المرافق العامة، شملت المؤسسات العلمية والمنشآت الصحية والدوائر الحكومية التي تعمل لخير الجميع. ورغم تباين المدن وتنوعها عبر العصور، فإن ما يوحدها هو تطورها الرائع الذي كان بالفعل يسبق عصرها، وربما القاهرة هي المثال الأوضح والباقي لتخطيط المدينة العربية، وكيف تغيرت على مر الزمن.

قاهرة الفاطميين: مدينة الخلافة المسورة

في كتابه "تخطيط القاهرة وتنظيمها منذ نشأتها"، يتحدث الأثري المرحوم حسن عبد الوهاب عن عمران القاهرة في العصر الفاطمي، وهي المدينة التي تعد دليلا حيا وباقيا على دقة فائقة في التخطيط، ولو كان يغلب عليها اليوم بعض العشوائية نتيجة تمدد البشر على مساحتها القديمة. إذ أنها أنشئت في البداية لتكون مقرا خاصا بالخلافة الفاطمية وحاشية الخليفة وجنده، في ما يشبه ببساطة بيتا كبيرا أو مجمعا سكنيا ضخما وفاخرا للخليفة وحاشيته بحجم مدينة، قبل أن تتطور مع الزمن لتصبح مركزا حضريا ذا طابع متميز.

تميز الطابع المعماري للقاهرة الفاطمية بلمسة من العظمة والفخامة، ففاقت أبنيتها المدن المصرية الأخرى ارتفاعا وضخامة

في سنة 358هـ/ 969م ولدت هذه المدينة على يد القائد جوهر الصقلبي بأمر من الخليفة المعز لدين الله، وقد ارتكز التخطيط الأولي للقاهرة على محورية السلطة، فشيد القصر الشرقي الكبير ونظيره الغربي الصغير، وبينهما انبسط ميدان بين القصرين الفسيح، الذي صمم خصيصا ليكون مسرحا لاستعراضات الجيش.

أما التنظيم السكاني، فقد اعتمد نظام "الخطط"، إذ قسمت المدينة حارات محكمة، خصصت كل منها لمجموعة سكانية معينة، كحارة الروم وزويلة والبرقية، وكل ذلك أحيط بسور وخندق حصين في الجهة الشمالية لحماية المدينة وساكنيها.

وفي الواقع، تميز الطابع المعماري للقاهرة الفاطمية بلمسة من العظمة والفخامة، ففاقت أبنيتها المدن المصرية الأخرى ارتفاعا وضخامة، وقد وصفها الرحالة ناصر خسرو عام 1049 وكأنها جبل شامخ عند النظر إليها من الخارج، وذلك لغلبة الأبنية التي كانت تتألف غالبا من خمس أو ست طبقات على المشهد في مداها، مؤكدا حصانة قصورها وقوتها. وفي قلب هذا النسيج العمراني، كان الجامع الأزهر يمثل منارة العلم التي أنشئت بالتزامن مع ميلاد المدينة.

لم يقتصر اهتمام الخلفاء على المدينة وداخلها، بل استغلوا أطراف القاهرة وشواطئ النيل لإنشاء الحدائق والمناظر الخلابة في شبرا والجزيرة، وقد شهدت المدينة توسعا حضريا في عهد الوزير بدر الجمالي عام 1087، عندما سمح بإنشاء أحياء جديدة خارج السور القديم، في ما عرف بـظاهر القاهرة، كما اتخذت إجراءات بيئية استباقية لحماية القاهرة، كأمر الحاكم بأمر الله بنقل الأنقاض التي يخلفها البناء إلى منطقة تتجمع فيها "الكيمان"، وذلك للاستفادة منها بحماية المدينة من أخطار السيول.

غلاف كتاب "تخطيط القاهرة وتنظيمها منذ نشأتها"

ولم تغفل القاهرة الفاطمية عن وضع نظم متقدمة للخدمات الحضرية لضمان جودة الحياة، فكان ذلك العصر شاهد ميلاد إنارة شوارع المدينة ومساجدها، إذ ألزم الخلفاء أصحاب الدور والدكاكين وضع القناديل لإنارة الطرق والأزقة ليلا. كما أرسيت إجراءات للأمن والسلامة، أبرزها أمر الحاكم بوضع أوعية الماء أمام الحوانيت لمواجهة خطر الحرائق بشكل فوري. وكان لـلمحتسب دور حيوي وفاعل في ضمان النظام العام، من خلال الرقابة على العمران، ومنع ما يضر بالمارة، كبروز أنابيب تصريف المياه (الميازيب) بشكل زائد، ومراقبة السلوكيات في الأماكن العامة. وبهذا ترسخت حقيقة القاهرة الفاطمية كمدينة ملكية تجمع بين العمارة الشاهقة والمساحات المفتوحة المعدة للاستعراض، والخدمات العامة المنظمة بعناية فائقة من إنارة وحماية بيئية وأمن.

قاهرة الأيوبيين: عندما أصبحت القاهرة لكل المصريين

شهدت القاهرة في العصر الأيوبي تحولا معماريا جذريا، إذ تخلت عن طابعها الملكي المحاط بالأسوار لتصبح المدينة الكبرى المفتوحة، وذلك بفضل سياسات صلاح الدين الأيوبي التي تبنت الانفتاح العمراني، فكان هو أول من فتح المدينة وسمح بالبناء في داخلها، خاصة أنه شرع في بناء قلعة الجبل التي ستصبح في ما بعد مقر إقامة سلاطين الأيوبيين من بعد صلاح الدين، ثم المماليك من بعدهم.

اتصلت القاهرة بالفسطاط لتغدو كيانا حضريا واحدا مترامي الأطراف ولتصبح الفسطاط منذ ذلك الوقت إحدى ضواحي المدينة بعد أن كانت عاصمة

هكذا اتسعت رقعة المدينة بشكل لافت، مدفوعة بتغيرات طبيعية كتحول مجرى النيل الذي أتاح أراضي جديدة للبناء. لكن الحدث الأبرز الذي أعاد تشكيل المشهد الحضري هو حريق الفسطاط عام 1168م الذي دمر المدينة كلها عدا مسجد عمرو، مما أدى إلى موجة هجرة قسرية نحو القاهرة، فازدادت كثافة عمارتها وتجددت معالمها بدفق سكاني جديد. ونتيجة لهذا التوسع الهائل، اتصلت القاهرة بالفسطاط لتغدو كيانا حضريا واحدا مترامي الأطراف ولتصبح الفسطاط منذ ذلك الوقت إحدى ضواحي المدينة بعد أن كانت عاصمة وهكذا امتدت القاهرة من العباسية شمالا إلى بركة الحبش جنوبا، ومن شواطئ النيل غربا إلى جبل المقطم شرقا، متجاوزة بذلك أسوارها الفاطمية القديمة، لتصبح حاضرة جامعة تضم مراكز الحكام والمحكومين معا.

shutterstock
منظر جوي لوسط مدينة القاهرة ونهر النيل

استمرت جهود تجميل المدينة، فتم العمل على إزالة "الكيمان"، أو تلال الأنقاض المتبقية من البناء والهدم، التي كانت تستخدم كمصدات للسيول عن القاهرة ذات الأسوار في زمن الفاطميين. لكنها، وباتساع القاهرة، أصبحت تحجب الهواء وتشوه المنظر، وهكذا تحولت هذه المناطق إلى ميادين عامة ومتنزهات، أضافت إلى العاصمة بعض الرحابة والمساحة الإنسانية.

قاهرة المماليك: حاضرة الدنيا وكرسي الملك

يقول المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار"، واصفا قاهرة المماليك وتنوع أبنيتها الذي يعني بالضرورة تشعب الحياة لسكانها: "كانت تشتمل على البساتين والمناظر والقصور والدور، والرباع والقياسر والأسواق، والفنادق والخانات والحمامات، والشوارع والأزقة والدروب، والخطط والحارات والأحكار ، والمساجد والجوامع والزوايا والربط، والمشاهد والمدارس والترب والحوانيت".

غلاف كتاب "المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار"

وفي الواقع، يمثل زمن المماليك عصرا ذهبيا في تاريخ العمران القاهري، إذ  تحولت العاصمة من مجرد مدينة ملكية إلى حاضرة كبرى مترامية الأطراف، اتسمت بتطور معماري وتوسع هائل، ولا سيما في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون الذي يقدر ازدياد رقعتها العمرانية في عهده بنحو خمسين في المئة. فقد تحولت شوارع المدينة الى لوحة فنية حية وملونة قوامها المعمار العظيم الشاهق في المدارس والجوامع والقصور والبيوت والأسبلة وغيرها من المنشآت العامة، وملابس القاهريين زاهية الألوان، وحركة التجارة الضخمة التي كانت تأتي بصنوف البشر وألسنتهم وملابسهم الغريبة وهيئاتهم المختلفة إلى القاهرة،

وقد أولى السلاطين المتعاقبون، كالأشرف قايتباي وقانصوه الغوري، أهمية قصوى لتدعيم البنية التحتية للمدينة، فعملوا على توسعة الطرق الرئيسة وتعبيدها. ولأجل تسهيل حركة النقل، أمر السلطان بيبرس الجاشنكير ببناء جسر ضخم على النيل يربط القاهرة بالطريق الحيوي المؤدي إلى دمياط، بينما لعب المحتسب والشرطة دورا رقابيا فاعلا، إذ ألزم أصحاب الحوانيت تعبيد الطرق المقابلة لمحلاتهم لضمان سلامة المارة وتسهيل الوصول

مع هذا التمدد العمراني نشأت حاجة ملحة لتعزيز الأمن، فأنشئت بوابات جديدة للدروب والحارات لمنع السرقات، واتخذ السلطان الظاهر بيبرس إجراءات لإزالة المناظر المزعجة من الشوارع

ومع هذا التمدد العمراني، نشأت حاجة ملحة لتعزيز الأمن، فأنشئت بوابات جديدة للدروب والحارات لمنع السرقات، واتخذ السلطان الظاهر بيبرس إجراءات لإزالة المناظر المزعجة من الشوارع بجمع المعاقين والمحتاجين ونقلهم إلى مناطق مخصصة كالحسينية لتلقي الرعاية. وحرصت الدولة على صون السلامة العامة بفرض رقابة صارمة على المنشآت الآيلة للسقوط، حتى وصلت الرقابة إلى هدم مئذنة جامع المؤيد شيخ عند تعرضها لخطر الانهيار، حماية لأرواح الناس.

قاهرة الخديوية: قطعة من أوروبا

عقب سقوطها في قبضة العثمانيين عام 1517، تراجعت القاهرة من مكانتها كأجمل عواصم الدنيا، لتغدو ولاية مهمشة، إذ ركز النظام الجديد ثقله على استنزاف موارد الولايات العربية لصالح الأناضول، مما عطل مسيرة التكامل الحضري الذي ميز المدينة العربية في عصورها الزاهرة، وظل هذا الإهمال يهيمن على ملامح "المحروسة" حتى بزوغ فجر عصر محمد علي باشا، الذي أعاد صوغ معمارها بروح استقلالية، فازدانت المدينة بقصور مزجت بين الأنفاس العثمانية والطراز الأوروبي، مشكلة بذلك نواة لقاهرة علوية جديدة، بلغت ذروة تحولها في عهد الخديوي إسماعيل، حين استحالت إلى قطعة من أوروبا في قلب الشرق.

شهدت القاهرة في القرن التاسع عشر طفرة عمرانية وتنظيمية عظيمة، هيأت المدينة لتواكب النظم الأوروبية الحديثة، فانتقلت من الفوضى التي خلفتها سنوات الإهمال في زمن الاحتلال العثماني إلى التنظيم المؤسسي المحكم تحت إشراف مجالس متخصصة.

كانت الانطلاقة الأولى لتحويل القاهرة إلى حاضرة تضاهي النظم الأوروبية، هي إزالة ما يشوهها من أنقاض وخرائب. فمنذ عام 1829، بدأت حركة واسعة لإزالة التلال العشوائية، ككوم العقارب، التي تحولت مساحاتها الجرداء إلى أراض زراعية ومتنزهات باهية، وشملت الجهود أيضا الأنقاض التي كانت تسد الطرق الحيوية المؤدية إلى شبرا وباب الحديد.

ولم يقتصر الأمر على الأنقاض العامة، بل امتد ليشمل الدور المتخربة، حيث صدرت الأوامر بإحصائها وإلزام أصحابها إصلاحها أو هدمها، تأكيدا لضرورة تناغم المشهد الحضري وجماليته. توازيا مع الإزالة، نشطت حركة فتح الشوارع ورصفها وتشجيرها، إذ وسعت الأزقة القديمة وفتحت محاور جديدة مهمة كشارع الموسكي، وزرعت الأشجار على جانبي طريق شبرا الذي تحول إلى أحد أجمل متنزهات مصر. ولضمان استمرارية التطوير، ألزم السكان تمهيد الطرق أمام منازلهم، وكلف "ديوان الجهادية" الإشراف على تسوية الشوارع وتمهيدها في المناطق الرئيسة كالأزبكية وبولاق.

AFP
تمثال طلعت حرب، أحد معالم وسط القاهرة التاريخية، 24 يونيو 2024

ولعل التحول الأبرز كان في تحويل البرك إلى حدائق عامة، وكان نموذج الأزبكية هو الأشهر، فردمت في منتصف القرن التاسع عشر وتحولت إلى متنزه عالمي يضم حدائق ومنشآت حديثة كدار الأوبرا، لتصبح القلب الثقافي والاجتماعي للعاصمة. واكتملت منظومة الحداثة بالتنظيم الإداري والخدمي المتقدم، فأنشئ في عام 1847 "مجلس تنظيم المحروسة" الذي اضطلع بتسمية الشوارع وترقيم البيوت بنظام لوني ذكي لتسهيل الاستدلال، بجانب الإشراف على التجميل والتنظيم، كما شملت الخدمات إنشاء "مصلحة الحريق" وتزويدها آلات إطفاء حديثة، وتولت أقسام البوليس الإشراف على نظافة الشوارع ومنع إلقاء القاذورات. وبهذا، ارتقت القاهرة في القرن التاسع عشر من مدينة ضيقة الشوارع يسودها الخراب إلى عاصمة كبرى ذات ميادين فسيحة ونظم إدارية متطورة، تضع جمال المدينة وخدمة قاطنيها في صدارة أولوياتها.

صهرت القاهرة بعبقريتها العمرانية شتات المجموعات البشرية في فسيفساء وظيفية متناغمة، اتخذت من الجامع ومقر الحكم والسوق ركائز لبناء حضارة مدنية فريدة

تجلت مراحل تطور القاهرة كرحلة حضارية لترويض الفراغ، انتقلت فيها من نموذج المدينة الملكية المغلقة إلى العاصمة المتروبوليتية المنظمة، تحت تأثير دوافع عقائدية وأمنية ومؤسسية. فبينما أحاطها الفاطميون بالأسوار صونا للهيبة والخصوصية، ملأها المماليك بمؤسسات خدمة للمجتمع، حتى أطل العصر الحديث ليفتح فضاءاتها تنظيما وتجميلا. هكذا، صهرت القاهرة بعبقريتها العمرانية شتات المجموعات البشرية في فسيفساء وظيفية متناغمة، اتخذت من الجامع ومقر الحكم والسوق ركائز لبناء حضارة مدنية فريدة، تحولت مع الزمن من حصن منيع إلى فضاء عام متاح للجميع.

font change