أثار مثول الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو للمحاكمة أمام محكمة أميركية جدلا قانونيا حادا على الصعيد العالمي، وذلك بعد إلقاء القبض عليه واختطافه من قبل القوات الأميركية خلال عملية عسكرية خاطفة محدودة استهدفت بعض المنشآت العسكرية الحيوية ومقرات تابعة للرئاسة بالعاصمة الفنزويلية كاراكاس مطلع يناير/كانون الثاني 2026. ففي حين ينتقد أغلب فقهاء القانون الدولي ذلك التصرف باعتباره خرقا جسيما لأهم المبادئ الأساسية للقانون الدولي من قبل الولايات المتحدة، بما في ذلك حظر استخدام القوة المسلحة ضد إقليم دولة أخرى ذات سيادة، وكذا مبدأ الحصانة الشخصية لرؤساء الدول حال توليهم لمناصبهم، وحمايتهم من الاختصاص القضائي أمام المحاكم الأجنبية احتراما لمبدأ سيادة الدول، نجد في المقابل أن الولايات المتحدة تؤكد أن تصرفها له مبرر قانوني، تنفيذا لقانونها الجنائي الخاص، حيث يواجه مادورو اتهامات بارتكاب جرائم "الإرهاب المخدري" (Narcoterroism)، وتسهيل تهريب المخدرات من أميركا الجنوبية إلى الولايات المتحدة عبر كارتلات المخدرات، وغيرها من الجرائم العابرة للحدود، وفقا للائحة اتهام صادرة من المحكمة الابتدائية الأميركية للمنطقة الجنوبية من ولاية نيويورك. ويعيد هذا الاعتقال إلى الأذهان سوابق تاريخية مثل غزو بنما عام 1989 واعتقال الرئيس البنمي الأسبق الجنرال مانويل نورييجا عام 1990.
وهو ما يثير أسئلة جوهرية منها: هل يشكل الاعتقال العسكري الأميركي لمادورو داخل العاصمة كاراكاس انتهاكا صريحا للمادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية للدول ذات السيادة، وما هي الحجج القانونية التي يمكن أن يقدمها الجانب الأميركي لتبرير العملية؟ وإلى أي مدى يمكن مقارنة قضية مادورو بسابقة اعتقال الجنرال مانويل نورييغا عام 1990، وهل تظل العقيدة الأميركية نفسها سارية المفعول في عصر يشهد تنامي الرفض الدولي للتدخلات الأحادية؟ وفي ظل عدم اعتراف الولايات المتحدة بشرعية نيكولاس مادورو رئيسا لفنزويلا منذ عام 2019، هل يفقد فعليا حصانة رئيس الدولة الوظيفية أمام المحاكم الأجنبية، أم تبقى الحصانة قائمة طالما هو يمارس السلطة الفعلية؟ هل يمكن للقضاء الأميركي أن يمارس اختصاصه على رئيس دولة أجنبية تم اعتقاله بعملية عسكرية خارج الحدود الأميركية، حتى لو كانت العملية تنتهك القانون الدولي؟ ما هي التداعيات المحتملة على النظام القانوني الدولي نتيجة محاكمة الولايات المتحدة لرئيس دولة أجنبية تم اختطافه عسكريا دون تفويض من مجلس الأمن أو مبرر واضح للدفاع عن النفس؟ هل يمثل اعتقال مادورو بداية سابقة خطيرة تُضعف مبدأ السيادة المتساوية بين الدول، أم إن التهم المتعلقة بـ"الإرهاب المخدري" والجرائم العابرة للحدود تبرر مثل هذا التدخل– في نظر البعض– استثناء من القواعد التقليدية للحصانة والسيادة؟
انتهاك صارخ للسيادة أم عملية إنفاذ قانون دولي؟
نفذت قوات أميركية عسكرية خاصة (بما فيها وحدة "دلتا فورس" ذائعة الصيت) عملية عسكرية محدودة النطاق داخل العاصمة الفنزويلية كاراكاس فجر يوم 3 يناير/كانون الثاني 2026، أطلق عليها اسم "عملية العزم المطلق (Operation Absolute Resolve)، شملت العملية إسقاط دفاعات جوية فنزويلية، وتفجيرات في مواقع عسكرية مثل حصن تيونا، واقتحام مقر إقامة الرئيس نيكولاس مادورو، حيث تم اعتقاله مع زوجته سيليا فلوريس، وسط تبادل لإطلاق النار، قبل نقلهما جوا إلى نيويورك للمثول أمام محكمة فيدرالية بتهم "الإرهاب المخدري" والتجارة بالمخدرات.
وقد أثارت هذه العملية جدلا قانونيا شديدا، فعلى الرغم من إجماع غالبية فقهاء القانون الدولي والمؤسسات المعنية بالقانون الدولي والعلاقات الدولية– بما في ذلك تقارير من الأمم المتحدة و"منظمة العفو الدولية" وخبراء في جامعة ستانفورد وتشاتام هاوس– على أن العملية تمثل انتهاكا صريحا للمادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر "التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة"، خاصة أنه لم يكن هناك تفويض من مجلس الأمن، ولا موافقة من الحكومة الفنزويلية، ولا حالة دفاع شرعي عن النفس ضد هجوم مسلح وشيك، ولهذا وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش العملية بأنها "تثير مخاوف خطيرة"، بينما اعتبرها خبراء في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة "عدوانا غير مبرر" يهدد النظام القانوني العالمي.


