في 26 يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت القوات المسلحة السودانية عن نجاحها في فك الحصار الذي فرضته "قوات الدعم السريع" على مدينة الدلنج في ولاية جنوب كردفان، وذلك عقب دحر هجوم واسع شنتْه ميليشيا "قوات الدعم السريع" على منطقة هِبَيلة الاستراتيجية، وتأمين السيطرة عليها، ثم التقدم لفتح الطريق وفك حصار مدينة الدلنج، الذي استمر قرابة العامين. يُعيد هذا التطور للجيش هامش المناورة العملياتية في المحور الغربي، ويحدّ من قدرة ميليشيا "الدعم السريع" على استخدام جنوب كردفان كمنطقة ارتكاز للضغط على الأبيض، عاصمة شمال كردفان.
عسكريا، يمثل فك الحصار عن الدلنج انتصارا معنويا وعمليا للجيش السوداني، حيث يعزز سيطرته على خطوط الإمداد الرئيسة في جنوب كردفان، ويمنع "قوات الدعم السريع" من توسيع نفوذها نحو الأبيض، عاصمة شمال كردفان. كما يعكس تحسنا في قدرات الجيش، الذي كان قد فقد سيطرته على معظم دارفور، بما في ذلك الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
سياسيا، قد يعزز هذا التطور من قبول الحكومة السودانية لمقترح الهدنة الإنسانية، والذي تضمن للمرة الأولى انسحاب ميليشيا "الدعم السريع" من المناطق المدنية التي تحتلها، باعتبار أن وجودها هو المهدد الأكبر للوضع الإنساني وللمدنيين. وهذا التقدم العسكري يحسّن من فرص قبول هذا العرض، خصوصا بعد عودة الحكومة إلى ممارسة أعمالها بشكل طبيعي من العاصمة الخرطوم.
وبينما يُعدُّ هذا التطور خطوة مهمة نحو تعزيز الموقف الاستراتيجي للحكومة، فهو أيضا يحمل بشائر بانفراج كبير في الأوضاع الإنسانية وتخفيف حدّة الأزمة المعيشية التي فرضها حصار "الدعم السريع" على المواطنين في المنطقة.
التراث السياسي لمدينة الدلنج
استمدّت المدينة اسمها من قبيلة الدلنج، إحدى فروع قبائل النوبة الثمانين، وهي اليوم ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان بعد عاصمتها كادوقلي. وتقع الدلنج في موقع جغرافي متوسط تقريبا بين كادوقلي، التي تبعد عنها نحو 115 كيلومترا إلى الجنوب، ومدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، التي تقع على مسافة تقارب 160 كيلومترا شمالا. نشأت الدلنج في منتصف القرن التاسع عشر، وسكنها خليط من قبائل النوبة، خاصة الدلنج وأَركو، ثم استقر حولها لاحقا عدد من القبائل العربية، وفي مقدمتها الحوازمة والمسيرية. ومع تزايد التفاعل بين هذه المكونات، تطورت المنطقة تدريجيا إلى سوق موسمية كبيرة، شكّلت فضاء لتبادل السلع والمقايضة بين المجتمعات المستقرة والرُّحَّل، ورسَّخت دور المدينة كمركز اقتصادي محلي حيوي.
وللدلنج أيضا حضور مبكر في تاريخ المقاومة الوطنية ضد الاستعمار الأجنبي، إذ كانت نقطة انطلاق لواحد من فصولها البارزة حين قاد السلطان عجبنا حركة مقاومة امتدت من 1914 حتى 1918، قبل أن تتمكن سلطات الاستعمار الأجنبي بقيادة بريطانيا من اعتقاله وإعدامه. وبرزت في تلك الفترة شخصية الأميرة مَنْدي ابنة السلطان عجبنا كمقاتلة وشخصية مؤثرة، خلدتها الذاكرة الشعبية، إذ شاركت في المعارك إلى جانب والدها في ظروف شديدة الخطورة، حتى إنها حملت بندقيتها وهي تحمل طفلها لتعزيز صفوف الثوار في لحظات الحصار، لتبقى المدينة إحدى محطات الفعل الوطني الباسل في الذاكرة السودانية.
