ملحمة ناتاشا أبانا ضد المحو والنسيان

ثلاث نساء يجمعهن قدر واحد من العنف

Dimitar DILKOFF / AFP
Dimitar DILKOFF / AFP
الكاتبة الموريشيوسية-الفرنسية ناتاشا أبانا تحمل روايتها "الليل في القلب" بعد فوزها بجائزة «Prix Goncourt des Lycéens 2025» خلال حفل توزيع الجوائز في قصر الإليزيه في باريس، 27 نوفمبر 2025

ملحمة ناتاشا أبانا ضد المحو والنسيان

في روايتها الأحدث، "الليل في القلب"، الصادرة عن "دار غاليمار"، لا تكتفي الكاتبة الموريشيوسية الفرنسية ناتاشا أبانا بسرد حكاية، بل تشرع في مغامرة أدبية محفوفة بالأخطار الوجودية والفنية. هذا العمل، الذي استحق عن جدارة جوائز رفيعة مثل "فيمينا" و"رينودو للثانويين" لعام 2025، يمثل نقطة تحول جوهرية في مسيرة كاتبة عرفت باشتغالها على قضايا المنفى والهوية والعنف الاجتماعي. هنا، تذهب أبانا إلى "الداخل" الأكثر عتمة، لتقدم تشريحا مروعا وشاعريا في آن واحد لظاهرة قتل النساء، محاولة فهم تلك الآليات المعقدة التي تحول "الحب" المفترض إلى أداة للإبادة، والبيت من ملاذ إلى مسلخ.

الغرفة الخيالية

تبدأ أبانا روايتها بمدخل استثنائي تطلق عليه "الغرفة الخيالية". هذا الفضاء ليس مجرد مكان مادي، بل هو فضاء تجريدي، مختبر أدبي تضع فيه ثلاثة رجال يمثلون الجناة في ثلاث قصص مختلفة: البناء (MB)، السائق (RD)، والشاعر (HC). تجردهم من أسمائهم الكاملة، وتجبرهم على مواجهة صمتهم وإنكارهم.

هذا الاختيار الفني يعكس رغبة عميقة في "استعادة السلطة على السرد". ففي الواقع، كان هؤلاء الرجال يمتلكون القوة المادية والقدرة على إنهاء الحياة، لكن في نص أبانا، تنعكس الأدوار. تصبح الكاتبة هي "الجلاد الأدبي" الذي يحاصرهم في كلمات لا مفر منها، مجبرة إياهم على أن يكونوا "تحت رحمة القصة". إنها ترفض التفسيرات النفسية التبسيطية التي تحاول إيجاد أعذار للجناة، مثل الطفولة القاسية أو الإحباط الاجتماعي، وتصر على وضعهم أمام مسؤوليتهم الفردية والأخلاقية.

تتشابك في الرواية ثلاث حكايات لثلاث نساء يجمعهن قدر واحد من العنف، وإن اختلفت التفاصيل والنتائج. هذا التشابك ليس مجرد تجميع لقصص، بل هو بناء لـ"أخوة" عابرة للزمن والجغرافيا: الحكاية الأولى هي حكاية الكاتبة نفسها، التي تعود بذاكرتها إلى سن السابعة عشرة لتروي علاقتها برجل يكبرها بثلاثين عاما، وهو صحافي وشاعر مرموق (HC). تصف أبانا هذا السقوط بأنه كان "في ثقب"، حيث انزلقت ببطء دون أن تدرك. هنا، تكشف الرواية عن وجه خفي للعنف "الرمزي والمعرفي". كيف يمكن الثقافة والأدب أن يكونا قناعا للسيطرة؟ وكيف يمكن المثقف أن يمارس سلطته لإخضاع الآخر، محولا الضحية إلى "مشروع أدبي" أو "ملهمة" مسلوبة الإرادة. شجاعة أبانا في كشف هذه التفاصيل، تعكس نضجا فكريا كبيرا، فهي لا تقدم نفسها كضحية سلبية، بل كإنسانة استطاعت، عبر الكتابة، أن تستعيد صوتها المفقود.

لا تقدم أبانا نفسها كضحية سلبية، بل كإنسانة استطاعت، عبر الكتابة، أن تستعيد صوتها المفقود

أما الحكاية الثانية فهي قصة إيما، ابنة عم الكاتبة، التي قتلت في موريشيوس عام 2000 على يد زوجها الذي دهسها بسيارته عمدا . تظل ذكرى إيما حاضرة من خلال ألم والدتها وابنها، لتمثل الضحايا اللواتي طواهن النسيان ولم ينصفهن التاريخ. تعيد أبانا بناء قصة إيما ليس من قبيل الفضول، بل كواجب ذاكرة تجاه امرأة سلب منها حقها في الوجود وفي الكلام.

Dimitar DILKOFF / AFP
الكاتبة الموريشيوسية-الفرنسية ناتاشا أبانا وروايتها "الليل في القلب" بعد فوزها بجائزة «Prix Goncourt des Lycéens 2025» خلال حفل توزيع الجوائز في قصر الإليزيه في باريس، 27 نوفمبر 2025

الحكاية الثالثة، وهي الأكثر صدمة وواقعية، تتعلق بـ شاهيناز داود، الشابة التي قتلت حرقا في ضواحي بوردو عام 2021 على يد زوجها السابق أمام المارة. تستخدم أبانا تفاصيل المحاكمة الحقيقية لتعكس الفجوة بين العدالة القانونية والعدالة الإنسانية. تصف جسد شاهيناز المتفحم ليس من قبيل الإثارة، بل لتكشف عن بشاعة "الإلغاء" الذي يمارسه الجلاد، حيث يتحول الكائن البشري إلى مجرد "شيء" في ملف قضائي.

 استعارة الركض

من الناحية الفنية، تستخدم أبانا لغة مكثفة وشاعرية، لكنها في الوقت نفسه دقيقة كالمشرط الجراحي. إنها تصف "الليل" ليس كظاهرة فلكية، بل كحالة وجودية تبتلع الضحايا، وتصف "القلب" كمستودع للخوف والأمل والذاكرة.

تكرار مشهد "الركض" في الرواية يخلق إيقاعا لاهثا يضع القارئ في قلب التجربة. نرى النساء الثلاث يركضن في محاولة يائسة للنجاة. هذا الركض هو استعارة لحياة النساء اللواتي يقضين أعمارهن في محاولة الهروب من قيود غير مرئية. تقول أبانا: "لقد كنا ثلاثا نركض، نهرب، وهذا الخوف الذي يأتي قبل النهاية، ذلك الذي لا أعرف كيف أصفه بالضبط، أعلم أنهن شعرن به".

Dimitar DILKOFF / AFP
الكاتبة الموريشيوسية-الفرنسية ناتاشا أبانا (الى اليمين) تتحدث إلى جانب عضوة لجنة التحكيم إلسا بعد فوزها بجائزة «Prix Goncourt des Lycéens 2025» عن روايتها "الليل في القلب"

هذا الركض المشترك، هو ما يربط بين الكاتبة الناجية وإيما وشاهيناز اللتين لم تنجوا. إنه الخيط الرفيع الذي ينسج وحدة المصير الإنساني في مواجهة الوحشية.

أحد أهم جوانب الرواية، هو تأمل الكاتبة في عجز اللغة عن وصف العنف المطلق. تبتكر أبانا مصطلح "قلق الموت الوشيك" لتصف تلك اللحظات الأخيرة التي تعيشها الضحية. إنها تحاول "صنفرة" اللغة، وكشط الكلمات والقواعد للوصول إلى "عظم الفعل" نفسه.

هذا الركض هو استعارة لحياة النساء اللواتي يقضين أعمارهن في محاولة الهروب من قيود غير مرئية

هذا الصراع مع الكتابة يظهر في استخدامها المتكرر لأسلوب "الأنافورا" (التكرار في بداية الجمل)، مما يعكس حالة التلعثم والارتباك أمام هول الجريمة. الكتابة هنا ليست ترفا، بل هي "ضرورة أخلاقية" وواجب تجاه اللواتي رحلن. إنها تحاول "إبقاء شاهيناز في ضوء النهار بأي ثمن".

 نقد المثقف وحركة "أنا أيضا"

في الفصل الذي يتناول علاقتها بالشاعر "HC"، تقدم أبانا نقدا لاذعا للمثقف الذي يمارس سلطته المعرفية لإخضاع الآخرين. هذا الجزء يكتسي أهمية خاصة في سياق حركة "أنا أيضا"، حيث يكشف عن أشكال العنف الرمزي التي قد تكون أكثر تدميرا من العنف الجسدي. تصف كيف كان هذا الرجل يغذي فيها الشعور بالدونية الثقافية، وكيف كان يستخدم الأدب كأداة للغواية والسيطرة.

JOEL SAGET / AFP
الكاتبة الموريشيوسية لفرنسية ناتاشا أبانا خلال جلسة تصوير ضمن الدورة السابعة والعشرين من مهرجان الأدب «Les Correspondances» في مدينة مانوسك بجنوب شرق فرنسا، 26 سبتمبر 2025

إنها رحلة في دهاليز التلاعب النفسي، حيث يتم تحويل الضحية إلى "مشروع أدبي" مسلوب الإرادة، فـ"الليل في القلب" هي أيضا رواية عن الأمهات والبيوت التي لم تعد ملاذا، إذ نجد الكاتبة فيها تتحدث عن الأمهات اللواتي يحملن عبء الحزن الصامت، واللواتي يحاولن حماية بناتهن في عالم لا يرحم. تصف البيوت التي تتحول إلى سجون، حيث تصبح الجدران شاهدة على صرخات مكتومة وضربات لا يسمعها الجيران. هذا البعد الاجتماعي يمنح الرواية شمولية تجعلها صالحة للقراءة في أي مجتمع، فالعنف ضد النساء لا يعرف حدودا جغرافية أو طبقية.

كما تسلط الكاتبة الضوء على "الإهمال المؤسساتي"، خاصة في قضية شاهيناز داود، حيث تفشل أجهزة الشرطة والقضاء في اعتراض الجاني رغم سوابقه العنيفة المعروفة. الرواية هنا تتحول إلى صرخة ضد "الأمية العاطفية" وضد التواطؤ الجماعي بالصمت، كمانيفست أدبي تحاول الروائية شرحه، كما فعلت حين استحضرت قصيدة بورخيس، "النمر الآخر". النمر الأول هو النمر الحقيقي الذي يمشي في الغابة، والنمر الثاني هو النمر المتخيل في القصيدة، أما "النمر الثالث" فهو ذلك الذي تحاول أبانا الوصول إليه: العمل الأدبي الذي يجمع بين الواقع والخيال، بين العقل والجسد، ليقدم حقيقة أعمق من مجرد سرد الوقائع.

 JOEL SAGET / AFP
الكاتبة الموريشيوسية-الفرنسية ناتاشا أبانا خلال جلسة تصوير ضمن الدورة السابعة والعشرين من مهرجان الأدب «Les Correspondances» في مدينة مانوسك بجنوب شرق فرنسا، 26 سبتمبر 2025

هذا السعي نحو "النمر الثالث"، هو ما يجعل الرواية عملا فكريا بامتياز، فهي لا تكتفي بالتوثيق، بل تعيد صوغ الواقع بلغة الفن لتجعله قابلا للفهم والمواجهة. الانتصار في هذا العمل ليس قانونيا ، بل انتصار للذاكرة على النسيان، وللحقيقة على الإنكار.

 تفكيك النمطية

قد تكمن القيمة المضافة لهذه الرواية في قدرتها على تجاوز النمطية في تصوير الضحية والجاني. فالضحايا في نص أبانا لسن مجرد كائنات ضعيفة مستسلمة، بل هن نساء يمتلكن أحلاما وطموحات وقوة داخلية تظهر حتى في لحظاتهن الأخيرة. والجناة ليسوا شياطين بقرون، بل هم نتاج ثقافة تمنحهم الحق في التملك والسيطرة. هذا الفهم العميق للجذور الثقافية للعنف، هو ما يجعل الرواية دعوة لتفكيك البنى الاجتماعية التي تشرعن العنف، ولإعادة تعريف مفهوم "الحب" بعيدا من التملك والغيرة المرضية.

تتركنا الكاتبة مع تساؤل مفتوح حول مستقبل العلاقات الإنسانية، لكنها تمنحنا في الوقت نفسه الأدوات اللازمة للبدء في التغيير

تختتم ناتاشا أبانا روايتها بالعودة إلى "الغرفة الخيالية"، لكن هذه المرة برؤية مختلفة. الجناة الذين كانوا في البداية يمتلكون نوعا من الحضور، يتلاشون تدريجيا أمام قوة قصص النساء. تتركنا الكاتبة مع تساؤل مفتوح حول مستقبل العلاقات الإنسانية، لكنها تمنحنا في الوقت نفسه الأدوات اللازمة للبدء في التغيير.

font change

مقالات ذات صلة