هل يخوض "حزب الله" مغامرة "حرب إسناد" إيران؟

انتحار سياسي وعواقب كارثية على اللبنانيين

رويترز
رويترز
سيدتان نازحتان تحمل إحداهما علم "حزب الله"، في جنوب لبنان، 18 فبراير 2025

هل يخوض "حزب الله" مغامرة "حرب إسناد" إيران؟

منذ أسابيع، يعيش العالم على وقع تهديد ضربة أميركية محتملة قد يشنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد النظام الإيراني، هذا الواقع الإقليمي المتوتر لا يمكن للبنان أن يكون بمنأى عنه، خصوصا مع إصرار "حزب الله" على ربط مصير لبنان بارتباطه الأيديولوجي والعقائدي والعسكري بإيران. الأمر الذي طرح سؤالا ملحا خلال الأيام الماضية في البلاد، هل يقرر "الحزب" فتح "جبهة الجنوب" لإسناد إيران على غرار تلك التي فتحها في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لإسناد غزة؟

على الرغم من إصرار الدولة اللبنانية المتمثلة برئيسي الجمهورية والحكومة في تصريحات متكررة أن الدولة استعادت قرار الحرب والسلم، بعد أن صادره "حزب الله" لسنوات، يبدو أنّ الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم صاحب عبارة "إسرائيل أهون من بيت العنكبوت" لا يزال يسير على خطى سلفه، حيث اعتبر أن "الحزب" "ليس حياديا في مسألة إيران"، مؤكدا أن "هذا الموقف نابع من قناعة فكرية وعقائدية وسياسية، ومن التزام واضح بخيار الولي الفقيه الذي يشكل المرجعية القيادية في القضايا المصيرية والتحديات الكبرى".

كلام قاسم الذي يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان، حيث أكّد رئيس الجمهورية جوزيف عون، مرارا سعيه لـ"العمل مع جميع المعنيين على عدم استدراج البلاد إلى حرب جديدة لأن الشعب اللبناني لم يعد قادرا على تحمّل الحروب"، ولكن يبدو أنّ "حزب الله" يصرّ على أخذ البلاد إلى مغامرة جديدة على غرار المغامرة التي خاضها أمين عام "حزب الله" السابق حسن نصرالله، والذي أصرّ آنذاك على ربط مصير جنوب لبنان بحرب غزة، ففي 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وفي أول خطاب متلفز له بعد 8 أكتوبر/تشرين الأول، تاريخ انطلاق معركة "إسناد غزة"، أعلن نصرالله أنّ ما قام به "الحزب" "منذ 8 أكتوبر غير مسبوق من حيث استراتيجيتنا القتالية. كل يوم نستهدف جنودا ودبابات وطائرات إسرائيلية... لقد دخلنا المعركة الحقيقية". ومنذ ذلك التاريخ، وحتى اغتياله في 27 سبتمبر/أيلول 2024، أصرّ نصرالله على ربط مصير جبهة جنوب لبنان بمصير حرب غزة، معلنا مرارا أنّه "إذا تمّ إقرار وقف إطلاق النار في غزة، سنتوقّف أيضا... ما تقبله "حماس"، نقبله نحن أيضا". كما شدّد، في سبتمبر 2024، قبيل اغتياله بأيام، على أنّ "الجبهة اللبنانية لن تتوقف حتى تتوقف الحرب على غزة... مهما كانت التضحيات والخسائر والتهديدات".

غير أن "حزب الله" الذي اتخذ قرار دخول حرب "إسناد غزة" وإدخال لبنان في مسار حرب استنزاف طويلة، كان حينها "قوة" تجاهر بامتلاك ترسانة أسلحة عسكرية متطورة ومتنوعة قادرة على الوصول إلى عمق إسرائيل، وبخبرة قتالية عابرة للحدود راكمها خلال سنوات من الانخراط في الحروب الإقليمية، إلى جانب نفوذ سياسي واسع مكّنه من التأثير في توازنات الداخل اللبناني ومسارات الصراع الإقليمي.

ليس لدى "حزب الله" القدرة على التدخل عسكريا لإسناد إيران، باستثناء تشكيل بعض الإيذاء أو الإزعاج لإسرائيل، ولكن هذا الخيار سيكون مردوده عملية عسكرية كبرى

ولكن اليوم ومع انهيار القوة الاستراتيجية لـ"الحزب"، منذ سبتمبر 2024، عبر اغتيال قيادات الصفوف الأولى وعلى رأسها نصرالله، وتفجيرات البيجر التي كشفت حجم خرق إسرائيل لمنظومة "الحزب" الداخلية، وتدمير الجنوب وتهجير أهله، تضع تصريح قاسم الأخيرة أمام سؤال جوهري: على أي قاعدة عسكرية وسياسية يعتمد "الحزب" لخوض حرب إسناد جديدة بعد تآكل بنيته وقدراته السابقة؟ وهل يتحمل "الحزب" كلفة انخراط جديد في صراع إقليمي أشد تعقيدا واتساعا؟

اسناد إيران... انتخار سياسي

 الباحث القانوني والناشط السياسي الدكتور علي مراد يرى في حديثه لـ"المجلة" أن "الخيارات أمام "حزب الله" ضيقة جدا تكاد تكون معدومة في الوقت الحالي، فالخيار الأول هو تسليم السلاح و"حزب الله" غير قادر عليه بنفسه، كونه أسير سرديته، فلا أحد يملك مشروعية القول لجمهوره المعبأ منذ عقود: إننا ذاهبون نحو تسوية في السيد نصرالله وكل من اغتيل خلال الحرب، أما خيار "حزب الله" الثاني فهو الذهاب نحو حرب وهو أمر مستحيل من الناحية التقنية كما من الناحية العملية، فإذا كان "حزب الله" قادرا على الحرب فهو يعرف أن كلفتها كبيرة جدا، وإذا كان غير قادر فالنتيجة هي ذاتها، وبالتالي فإن "حزب الله" اختار أن يتحمل كلفة عملية الاغتيالات المستمرة منذ أكثر من عام وعدم الرد عليها، وتأخير عملية إعمار الجنوب وعودة الناس إلى بيوتهم، وهو الخيار الأقل كلفة في ظل استحالة الخيارات الأخرى".

أ.ف.ب
خلال تشييع الأمين العام السابق لـ"حزب الله" حسن نصر الله وخليفته هاشم صفي الدين في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت في 23 فبراير

ويتابع: "أما في حال تعرضت إيران لضربة أميركية، فإذا قرر "حزب الله" التصعيد عسكريا، فأعتقد أنه قد ذهب إلى خيار الانتحار السياسي كونه مكشوفا بشكل كامل أمام الإسرائيلي وهو لا يملك أي هامش عسكري للقيام بهذا الأمر، أما تصريحات قاسم عن إيران فأعتقد أنّها محاولة لتحميل البلد ككل مسؤولية الاعتداء على لبنان، وكأنه استجداء لاعتداء إسرائيلي على لبنان، فهو بمكان ما يؤكد سردية الإسرائيلي بأنه لا يزال يرمم ويحضر نفسه عسكريا، ولا يزال يشكل خطرا عسكريا على إسرائيل، وبالتالي فهو يفقد المنطق الحقيقي ويتعامل مع لا مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون لا مسؤولية سياسية أمام الخيارات التي أدت إلى تدمير الجنوب".

من جهته، يرى المحلل السياسي أسعد بشارة في حديثه لـ"المجلة" أنه "ليس لدى "حزب الله" القدرة على التدخل عسكريا لإسناد إيران، باستثناء تشكيل بعض الإيذاء أو الإزعاج لإسرائيل، ولكن هذا الخيار سيكون مردوده عملية عسكرية كبرى ضد "حزب الله"... ولكن حتى الآن لا يمكن التعويل على كلام نعيم قاسم إلا من باب الدعم الكلامي، بما يفسر أن إيران تريد تحريك أدواتها في المنطقة من "الحشد" و"الحوثيين" و"حزب الله"، أو على الأقل بأن يعلنوا استعدادهم لخوض المعركة إلى جانبها في حال تعرضت إيران لضربة عسكرية. ولكن من الزاوية العملية ذهاب "حزب الله" إلى المشاركة في أي حرب يعني أن لبنان سيتحول إلى غزة جديدة، الأمر الذي يعرفه جيدا "حزب الله"".

إصابة المركز في طهران بهزيمة تعني بالتأكيد بداية نهاية كل المشروع الإيراني في المنطقة، ومن ضمنه "حزب الله"

وعن عدم ردّ المسؤولين على كلام قاسم يقول بشارة: "كلام قاسم، ولو كان دعما كلاميا فقط فقد أطاح بكل أركان الدولة اللبنانية وكل ما يمت إلى دولة طبيعية بصلة، وعدم رد أي مسؤول في الدولة على هذا الكلام أمر مستغرب وكأن هناك سياسة صمت رسمية تجاه ما يقوم به "حزب الله". ويبدو أن الجميع ينتظر ما سيحصل في المنطقة، فالدولة اللبنانية رسمت لنفسها حدود التعاطي مع "حزب الله"، بمعنى أنها لن تذهب إلى حد الاصطدام الكبير معه وهذا الأمر يرفع من خطورة التصعيد الإسرائيلي المتوقع، فكلما تستقيل الدولة اللبنانية من دورها ترتفع مخاطر تنفيذ ضربة عسكرية إسرائيلية في لبنان".

هل يصمد سلاح حزب الله من دون غطاء إيراني؟ 

تآكل قدرات "حزب الله" العسكرية من جهة والضغط الذي يمارسه ترمب على النظام في إيران من جهة ثانية، وإصراره على وقف دعمها للأذرع في المنطقة، هل سيدفع "الحزب" إلى تغيير سياسته الداخلية وبالتالي تسليم سلاحه؟

أ.ف.ب
شخص يحمل لافتة كُتب عليها "لن نترك السلاح" خلال إحياء "حزب الله" مراسم عاشوراء، في الضاحية الجنوبية لبيروت، في 6 يوليو

يؤكد مراد أن "مشكلة "حزب الله" اليوم أنه أكثر التصاقا بإيران من قبل، وأيضا أزمة (حزب الله) الداخلية في عدم قدرته على تقبل الواقع الجديد والتكيف مع المتغيرات الكبرى، بالمعنى التاريخي سلاح "حزب الله" انتهى، وما تبقى فقط هو طي الصفحة ولكن يمكن لهذه المسألة أن تطول. "حزب الله" لم يعد لاعبا إقليميا، فقد خسر عمقه السوري، وإيران لن تستعيد دورها الماضي وهي تحتاج إذا استطاعت إلى سنوات طويلة لترميم برنامجها النووي وقدرتها الاستراتيجية، وكذلك بعد الاتفاق الذي جرى في غزة، "حزب الله" بات معزولا بشكل كامل، وبدل أن يذهب للتحصن داخليا ليحمي لبنان ويحمي شيعة لبنان والجنوب يتخذ قرارا بالذهاب نحو المعركة المفتوحة، وهو ما يعد انتحارا... أعتقد أن مشكلة إيران أن لا أحد يتحدث معها في ملف "حزب الله"، بمعنى أنه حتى لو كان هناك تفاوض إيراني-أميركي، فلا أحد يفاوضها في ملف "حزب الله" والملف السوري، كما أنه لا أحد يفاوضها على الملف الإيراني. وبالتالي فإيران اليوم في مرحلة ما بعد خسارة الأذرع، فهل هي قادرة على دعم (حزب الله)، وإذا كانت قادرة على دعم "حزب الله" ماذا يمكن أن يقدم لها (الحزب) في المقابل؟".

أما بشارة فيقول إن "إصابة المركز في طهران بهزيمة تعني بالتأكيد بداية نهاية كل المشروع الإيراني في المنطقة، ومن ضمنه "حزب الله""، وختم بشارة: "أعتقد أنّ "حزب الله" سيتعرض لضربة كبيرة إذا سقط النظام أو إذا أجبر على وقف دعم الأذرع. وبالتالي هنا المأزق الحقيقي لـ"حزب الله"، بأن إيران مأزومة كونها الأم والأب لمشروع "حزب الله"".

قرارات "حزب الله" الخاطئة أغرقته بحرب استنزاف لا زالت مستمرة حتى اليوم

ولكن ماذا عن بيئة "حزب الله"، هل هي مستعدة لخوض حرب إسناد جديدة؟ يقول مراد: "أهل الجنوب غير مستعدين لحرب جديدة وكل ما نسمعه عكس ذلك، هو نوع من المبالغات والشعارات الإعلامية التي لا تثمن ولا تغني من جوع، أهل الجنوب يعيشون خيبة أمل كبيرة وبدرجات متفاوتة تبدأ من خيبة الأمل وعدم الفهم وصولا إلى حد الاتهام، فعندما قصف لبنان ودمر واغتيل نصرالله وفجّرت أجهزة البيجر لم تقم إيران بضرب إسرائيل، ما يعني أن إيران كانت تستخدم "حزب الله" لحمايتها، وتستخدم مخزونها الصاروخي لحماية نفسها ونظامها، فهي تترك لنفسها الخيار الحسني نسبة إلى الإمام الحسن، ولأذرعها الخيار الحسيني نسبة إلى الإمام الحسين، اليوم لم يعد يتبقى من أذرع إيران أي ذراع، حتى "حزب الله" لم يعد "حزب الله" الذي نعرفه".

رويترز
الأمين العام لـ"حزب الله" اللبناني، نعيم قاسم، في خطاب متلفز من مكان غير معروف، في 15 أغسطس

وختم: "كلام نعيم قاسم مدان أخلاقيا قبل أن يكون مدانا سياسيا، نحن لم نخرج من الحرب الأولى وتداعياتها، فالجنوب ما زال مدمرا وأهله مهجرون ثكلى، لذا لا يمكن أخذ الناس إلى حرب أخرى".

إذن، قرارات "حزب الله" الخاطئة أغرقته بحرب استنزاف لا زالت مستمرة حتى اليوم، والخروج منها مشروط بهزيمة و"تسليم كامل الأوصاف"، فإسرائيل لم تعد تقبل بأنصاف الحلول، إما تسليم كامل السلاح الموجود على الأراضي اللبنانية وإعلان منطقة الحدود منطقة منزوعة السلاح و"الحزب"، وإما استمرار خرق وقف إطلاق النار، ما يجعل الجبهة اللبنانية مرشحة للبقاء في دائرة التصعيد لفترة طويلة، وسط حسابات دقيقة بين التوتر الإقليمي والموقف اللبناني الداخلي.

font change

مقالات ذات صلة