منذ أسابيع، يعيش العالم على وقع تهديد ضربة أميركية محتملة قد يشنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد النظام الإيراني، هذا الواقع الإقليمي المتوتر لا يمكن للبنان أن يكون بمنأى عنه، خصوصا مع إصرار "حزب الله" على ربط مصير لبنان بارتباطه الأيديولوجي والعقائدي والعسكري بإيران. الأمر الذي طرح سؤالا ملحا خلال الأيام الماضية في البلاد، هل يقرر "الحزب" فتح "جبهة الجنوب" لإسناد إيران على غرار تلك التي فتحها في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لإسناد غزة؟
على الرغم من إصرار الدولة اللبنانية المتمثلة برئيسي الجمهورية والحكومة في تصريحات متكررة أن الدولة استعادت قرار الحرب والسلم، بعد أن صادره "حزب الله" لسنوات، يبدو أنّ الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم صاحب عبارة "إسرائيل أهون من بيت العنكبوت" لا يزال يسير على خطى سلفه، حيث اعتبر أن "الحزب" "ليس حياديا في مسألة إيران"، مؤكدا أن "هذا الموقف نابع من قناعة فكرية وعقائدية وسياسية، ومن التزام واضح بخيار الولي الفقيه الذي يشكل المرجعية القيادية في القضايا المصيرية والتحديات الكبرى".
كلام قاسم الذي يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان، حيث أكّد رئيس الجمهورية جوزيف عون، مرارا سعيه لـ"العمل مع جميع المعنيين على عدم استدراج البلاد إلى حرب جديدة لأن الشعب اللبناني لم يعد قادرا على تحمّل الحروب"، ولكن يبدو أنّ "حزب الله" يصرّ على أخذ البلاد إلى مغامرة جديدة على غرار المغامرة التي خاضها أمين عام "حزب الله" السابق حسن نصرالله، والذي أصرّ آنذاك على ربط مصير جنوب لبنان بحرب غزة، ففي 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وفي أول خطاب متلفز له بعد 8 أكتوبر/تشرين الأول، تاريخ انطلاق معركة "إسناد غزة"، أعلن نصرالله أنّ ما قام به "الحزب" "منذ 8 أكتوبر غير مسبوق من حيث استراتيجيتنا القتالية. كل يوم نستهدف جنودا ودبابات وطائرات إسرائيلية... لقد دخلنا المعركة الحقيقية". ومنذ ذلك التاريخ، وحتى اغتياله في 27 سبتمبر/أيلول 2024، أصرّ نصرالله على ربط مصير جبهة جنوب لبنان بمصير حرب غزة، معلنا مرارا أنّه "إذا تمّ إقرار وقف إطلاق النار في غزة، سنتوقّف أيضا... ما تقبله "حماس"، نقبله نحن أيضا". كما شدّد، في سبتمبر 2024، قبيل اغتياله بأيام، على أنّ "الجبهة اللبنانية لن تتوقف حتى تتوقف الحرب على غزة... مهما كانت التضحيات والخسائر والتهديدات".
غير أن "حزب الله" الذي اتخذ قرار دخول حرب "إسناد غزة" وإدخال لبنان في مسار حرب استنزاف طويلة، كان حينها "قوة" تجاهر بامتلاك ترسانة أسلحة عسكرية متطورة ومتنوعة قادرة على الوصول إلى عمق إسرائيل، وبخبرة قتالية عابرة للحدود راكمها خلال سنوات من الانخراط في الحروب الإقليمية، إلى جانب نفوذ سياسي واسع مكّنه من التأثير في توازنات الداخل اللبناني ومسارات الصراع الإقليمي.


