حرب السودان... تأرجح طفيف بالسيطرة وتفاقم المعاناة الإنسانية

لا تبدو مؤشرات عام 2026 مبشّرة

رويترز
رويترز
صورة تُظهر عمودًا كبيرًا من الدخان والنيران يتصاعد من مستودع وقود في بورتسودان، السودان، 6 مايو 2025.

حرب السودان... تأرجح طفيف بالسيطرة وتفاقم المعاناة الإنسانية

لا يزال الصراع في السودان مستمرا ومتصاعدا، وقد حصد أرواح أكثر من مئة ألف شخص وأجبر ملايين آخرين على النزوح، في خضم معاناة شديدة من انعدام الأمن الغذائي وانهيار شبه تام للخدمات الأساسية.

وقد بلغ تدهور الوضع الإنساني مستويات كارثية، ولا سيما بعد سيطرة "قوات الدعم السريع" شبه العسكرية على مدينة الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول، والتي لم تسمح إلا مؤخرا بدخول الحد الأدنى من المساعدات. كما يُظهر التوسع الجغرافي للصراع، مقرونا باستخدام طائرات مسيّرة متطورة في مناطق بعيدة عن جبهات القتال التقليدية، اتساعا متزايدا لرقعته وتصاعدا في وتيرته، وهو الأمر الذي يُنذر بتفكيك الدولة السودانية.

وقتل مدنيون الثلاثاء في قصف بالمسيرات لـ"قوات الدعم السريع" على مركز صحي في كادوقلي بجنوب كردفان بعيد إعلان الجيش كسر الحصار المفروض على المدينة. وقال مصدر عسكري إنه "بعد دخول قواتنا مدينة كادوقلي، قصفتها الميليشيا بمسيرات أصابت مركزا صحيا".

وأعلن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في وقت سابق الثلاثاء كسر الحصار على المدينة، وقال في خطاب تلفزيوني مقتضب: "مبروك فتح الطريق لكادوقلي".

يأتي ذلك بعد ما كسر الجيش السوداني الأسبوع الماضي الحصار على مدينة الدلنج على بعد 130 كيلومترا إلى الجنوب، ما يجعل التطورات في جنوب كردفان أكبر تقدم ميداني للجيش منذ سقوط الفاشر في يد "قوات الدعم السريع" في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وظلت كادوقلي والدلنج تحت حصار "قوات الدعم السريع" وحلفائها المحليين خلال الجزء الأكبر من السنوات الثلاث الماضية، منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023.

وأكد مصدر بـ"الدعم السريع" دخول قوات الجيش مدينة كادوقلي. وقال الجيش السوداني إنه "فتح طريق كادوقلي-الدلنج بعد ملحمة بطولية"، مشيرا إلى تكبد "الدعم السريع" خسائر "كبيرة" في الأرواح والعتاد". ونقل التلفزيون السوداني لقطات قال إنها لمواطنين يحتفلون في كادوقلي ويرفعون علامات النصر، فيما اعتلى مقاتلو الجيش المركبات العسكرية.

واشتدت المعارك في منطقة كردفان في الأشهر الماضية بعد أن أحكمت "قوات الدعم السريع" سيطرتها على إقليم دارفور المجاور ثم توسعت إلى كردفان التي تصل دارفور في الغرب بالعاصمة الخرطوم ومدن شرق السودان.

يبدو أن رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قد استوعب تداعيات الهزيمة العسكرية في الفاشر، فعاد رسميا إلى الخرطوم لأول مرة منذ 2023

ومذّاك ضيقت "قوات الدعم السريع" الخناق على كادوقلي والدلنج بالتحالف مع "حركة تحرير الشعب السوداني-شمال" بقيادة عبد العزيز الحلو، حتى كسر الجيش الحصار على الدلنج نهاية يناير/كانون الثاني الماضي.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، قُتل عشرات الآلاف ونزح نحو 11 مليونا فيما انتشرت المجاعة والأوبئة في عدة مناطق من السودان. وأكد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر الثلاثاء أن الوضع الإنساني في الفاشر ما زال كارثيا بعد مرور مئة يوم على سيطرة "قوات الدعم السريع" على المدينة. وحذر المجلس النرويجي للاجئين الاثنين من "عد تنازلي نحو الكارثة" في جنوب كردفان، واصفا الولاية بأنها "أخطر خطوط المواجهة في السودان والأكثر تعرضا للإهمال". وحذرت الأمم المتحدة مرارا من تكرار سيناريو الفاشر في كردفان.

رويترز
فتاة سودانية هربت من الصراع في منطقة دارفور السودانية، وكانت قد نزحت داخلياً في السودان سابقاً، تقف في مأواها المؤقت بالقرب من الحدود بين السودان وتشاد، أثناء لجوئها إلى بورتا، تشاد، في 13 مايو 2023.

وللفرار من كادوقلي، اضطر البعض إلى خوض رحلات محفوفة بالمخاطر عبر سلسلة جبال النوبة الوعرة.

وأكد البرهان في تصريحات للصحافيين الثلاثاء أنه "لا يجب أن تكون هناك هدنة تقوي العدو ولا وقف لإطلاق النار يسمح للميليشيا بأن تقوم مرة ثانية". وأضاف: "أي دعوة للسلام نستجيب لها... ولكن إيقاف الحرب ليس على حساب دماء السودانيين".
وتلقى الجيش السوداني مقترحا جديدا للهدنة من الولايات المتحدة والسعودية الشهر الماضي، غير أنه لم يعلن موقفا منه بعد. كما لم يعلن البرهان موافقة على مقترح قدمته "الرباعية الدولية" بشأن السودان التي تضم مصر والسعودية والولايات المتحدة والإمارات، التي تتهمها الحكومة السودانية بمساندة "قوات الدعم السريع"، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي

الجيش... تعويض الخسارة

في هذا السياق، يبدو أن رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قد استوعب تداعيات الهزيمة العسكرية في الفاشر، فعاد رسميا إلى الخرطوم لأول مرة منذ 2023. ولتعويض هذا التراجع، كثَّف البرهان تحركاته الدبلوماسية بزيارات إلى أنقرة والقاهرة وموسكو والرياض، محاولا تعزيز الدعم السياسي والعسكري، بينما كانت "قوات الدعم السريع" تواصل توسيع نطاق سيطرتها الفعلية على معظم أراضي كردفان ودارفور.

حتى في حال حصول الجيش على دعم إضافي من تركيا ومصر، وربما باكستان، فإنه سيظل بحاجة ماسّة إلى قوات برية فاعلة لاستعادة كامل الأراضي التي خسرها

وعلى الرغم من التصريحات المتكررة لجميع الأطراف بدعمها للجهود الإنسانية، لا يزال نداء الأمم المتحدة الطارئ يعاني عجزا تمويليا حادا، وتواجه منظمات الإغاثة، مع استمرار القتال، صعوبات متزايدة في الوصول إلى الفئات الأكثر ضعفا واحتياجا.

وبعد التطورات الميدانية والسياسية في جنوب اليمن، فقدت مجموعة الحوار الرباعي (كواد) جزءا كبيرا من فعاليتها كقناة دبلوماسية مؤثرة، بينما تعاني الولايات المتحدة من حالة جمود في موقفها. وتشير تقارير حديثة إلى أن باكستان قد تكون على وشك تزويد الجيش السوداني بمعدات عسكرية بقيمة 1.5 مليار دولار.

ومؤخرا، شنّت مصر هجوما على قافلة أسلحة داخل الأراضي الليبية، تَلَى تحذيرها لعائلة حفتر بأنها لن تتسامح مع أي عمليات تهريب إضافية. ويُعدّ هذا هو الهجوم الأول من نوعه منذ عام 2015، عندما نفّذت القاهرة ضربات داخل ليبيا ردا على إعدام تنظيم "داعش" 21 مصريا.

ولا يبدو أي من الطرفين، الجيش السوداني أو "قوات الدعم السريع"، مستعدا لتقديم تنازلات. ولا تزال "قوات الدعم السريع" تعتقد أنها قادرة على استعادة ما تبقى من إقليم كردفان، والتقدم مجددا نحو الخرطوم.

وفي هذا السياق المتأزم، نُقل عن رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قوله خلال زيارته إلى تركيا في ديسمبر/كانون الأول: "لن يقبل السودان هدنة أو وقفا لإطلاق النار ما دامت الميليشيات المتمردة تسيطر على أي شبر من أراضي البلاد."

وستكون التطورات المقبلة رهنا بعوامل حاسمة، أهمها استمرار تدفق الدعم العسكري والمالي الإقليمي والدولي إلى المتحاربين. فمع استمرار القتال، يرجح أن ينزلق السودان إما إلى صراع متجمد بحكم الأمر الواقع، وإما إلى تقسيم فعلي للأراضي. وفي ضوء ذلك، يبدو السيناريو الذي تعلنه الأطراف الدولية، أي وقف إطلاق النار والانتقال إلى حكم مدني، هو الأقل احتمالا على الأرض حاليا.

استمرار الصراع

على المدى القريب، لا تلوح في الأفق مؤشرات على انتهاء الصراع، بل يُرجح أن تستمر خطوط المواجهة في التذبذب. وحتى في حال حصول الجيش على دعم إضافي من تركيا ومصر، وربما باكستان، فإنه سيظل بحاجة ماسّة إلى قوات برية فاعلة لاستعادة كامل الأراضي التي خسرها. ويعتمد الجيش حاليا على الطائرات المسيّرة الانتحارية محلية الصنع، بالإضافة إلى الطائرة التركية "بيرقدار تي بي-2" المخصصة للاستطلاع والهجوم. وفي المقابل، تعتمد "قوات الدعم السريع" على طائرات "وينغ لونغ-2" وغيرها من المسيّرات صينية الصنع.

احتمال وقف إطلاق النار الواقعي لا يكمن إلا في قطع الدعم الخارجي المُقدَّم للقوات المسلحة السودانية و"قوات الدعم السريع"، وهو الأمر الذي يجبرهما على التوقف عن الأعمال العدائية

وعلى الرغم مما توفره هذه الطائرات ذات المدى البعيد من قدرة على استهداف بنى تحتية استراتيجية كالمطارات والمنشآت العسكرية، فإن حسم السيطرة الميدانية يظل مرهونا بالقوات البرية، وهو الأمر الذي يُبرز ضعفا جوهريا مشتركا لدى الطرفين. ويكمن أحد أوجه هذا الضعف في اعتماد كلا الطرفين على تحالفات غير متجانسة مع فصائل مسلحة ذات أجندات خاصة. فعلى سبيل المثال، يُعدّ لواء "البراء بن مالك" الإسلامي، المتحالف مع الجيش السوداني، أحد المكونات المؤثرة في المعارك، رغم أنه لا يُصنَّف وحدة رسمية ضمنه.  وبالمثل، تتشكّل "قوات الدعم السريع" من تحالفات قبلية متعددة، وهو الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد العسكري والسياسي. ويجعل هذا التشابك في المصالح والولاءات من استمرار الصراع السيناريو الأرجح، على الأقل في عام 2026.

التقسيم بحكم الواقع

وقد يؤدي الوضع الراهن، بدلا من تسوية سياسية شاملة، إلى تكريس واقع جغرافي قائم على مناطق نفوذ منفصلة، دون حاجة إلى إعلان رسمي بتقسيم البلاد. ففي ظل هذا السيناريو، قد تُسيطر "قوات الدعم السريع" على معظم دارفور وأجزاء واسعة من كردفان، بينما يحتفظ الجيش بسيطرته على الوسط (بما فيه الخرطوم) إضافة إلى الشرق والشمال، مع استمرار القتال في المناطق المتبقية.

رويترز
فتى يحمل خراطيش رصاص بينما تستمر الاشتباكات بين "قوات الدعم السريع" شبه العسكرية السودانية والجيش، في الخرطوم الشمالية، السودان، 13 مايو 2023.

وسيؤدي هذا الواقع إلى نشوء كيانات شبه مستقلة تدير شؤونها محليا، في خضم تنافس عرقي وقبلي بين جماعات مسلحة متعددة على الموارد والنفوذ داخل كل منطقة. وتشكل الحالة الليبية، بتنازع كياناتها المسلحة، وضعف الحكومة المركزية في الصومال، نماذج محتملة لهذا المصير. وفي المحصلة، قد يتحول السودان إلى فسيفساء من المناطق المتصارعة الخالية من سلطة مركزية فاعلة، وهو ما سيعمّق الأزمة الإنسانية ويحول البلاد إلى بؤرة مزمنة لعدم الاستقرار الإقليمي لعقود مقبلة.

وعلى الرغم من مظاهر التقسيم الفعلي، فإنها لم تمنع نشوء تعاون ضمني لضمان استمرار الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي. وتجسّد هذا النهج بوضوح في منطقة هجليج النفطية، حيث وقّع جنوب السودان اتفاقا لتجنب أزمة نفطية تضرّ بمصالح جميع الأطراف، لا سيما وأن عائدات النفط تشكل ركيزة اقتصادية حيوية للبلدين.

وقف النار والانتقال السياسي

إنّ احتمال وقف إطلاق النار الواقعي لا يكمن إلا في قطع الدعم الخارجي المُقدَّم للقوات المسلحة السودانية و"قوات الدعم السريع"، وهو الأمر الذي يجبرهما على التوقف عن الأعمال العدائية. كما يتطلب من الجهات الفاعلة، داخل المنطقة وخارجها، الكفّ عن دعم الأطراف المتحاربة. وتُعد الولايات المتحدة الجهة الدولية الوحيدة القادرة على تشكيل تحالف ضاغط لفرض وقف إطلاق النار، إلا أنه من غير الواضح كيف سترفع ملف السودان في سلم أولوياتها، خصوصاً في ظل سجلها الحافل بالفشل في الوساطة في أزمات سياسية بالمنطقة.

لا تبدو مؤشرات عام 2026 مبشّرة بتحسّن ملموس في أوضاع السودان وشعبه. فمن المتوقع أن تستمر الحرب في البلاد

وحتى في حال نجاح الضغط الدولي في إجبار الجهات الخارجية على وقف دعمها للأطراف المتحاربة، فإن التحديات الهيكلية ذاتها التي عرقلت إرساء الحكم المدني بعد الرئيس عمر البشير ستعاود الظهور، بل وستتفاقم بسبب ضخامة حجم الجيش واحتمال عودة الظهير الإسلامي المنظم. وعلاوة على ذلك، فإن القادة المدنيين الذين قادوا الحراك الثوري إثر سقوط النظام السابق يتوزعون الآن في دول الشتات، وتتباين آراؤهم ورؤاهم السياسية تباينا شديدا.

ويُضعف تشرذم قوى "الحرية والتغيير" إلى فصائل متعددة، وعجزها عن تقديم بديل سياسي موحد، موقفها التفاوضي إزاء القوى العسكرية التي تحتكر السلاح والسيطرة على الأرض. وأي بعثة أممية تُرسل لدعم حكومة مدنية ضعيفة ستواجه حتما هذه العقبات ذاتها.

وللأسف، لا تبدو مؤشرات عام 2026 مبشّرة بتحسّن ملموس في أوضاع السودان وشعبه. فمن المتوقع أن تستمر الحرب في البلاد. ويُعرف عن الرئيس دونالد ترمب افتخاره بقدرته على حل النزاعات، لكن سجله الحافل يظهر تراجعه عن تنفيذ الاتفاقات الهشة التي سرعان ما تنهار. وحتى لو قرر الانخراط شخصيا في الأزمة السودانية فسيظل من الصعب للغاية تصوّر التوصل إلى وقف إطلاق نار دائم، فضلا عن تسوية سياسية شاملة.

font change

مقالات ذات صلة