زخم الوجودية في "قاموس هايدغر" لخالد الغنّامي

حين يتحول القاموس إلى مشروع تفكير

غلاف كتاب "قاموس هايدغر"

زخم الوجودية في "قاموس هايدغر" لخالد الغنّامي

ينتمي المشروع الكتابي للمفكر السعودي خالد الغنّامي إلى منطقة تتقاطع فيها الفلسفة مع التأويل، وتتحول فيها القراءة إلى فعل تفكير، والكتابة إلى اختبار لقدرة اللغة العربية على احتضان المفاهيم الكبرى، إذ يشتغل على النص الفلسفي من موقع المصاحب له، ويتقدم بوصفه قارئا منتجا للمعنى، قادرا على تفكيك البنى المفهومية وإعادة تركيبها داخل أفق ثقافي عربي معاصر، مما يمنح مشروعه أهمية لافتة في توسيع أفق القراءة الفلسفية، وتقديم نموذج كتابة يزاوج بين الدقة الفكرية والحس التأملي، ويؤكد حضور الفلسفة بوصفها فعلا حيا داخل اللغة والثقافة.

يأتي كتابه الجديد "قاموس هايدغر"، الصادر عن "دار التنوير" في بيروت (2025)، بوصفه مشروعا فلسفيا يتجاوز الوظيفة المعجمية التقليدية، ويتحول إلى ممارسة تفكير موازية للفلسفة الهايدغرية نفسها، حيث الدخول في نسيج من الشروح التي تحتضن داخلها المفاهيم الوجودية، بعيدا من التعريفات الجاهزة أو المقابلات اللغوية المغلقة. ينظر هذا الكتاب-القاموس إلى مصطلحات الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر بوصفها أحداثا دلالية تنفتح على العالم، وتعيد تشكيل علاقة القارئ باللغة وبالسؤال وبالوجود الإنساني.

يقترح المؤلف قراءة تتطلب زمنا وتأملا وإقامة داخل اللغة. يشكل القاموس هنا نوعا من السكن الفلسفي، يتجاور فيه الشرح والتأويل، ويتداخل المعجمي مع الوجودي، في تجربة قرائية تشبه السير في غابة مفاهيمية تقود إلى تعميق الإقامة في السؤال بدلا من خلاص معرفي سريع.

السياق الوجودي

يدرك المؤلف أن فكر هايدغر يقاوم الاختزال، وأن أي محاولة لتحويله إلى تعريفات قاطعة تفرغه من توتره الخلاق، لذلك يقدم القاموس بوصفه فعل تأويل مستمرا، يصبح كل مدخل فيه فرصة لإعادة التفكير في المفهوم، وفي سياقه الوجودي، وفي تحولاته داخل مشروع هايدغر. يقول في أحد المقاطع التي تحدد أفق الكتاب: "هذا القاموس ليس شرحا نهائيا، بل دعوة للقراءة المتعمقة والمستمرة، لأن فكر هايدغر لا يتجلى في تعريفات ثابتة، بل في حركة فهم وتأويل لا تنتهي، حيث يكون كل تأويل وجها آخر للفهم، وكل فهم خطوة في طريق الكشف".

فكر هايدغر لا يتجلى في تعريفات ثابتة، بل في حركة فهم وتأويل لا تنتهي، حيث يكون كل تأويل وجها آخر للفهم، وكل فهم خطوة في طريق الكشف

يبدو هذا المقطع أشبه بإعلان فلسفي عن طبيعة القاموس ذاته، إلى جانب كونه توضيحا منهجيا. يدعى القارئ للتخلي عن وهم الامتلاك المعرفي والدخول في علاقة تشاركية مع النص، حيث يصبح الفهم فعلا زمنيا ويغدو الكشف مسارا مفتوحا.

يتخذ مفهوم "نسيان الوجود" موقعا بارزا في القاموس، ويتكرس بوصفه المحور الذي تتفرع منه بقية المفاهيم، إذ يعالج المؤلف هذا المفهوم بوصفه بنية تاريخية وأنطولوجية، تتجلى في الفكر الغربي وفي اللغة وفي الحياة اليومية. النسيان هنا يتجاوز كونه حالة نفسية أو ضعفا في الذاكرة، ليغدو نمطا من الحضور المشوَّه للوجود، حيث تنشغل الذات بالكائنات وتغفل عن انفتاح الوجود نفسه.

في شرح مدخل "نسيان الوجود"، يكتب المؤلف نصا كثيفا يربط الفلسفة بالتجربة المعيشة، ويُبرز أثر النسيان في تحويل العالم إلى موضوع للسيطرة والتمثيل: "نسيان الوجود هو الغفلة الأصلية التي وقعت فيها الفلسفة الغربية منذ أفلاطون، حين انشغلت بالكائنات: ما هي؟ ما جوهرها؟ كيف تُعرَف؟ ونسيت أن تسأل عن الوجود نفسه، الذي يجعل الكائن ممكنا في الأصل. في هذا النسيان، لم يُقصَ الوجود فقط من السؤال، بل أُخذ وكأنه مفهوم ومضمون سلفا، فبات غائبا بوصفه موضوعا للمساءلة".

يتجاوز هذا الشرح عرض المفهوم ليكشف أثره العميق في تشكل الوعي الحديث، وتحوّل المعرفة إلى أداة، وفقدان الإنسان لعلاقته الأصيلة بالعالم. يعمل القاموس هنا نقدا حضاريا في موازاة دوره كشرح فلسفي.

تحظى اللغة في "قاموس هايدغر" بمكانة مركزية، إذ يعيد المؤلف تأكيد الفكرة الهايدغرية التي ترى اللغة بوصفها موضع انكشاف الوجود. اللغة وسيلة يتحقق عبرها المعنى بوصفها حدثا وجوديا يتجلى فيه العالم، كما يولي المؤلف اهتماما خاصا بأخطار الاقتلاع اللغوي، وبالتحول التقني للغة، وبفقدانها قدرتها على الإصغاء. في أحد المقاطع التي تتناول هذا الجانب، يربط بين نسيان الوجود وانحراف اللغة نحو الاستعمال الآلي، حيث تتحول الكلمات إلى إشارات تقنية معزولة عن التجربة الحية. فاللغة حين تفقد سكنها الأصلي، تتحول إلى سطح يعزل بدل أن يكشف، ويغدو الفكر أسيرا للتمثيل والتكرار.

غلاف كتاب "مصطلحات الفلسفة الوجودية عند مارتن هايدغر"

مقارنة مع معجم محمد عناني

يُظهر النظر المقارن بين كتاب "قاموس هايدغر" لخالد الغنّامي ومعجم ودراسة "مصطلحات الفلسفة الوجودية عند مارتن هايدغر" لمحمد عناني اختلافا جوهريا في تصور الوظيفة المعجمية ذاتها، فمعجم عناني ينطلق من هاجس التقعيد والضبط، ويعمل على تنظيم المصطلحات داخل بنية تفسيرية تعليمية، تعنى بتأمين مدخل واضح للقارئ العربي إلى عالم هايدغر المفاهيمي، مع عناية خاصة بالإحالات الترجمية والسياقات الفلسفية الغربية، وشرح الخلفيات التي أنتجت المصطلح داخل تاريخ الفلسفة الحديثة.

حين تفقد اللغة سكنها الأصلي، تتحول إلى سطح يعزل بدل أن يكشف، ويغدو الفكر أسيرا للتمثيل والتكرار

في المقابل، يتقدم "قاموس هايدغر" بوصفه تجربة تفكير مرافقة للنص الهايدغري، حيث يتخلى الغنّامي عن الطابع التعليمي الصارم، ويتجه نحو كتابة تأويلية تقيم داخل المفهوم بدل الاكتفاء بتحديده.

القاموس هنا يتحول إلى فضاء تأملي، تتداخل فيه اللغة الفلسفية مع الحس الوجودي، وتغدو المصطلحات مناسبات للتفكير في الوجود والزمن واللغة، بدل أن تكون وحدات دلالية مغلقة. وهو ما يجعل عمل عناني أقرب إلى المعجم المرجعي الذي يُستخدم للعودة والتثبت، فيما يتخذ كتاب الغنّامي شكل نص يُقرأ بوصفه كتابا فلسفيا قائما بذاته، يطالب القارئ بالإقامة داخل لغته، وبالمشاركة في حركته التأويلية.

Wikimedia Commons
مارتن هايدغر

التساؤل بوصفه حركة

يكشف مدخل "التساؤل" أحد أهم مفاصل الكتاب، حيث يعيد المؤلف تعريف السؤال بعيدا من التصورات المعرفية التقليدية. التساؤل عند هايدغر، بحسب المؤلف، حركة وجودية تنفتح بها الذات على العالم، وتعيد تشكيل علاقتها بذاتها وبالزمن وبالمصير. يقول في هذا السياق: "التساؤل عند هايدغر ليس مجرد طلب للمعرفة أو استفهام عن معلومة، بل هو حركة وجودية أساسية ينفتح بها الإنسان على الوجود نفسه. فالتساؤل ليس أداة تُستخدم، بل هو الطريقة التي بها يحضر الوجود كمسألة، أي كشيء يستحق التفكير".

يجعل هذا الفهم من القاموس نفسه ممارسة للتساؤل، حيث كل مدخل يعيد طرح السؤال بدل أن يغلقه، ويبقي القارئ في حالة انفتاح دائم.

يمثل هذا الكتاب أيضا تجربة ترجمية من نوع خاص، حتى في غياب الترجمة المباشرة، إذ يعبر المؤلف بسلاسة حقلا دلاليا شديد الحساسية، ويواجه تحديات نقل مفاهيم وُلدت في سياق لغوي وفلسفي مغاير. الترجمة هنا حوار مع المعنى، وتنقيب في طبقات اللغة، ومحاولة لإعادة وصل الكلمة بالتجربة الوجودية. بهذا، يصبح "قاموس هايدغر" مساهمة في إثراء اللغة الفلسفية العربية، وتوسيع قدرتها على احتضان الأسئلة الوجودية الكبرى.

يتعامل المؤلف مع اللغة باعتبارها مجال انكشاف لا أداة توصيل، يقوم أسلوبه على جمل متأنية، مشدودة الإيقاع، تتحرك بين الشرح والتأمل، وتبقي المعنى في حالة توتّر خصب. المفردات مختارة بعناية، وتُحمَّل بطاقة دلالية تتجاوز الاستعمال المعجمي، فتغدو الكلمات مواقع إقامة للمعنى لا إشارات عابرة إليه.

ينهض الأسلوب عند خالد الغنّامي على اقتصاد لغوي محسوب، حيث تتقدم الجملة بوصفها وحدة تفكير قائمة بذاتها، ويغيب التراكم الشارح لصالح التدرج المفهومي. ينفتح كل تعريف على ما يليه، وتهيئ كل فقرة الأرضية لما بعدها، بما يجعل القاموس نصا ذا نفس سردي خفي، يربط بين المفاهيم عبر خيوط لغوية دقيقة. كما يظهر أثر الحس الفلسفي في ميل الأسلوب إلى التوقف عند الكلمات المفصلية، وإعادة تدويرها داخل سياقات متعددة.

ينجح المؤلف في تحويل القاموس إلى نص فلسفي حي، يحاور هايدغر من الداخل، ويخاطب القارئ من موقع الشراكة الفكرية

يقدم الكتاب تجربة قراءة تتطلب صبرا وإقامة وتأملا، حيث يخرج القارئ وهو يحمل أسئلة أعمق وحساسية أعلى تجاه اللغة والوجود والزمن. ينجح المؤلف في تحويل القاموس إلى نص فلسفي حي، يحاور هايدغر من الداخل، ويخاطب القارئ من موقع الشراكة الفكرية، بعيدا من التبسيط أو التعقيد المصطنع، مما يمنح الكتاب أفقا جديدا للتعامل مع الفكر الهايدغري، ويؤكد قدرة اللغة العربية على احتضان أكثر الأسئلة الفلسفية توترا وعمقا.

font change