الانتصار الدبلوماسي المصري في رفح... تعطيل مخطط "الاتجاه الواحد"

نموذج إسرائيلي متحور

رويترز
رويترز
مركبة تقل جنوداً مصريين بالقرب من معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة، في رفح، مصر، 6 أغسطس 2025

الانتصار الدبلوماسي المصري في رفح... تعطيل مخطط "الاتجاه الواحد"

جاء قرار إسرائيل بإعادة فتح معبر رفح أمام حركة في الاتجاهين بما يتيح لسكان غزة المغادرة والعودة، في أعقاب ضغط دبلوماسي متواصل ومكثف قادته مصر بالدرجة الأولى، فقلب المسعى الإسرائيلي، طوال الشهور الماضية، لفتح البوابة البرية الوحيدة لغزة على العالم الخارجي باتجاه واحد، يسمح بالخروج من القطاع ويمنع العودة إليه.

وبغض النظر عن الخلاف المصري-الإسرائيلي القائم حول أعداد المغادرين والعائدين، يندرج هذا التوجه ضمن استراتيجية إسرائيلية أوسع ترمي إلى تقليص الكثافة السكانية في غزة تدريجيا، خاصة بعد الدمار الواسع الذي طال المنازل والبنى التحتية، وحالات النزوح الواسعة التي خلفها النزاع الذي اندلع في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

غير أن مصر رفضت منذ البداية أن تكون ممرا لهذا المسار. وأكدت القاهرة في كل مناسبة أنها لن تلعب أي دور يمكن أن يفرّغ غزة من سكانها الفلسطينيين. كما رفضت على نحو متواصل المقترحات الإسرائيلية المتعاقبة بشأن إقامة مرافق تفتيش جديدة قرب المعبر، أو فرض قيود صارمة على أعداد العابرين، أو نقل موقع المعبر، معتبرة أن هذه الإجراءات تشكل آليات ملتوية لفرض تهجير قسري.

وخلال جولات التفاوض في الأشهر الماضية، تمسكت مصر بأن يظل المعبر تحت إدارة فلسطينية-مصرية مشتركة، من دون تغييرات إسرائيلية أحادية. واستندت مرارا إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، والذي ينص صراحة على تشغيل المعبر في الاتجاهين، فضلا عن قرارات مجلس الأمن ذات الصلة التي تحظر التهجير القسري للسكان.

وعلى صعيد يتجاوز التنسيق الإقليمي، وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تحذيرات واضحة إلى أوروبا، ولا سيما في الرابع والعشرين من يناير/كانون الثاني، مؤكدا أن أي تهجير قسري من غزة من شأنه أن يطلق موجات هجرة واسعة نحو القارة ويهدد أمن حدودها.

أدت التحركات الدبلوماسية ومتعددة الأطراف والاستراتيجية، مجتمعة، إلى تشديد الضغط على إسرائيل تدريجيا، إلى أن تراجعت عن نموذج الاتجاه الواحد

وقد أدت هذه التحركات الدبلوماسية ومتعددة الأطراف والاستراتيجية، مجتمعة، إلى تشديد الضغط على إسرائيل تدريجيا، إلى أن تراجعت عن نموذج الاتجاه الواحد. وأعيد فتح المعبر في الثاني من فبراير/شباط، في مرحلة أولى لحركة مشاة محدودة، مع تنسيق أمني شاركت فيه إسرائيل ومصر والاتحاد الأوروبي، في سابقة هي الأولى منذ نحو عامين تسمح بتدفق في الاتجاهين.

ورغم أهمية هذا التطور، فإن المسألة لم تحسم. بل تم فتح الباب أمام صراع مرشح للاستمرار حول الحفاظ على التركيبة الديموغرافية لغزة وصون حق سكانها الفلسطينيين في البقاء راسخين في أرضهم، في ظل توترات إقليمية ودولية متواصلة.

رؤية لا تهادن

يكشف الإصرار الإسرائيلي على فرض تدفق أحادي الاتجاه عبر معبر رفح، يسمح لسكان غزة بالمغادرة ويمنع عودتهم، عن حقيقة صارخة، وهي أن الاستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى تقليص الوجود السكاني الفلسطيني في القطاع ما تزال قائمة، وتعود إلى الواجهة دوريا في سياق سعي بعيد المدى لإعادة توطين الشريط الساحلي بمجتمعات يهودية.

رويترز
شباب فلسطينيون بالقرب من خيام النازحين في وسط قطاع غزة، 6 فبراير 2026

خلال الأشهر الأخيرة، استكشفت الحكومة الإسرائيلية سبل تحقيق هذا الهدف، بما في ذلك الترويج لما تسميه "هجرة طوعية" لسكان غزة. وفي ظل قصف متواصل دمّر البنى التحتية وأودى بحياة أعداد كبيرة، لا سيما من الأطفال والنساء وكبار السن، في نزاع امتد قرابة عامين، سعت إسرائيل إلى البحث عن وجهات محتملة لنقل الفلسطينيين إليها.

رغم أن مساعي إسرائيل لم تُفضِ حتى الآن إلى خيارات قابلة للتنفيذ، فإن احتمال تحققها مستقبلا لا يمكن استبعاده

ورغم أن هذه المساعي لم تُفضِ حتى الآن إلى خيارات قابلة للتنفيذ، فإن احتمال تحققها مستقبلا لا يمكن استبعاده، خصوصا إذا ما حاولت بعض الدول أو الكيانات ذات الحكم الذاتي استرضاء تل أبيب مقابل مكاسب سياسية أو اقتصادية.

ولكن بعيدا عن الحسابات الاستراتيجية، يحمل تفريغ غزة وإعادة توطينها دلالة دينية عميقة لدى بعض التيارات الأيديولوجية في إسرائيل، خاصة داخل الصهيونية الدينية، التي تنظر إلى غزة بوصفها جزءا لا يتجزأ مما يُعرف بـ"أرض إسرائيل" التوراتية، التي وهبها الله، كما يقولون، للشعب اليهودي.

ورغم أن أتباع الصهيونية الدينية لا يتجاوزون 14 في المئة من سكان إسرائيل، فإن تأثيرهم السياسي ونفوذهم في المشروع الاستيطاني يفوق وزنهم العددي، وهم يقدمون الاحتلال واستعادة الأراضي باعتبارهما تكليفا دينيا، لا تعبيرا قوميا فحسب.

وليست هذه الرؤية اللاهوتية طارئة، بل تعزز حضورها عقب حرب الأيام الستة عام 1967، حين اعتبر أنصار الصهيونية الدينية السيطرة على غزة ومناطق أخرى فرصة قدرية لتحقيق نبوءات دينية في معتقداتهم. ومن هذا المنطلق، صُوّر الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من غزة عام 2005 كخيانة دينية وتاريخية فادحة، تستوجب التصحيح لاستكمال المشيئة الإلهية.

ويتبنّى هذا التوجه شخصيات بارزة، من بينها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي يرى أن إعادة احتلال غزة وإعادة توطينها بعد هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 يمثلان واجباً أخلاقياً وروحياً لترسيخ السيادة اليهودية الحصرية على الأرض.

أ.ف.ب
جنود على الجانب المصري من معبر رفح الحدودي مع غزة في رفح، 18 أغسطس 2025

وبصرف النظر عن الدوافع العقائدية، فإن إعادة بسط السيطرة على غزة تُعد أيضا وسيلة لتحييد التهديدات الأمنية المتكررة التي تطال التجمعات الإسرائيلية القريبة. وقد أظهرت أحداث السابع من أكتوبر 2023 أن هذه المخاطر ستظل قائمة ما دام القطاع مأهولا بسكان فلسطينيين وتديره سلطة فلسطينية.

معركة الهوية

إن الضغط الإسرائيلي لفتح ممر أحادي الاتجاه عبر رفح إلى مصر ثم إلى أي وجهة أخرى لم يكن سوى الواجهة الظاهرة لاستراتيجية أوسع وأطول أمدا. وتعطيل هذا المخطط لا يعني إنهاءه، بل دفعه إلى الظل، حيث يواصل التحور بأشكال مختلفة.

في المقابل، فإن إعادة فتح المعبر في الاتجاهين تشكل ساحة من ساحات صراع شامل حول مستقبل غزة الديموغرافي، والهوية الوطنية الفلسطينية، والحضور الطويل الأمد على الأرض.

بدأت إسرائيل بالفعل في تعديل مقاربتها. فبعد سقوط خيار الخروج بلا عودة، نجدها تسعى الآن إلى تكريس دورها الحاسم على البوابة، فتحدد من يحق له الرجوع إلى القطاع.

خلال الحرب، عبر ما بين مئة ألف ومئة وعشرة آلاف من سكان غزة إلى مصر، هربا من القصف، أو طلبا للعلاج، أو اتقاء لخطر داهم. ومن المتوقع أن تبدأ عودتهم التدريجية في الأسابيع أو الأشهر المقبلة، لكن بوتيرة وشروط تقررها إسرائيل يوميا.

ورغم أن هؤلاء العائدين لا يشكلون سوى خمسة في المئة من سكان غزة قبل الحرب، الذين تجاوز عددهم مليوني نسمة، فإن عودتهم تحمل رمزية كبيرة. وتدرك مصر ذلك جيدا، ولهذا خاضت معركة صلبة لتثبيت مبدأ العودة. وبالنسبة إلى الفلسطينيين، يمثل حق الرجوع دليلا على أن غزة ما تزال أرضهم.

تبدو إسرائيل مصممة على تكريس هذا الواقع. من خلال جعل الحياة اليومية شديدة القسوة، وإضعاف الروابط العاطفية بالمكان

غير أن الأسر التي ستعبر الحدود عائدة ستجد وطنا تبدلت ملامحه. أحياء واسعة تحولت إلى ركام، وشوارع ومدارس ومساجد ومستشفيات اختفت. أقارب وجيران وأصدقاء قد لا يكونون هناك بعد اليوم. وقع هذا الاغتراب سيكون عميقا.

أما الذين بقوا في القطاع ولم يغادروا، فقد عاشوا هذا الشعور منذ بدء وقف إطلاق النار، يتنقلون بين مشاهد فقدت معالمها، في فضاء يغلب عليه الغياب. وتبدو إسرائيل مصممة على تكريس هذا الواقع، من خلال جعل الحياة اليومية شديدة القسوة، وإضعاف الروابط العاطفية بالمكان، إذ تسعى إلى تحويل البقاء إلى عبء لا يطاق، بحيث يبدو الرحيل الخيار الأقل ألما.

أ.ف.ب
مبان مدمرة في حي الزهراء، جنوب غرب النصيرات وسط قطاع غزة، في 6 فبراير2026

ولترسيخ هذا الضغط، يُرجح أن تعرقل إسرائيل جهود إعادة الإعمار طالما سنحت لها الفرصة لفعل ذلك، لإبقاء غزة غير صالحة للسكن لأطول فترة ممكنة. وقد عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن هذا التوجه بوضوح الشهر الماضي، حين قال إن المرحلة الثانية من إطار وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة لا تتعلق بإعادة البناء، بل بنزع سلاح "حماس".

ومع عودة جميع الرهائن، أحياء وأمواتا، يتوقع كثيرون أن يبادر نتنياهو إلى استغلال أول ذريعة ممكنة لاتهام "حماس" بخرق الاتفاق، وإنهاء الهدنة، واستئناف العمليات العسكرية. من جهتها، تواصل "حماس" رفض نزع سلاحها، ما يوفر له المبرر الذي يحتاجه.

يبقى السؤال مطروحا حول ما إذا كانت مصر قادرة على حشد القدر نفسه من الحنكة الدبلوماسية وأدوات الضغط الدولي لحصر إسرائيل والحفاظ على وقف إطلاق النار.

المؤكد أن التحدي المقبل واسع النطاق. فالقاهرة تواجه صراعا متعدد الأبعاد يتجاوز معبر رفح، في سبيل صون سكان غزة وهويتهم وحقهم في إعادة البناء، في مواجهة محاولات مستمرة لجعل البقاء مستحيلا. وهذه معركة لا يمكن لمصر أن تخوضها بمفردها.

font change

مقالات ذات صلة