"صوت هند رجب" الذي يكشف فراغ الصورة واللغة

سياقات تضع الضحايا في عالم آخر

REUTERS/Yara Nardi
REUTERS/Yara Nardi
كوثر بن هنية تحمل صورة هند رجب على السجادة الحمراء في مهرجان البندقية، 3 سبتمبر 2025

"صوت هند رجب" الذي يكشف فراغ الصورة واللغة

الشحن العاطفي الذي يشعر به المرء قد يسبق استقباله فيلم "صوت هند رجب" وهو وثائقي-درامي من إخراج التونسية كوثر بن هنية. فصوت الطفلة التي تركت وحيدة في لحظاتها الأخيرة، محاطة داخل سيارة بجثث أفراد أسرتها لساعات وربما لأيام، لا يزال حاضرا في الذهن، كإشارة أو رمز إلى فظاعة لا يمكن تخيلها. ومن نباهة كوثر بن هنية في إخراجها لهذا الفيلم، أنها حافظت على هذا العنصر المتخيل في تصويرها للجريمة، فلا يصلنا من هند سوى صوتها كما سجله الهلال الأحمر الفلسطيني وحافظ عليه كوثيقة.

يطرح السؤال نفسه، لماذا تبرز قصة هند رجب من بين آلاف القصص والمجازر التي ارتكبت في حق الأطفال في غزة ووثقت بالعدسة المباشرة؟ فهل يكون صوت الطفلة أشد تأثيرا من مشهد آلاف الأجساد المقطعة أو المحروقة التي شاهدها العالم بأسره؟ وفي هذا الإطار كيف نفهم غياب صور العنف أو تمثيلها وانعكاس ذلك على المشاهد المتلقي؟ هل غياب صورة هند، وحضورها عبر الصوت وحده قد يجعل منها في مخيلة المشاهد طفلة تشابه كل أطفال الأرض، بلا أن تحمل دمغة الدم الفلسطيني أو الهوية العربية أو لونا محددا يحيلها إلى عرق معين؟ وهل يكون لذلك أثر في تعزيز تعاطف العالم معها إذ يحولها إلى طفلة عالمية إذا أمكن القول؟

مراجعة علاقتنا بالصورة

لا بد أن قصة هند رجب تبرز كرمز، أولا لأنها تشابه الخيال السينمائي في حبكتها، وثانيا لأنها لا تفعل سوى تأكيد المؤكد، وهو أن قتل الأطفال في غزة لا يتم من طريق الخطأ أو السهو، بل يبرز كفعل انتقامي.

إن دور الصورة في الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل في غزة، هو محوري بل أنه يجبرنا على مراجعة علاقتنا بالصورة. لا بد أن تلفزيون الواقع، هذا المفهوم الذي سهل نشأته تطور شبكات التواصل الاجتماعي، منح كل حياة فردية طابعا سينمائيا. كيف نستطيع فهم ذلك الدور ضمن إبادة سجلت بكل أحداثها ولحظاتها وشخوصها. لقد أمل الفلسطينيون، وشاركناهم هذا الشعور، بأن يشكل ذلك التوثيق المباشر واليومي للإبادة، ورقة ضغط يكون من شأنها أن توقف القتل. فخرج سكان غزة على كل وسائل التواصل الاجتماعي، ووثقوا ورووا قصصهم ومعاناتهم، مصورين حياتهم اليومية في أدق تفاصيلها. هؤلاء الضحايا الذين عانوا أشد المعاناة، باتوا شخصيات يتتبعها الملايين من حول العالم، والأكيد أن لذلك جانبا إيجابيا انعكس في نمو شبكة إلكترونية عالمية مناهضة للاحتلال غالبيتها من الجيل الشاب. لكن هؤلاء الضحايا باتوا صوريا نجوما في نظر شريحة من العالم، فيما ظلوا يقتلون إلى ما لا نهاية، وكأن شهرتهم نفسها مرتبطة بمصرعهم المحتوم.

بات هؤلاء الضحايا صوريا نجوما في نظر شريحة من العالم، فيما ظلوا يقتلون إلى ما لا نهاية

هل كان أثر هذا الضخ الهائل من الصور المرعبة التي كانت تصلنا من غزة يوميا، أن تصيب المشاهد بالتبلد العاطفي، بحيث أننا إذا تخطينا سقف العنف المتخيل، يضحي كل عنف عاديا، وهل ساهمت شدة مرئية العنف وتوثيقه الحميمي، بتجريده من  حقيقته  على نحو ما؟ بالنسبة إلى الفيلسوف وعالم الاجتماع  الفرنسي جان بودريار، فإن عصر الصورة يهدد بانقراض الواقع في معناه الملموس أو استبداله من خلال آليات محاكاة الواقع. فإن كان هدف المحاكاة في بداياتها أن تحاكي واقعا معينا ملموسا، فإنها تنفصل عنه تدريجيا، لتخلق نسخا متعددة، كل منها يحاكي الآخر، ولا تحيلنا سوى إلى نفسها، بحيث أن صورة الواقع تحل مكان الواقع نفسه وتشكل ما يصفه بالواقع الفائق الذي هو واقع افتراضي يبدو حقيقيا أكثر من الواقع نفسه.

REUTERS/Yara Nardi
طاقم فيلم "صوت هند رجب" خلال جلسة تصوير في مهرجان البندقية السينمائي، 3 سبتمبر 2025

قد يكون هذا الطرح ذا معنى في محاولة فهم دور الصورة واثرها على المشاهد في ما كان يتلقاه من صور يومية ترده من غزة. فهل تحيل هذه الصور المشاهد إلى الواقع الحقيقي الملموس للإبادة الحاصلة، أم إلى تلفزيون الإبادة الذي يحدث على الشاشة والذي ينفصل عن واقع ابادة لا يمكن وقفها بكبسة زر أو قلب أو مشاركة؟

REUTERS/Yara Nardi
صورة لهند رجب تُرفع على السجادة الحمراء خلال وصول فريق فيلم "صوت هند رجب" في مهرجان البندقية السينمائي، 3 سبتمبر 2025

إن الإشباع الهائل لصور العنف المرئي، قد لا يكون أثره بحسب بودريار سوى تحييده أو إلغاء أثره الحقيقي، بحيث يتحول إلى استعراض من الصور المنفصلة عن الواقع التي لا تحيلنا سوى إلى نفسها. من بين كل تلك الصور المرئية، يبرز "صوت هند رجب" على حدة خارج كل مشهد يستطيع المتلقي وضعه ضمن سياقات وأطر تسمح له برسم مسافة بينه وبين الضحايا الذين يقتلون في عالم آخر.

العنف اللامرئي

 تعتمد واقعة مقتل هند رجب على السرد وما يحيلنا إليه ذلك من تجسدات العنف اللامرئي. هناك في القصة ما يشبه الأدب في انتقائيته، وهي بذلك تجبرنا على أن ننسج صلة فعلية مع هند، ليس بوصفها ضحية مصنفة حسب رقمها، فتخرج من "شاشة الابادة" إلى حميمية القصة وخصوصيتها. يعيدنا ذلك إلى مذكرات أو قصص أخرى مشابهة باتت رمزا لمآس جماعية.

GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
كوثر بن هنية خلال جلسة بورتريه في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي، 8 سبتمبر 2025

اختارت كوثر بن هنية أن تقص العنف دون أن تجسده، فصوت هند يضحي رمزا لكل ما لا نراه، لغزة التي تبدو في عالم مواز. صوت لا صورة له ولا جسد، كأنه عائم في فضاء العتمة، وبذلك قد يكون في كل مكان وفي اللا مكان أيضا. يرى الفيلسوف والمحلل النفسي السلوفيني ملادن دولار في كتابه  "صوت ولا شيء غيره"، مستندا بشكل أساس إلى لاكان، أن الصوت لا يمكن اختزاله في دور ناقل المعنى، بل هو تقريبا ما يتبقى من اللغة بعد أن تفرغ من  دلالاتها أو معانيها، وهو في مكان خارج اللغة والجسد أو ما بينهما. الصرخة تسبق اللغة وهي تستدعي وجود الآخر، أو المنقذ. الطفلة تستنجد بذلك العالم المقابل الذي يصوره الفيلم، مركز الهلال الأحمر الفلسطيني في رام الله، وهو عالم بالرغم من التصاقه العاطفي بما يحدث في غزة، إلا أنه مبتور عنها بفعل الاحتلال وقيوده.

صوت لا صورة له ولا جسد، كأنه عائم في فضاء العتمة، وبذلك قد يكون في كل مكان وفي اللا مكان أيضا

هما عالمان، بالرغم من وجعهما المشترك، متناقضان في مشهديتهما. فمركز الهلال الأحمر الفلسطيني كما تصوره المخرجة قد يكون في أي بلد، ولا بد أن ذلك أيضا يتوجه الى الجمهور الغربي في لعبة تجبره على التماهي مع ما يراه. إنه حوار مضن، ذلك الذي يدور بين الطفلة والمسعفين، وهو في رمزيته يعبر عن كل المستحيلات التي يفضي إليها الواقع الفلسطيني، فكيف للطفلة أن تفهم كل العوائق التي تمنع المسعفة من انقاذها. هند بالرغم من صغر سنها وبحسب تصورها الطفولي، تحاول أن تقترح حلولا فتطلب مثلا من المسعفة أن تتصل بزوجها كي يصطحبها إلى غزة بالسيارة.

REUTERS/Remo Casilli
عامر حليحل وكلارا خوري ومعتز ملحيش وسجا كيلاني على السجادة الحمراء، حاملين صورة هند رجب في مهرجان البندقية، 3 سبتمبر 2025

مسار الصوت

هناك مسار عجيب يسلكه صوت هند رجب، فالطفلة تستغيث من غزة بالهلال الأحمر الفلسطيني في رام الله الذي عليه بدوره أن ينسق مع الصليب الأحمر الدولي، صلة الوصل بينه وبين جيش الاحتلال الاسرائيلي، لكي يأذن له بعبور سيارة الاسعاف الوحيدة المتبقية في شمال غزة. لكنه الصوت الذي لا يرتد سوى على نفسه. مسار صوت يكشف فراغ اللغة والصورة. تلتقط المخرجة هذه المعضلة المستحيلة وترصد صراعا عبرها من خلال شخصيتين، أحدهما مدير مركز الهلال الاحمر في رام الله وهو حريص على التزام هذا المسار الإجباري من باب حماية المسعفين من قناصة الاحتلال، وموظف آخر يثور على مديره، حاثا اياه على اختصار الطريق والمبادرة لإنقاذ الطفلة بلا إذن عبور. لا الخضوع لتعليمات الاحتلال ولا مناهضته يجديان نفعا، ذلك ما يتضح أخيرا من خلال استهداف جيش الاحتلال لسيارة الاسعاف وللطفلة على نحو مباشر بالرغم من علمه بكل الإحداثيات. التقييد المفروض على  أفراد الهلال الأحمر الفلسطيني هو واحد من أشكال العنف اللا مرئي التي ترصدها المخرجة والتي تدفع كلا منهم إلى القاء اللوم على الآخر في محاولة لدحض قهر الواقع.

 @thepartyfilmsales
ملصق فيلم "صوت هند رجب"

ينتهي الفيلم بمشهد العثور على سيارة هند،  بعد رفع الحصار عن المنطقة  والتعرف الى الجثث. ما حدث لهند من بعد استهداف سيارة الإسعاف، هو ذلك الألم الذي يخرج به المشاهد من الفيلم. كيف عاشت الطفلة تلك اللحظات الأخيرة مع إدراكها استحالة وجود منقذ. هل كان في وسعها أن تفهم معنى العجز أم أنها عاشت ذلك كتخل جماعي عنها؟  

REUTERS/Yara Nardi
كوثر بن هنية تحمل جائزة الأسد الفضي من مهرجان البندقية عن فيلم "صوت هند رجب"، 6 سبتمبر 2025

حاز "صوت هند رجب" جائزة الأسد الفضي في مهرجان البندقية السينمائي ضمن احتفاء هائل بالعمل، وهو يتبارى حاليا في سباق الأوسكار مع أربعة افلام أخرى ضمن اللائحة النهائية لأفضل فيلم دولي، وهذا هو الترشيح الثالث الذي تناله المخرجة كوثر بن هنية ضمن جوائز الأوسكار. فقد رشح فيلمها الروائي، "الرجل الذي باع ظهره"، لأفضل فيلم دولي عام 2021 و"بنات ألفة" لجائزتي أفضل فيلم دولي وأفضل فيلم وثائقي طويل عام 2024. من بين المنتجين المنفذين للفيلم، الممثلان براد بيت وواكين فينيكس، وقد يكون ذلك أحد انعكاسات حرب الإبادة على غزة، بحيث بات البحث عن سينما موازية منشقة عن مركزية هوليوود وما تنتجه، سبيلا للثورة على السردية السائدة.

كيف عاشت الطفلة تلك اللحظات الأخيرة مع إدراكها استحالة وجود منقذ. هل كان في وسعها أن تفهم معنى العجز أم أنها عاشت ذلك كتخل جماعي عنها؟

قد يثلج القلب أن يفوز الفيلم بالأوسكار، وأن تحظى أفلام أخرى تتناول المأساة الفلسطينية بالاهتمام الكافي مثل "فلسطين 36" لآن ماري جاسر و"اللي باقي منك" لشيرين دعيبس، اللذين رشحا أيضا ضمن القائمة القصيرة للأوسكار، ولو أن مصادقة العالم على المأساة الفلسطينية، من بعد الإبادة، لم تعد هي القضية.

font change