سجناء "داعش" وعائلاتهم شرق سوريا... ملفات معقدة دون خطط توافقية

مسؤولية ثقيلة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
أطفال ونساء، من أقارب مشتبه بانتمائهم لتنظيم "داعش"، داخل مخيم الهول في منطقة صحراوية بمحافظة الحسكة شمال شرق سوريا، في 21 يناير 2026.

سجناء "داعش" وعائلاتهم شرق سوريا... ملفات معقدة دون خطط توافقية

عقب انهيار صفوف "قوات سوريا الديمقراطية" شرق الفرات منتصف شهر يناير/كانون الثاني الماضي، وتقدم القوات العشائرية في المنطقة، والتي تبعها تقدم قوات الحكومة السورية، برزت على السطح قضية سجون "داعش" والمخيمات التي تؤوي عائلات التنظيم ونازحين من مناطق سورية هربوا من العمليات العسكرية التي نفذها التحالف الدولي و"قوات سوريا الديمقراطية" ضد تنظيم "داعش" منذ عام 2015 حتى إعلان نهاية التنظيم في آخر معاقله بدير الزور (الباغوز) عام 2019.

وقد حازت قضية السجون على اهتمام دولي واسع كونها تشكل قنبلة موقوتة في حال انهيار دفاعات الحماية فيها وفرار قادة وعناصر التنظيم منها، والتي يقدر عددهم بالآلاف، كما أن المخيمات في شرق الفرات، وتحديدا مخيمي "الهول" و"روج" يحويان عائلات التنظيم من جنسيات عربية وأجنبية، وهو أمر لا يقل أهمية عن ملف السجناء بالنسبة لكثير من الدول، يضاف إليهما ملف مراكز الإيواء التي تحتوي أطفال ويافعي عناصر "داعش".

ونتيجة انهيار صفوف "قوات سوريا الديمقراطية" الدراماتيكي في شرق الفرات، وقّع قائد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، مظلوم عبدي، اتفاقا جديدا مع الحكومة السورية يوم 18 يناير/كانون الثاني الماضي، أعقبته خطوات وتعديلات أخرى على الاتفاق، تم اعتمادها يوم 29 من الشهر نفسه. وقد سببت العمليات العسكرية في شهر يناير/كانون الثاني تغييرات كثيرة في شرق الفرات وسياسة واشنطن حيالها، أبرزها هروب سجناء من سجن الشدادي أو ما يعُرف بـ"سجن الكم الصيني" بعد أن غادرت "قوات سوريا الديمقراطية" محيط السجن، مُتيحة المجال للسجناء للخروج منه، إضافة إلى الفوضى التي حصلت في سجن الأقطان ومحيطه في الرقة، والفوضى المشابهة في مخيم "الهول" بعد أن غادرت "قسد" وحراس الحماية نقاطهم بالتزامن مع تقدم قوات العشائر في المنطقة.

هذه الحوادث دفعت واشنطن إلى دعم تمديد مدّة تنفيذ الاتفاق بين "قوات سوريا الديمقراطية" والحكومة السورية، حتى يتسنى لها نقل السجناء من سجون "قسد" تجاه العراق مخافة أن تؤدي التوترات في المنطقة إلى فرارهم وعودة قوّة تنظيم "داعش" إلى الساحة السورية، والتي بدأت بالفعل بعملية النقل يوم 21 يناير/كانون الثاني الماضي، وبحسب بيان القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) فإن الهدف هو نقل نحو 7 آلاف سجين من سوريا إلى العراق.

السجون في شرق الفرات... الممكنات والتحديات

مع انطلاق عمليات التحالف الدولي ضد "داعش" نهاية عام 2014، وتشكيل "قوات سوريا الديمقراطية" لدعم عمليات التحالف برّا، بدأت تنشأ السجون التي يتم فيها إيقاف واعتقال عناصر التنظيم والذين تراهم "قسد" متعاونين معه، أو أولئك الذين يرتكبون الجرائم بحق المدنيين أو المخالفين لسياستها في المناطق التي بدأت تسيطر عليها بالتزامن مع هزيمة "داعش"، والتي وصلت مساحتها نحو ثلث الجغرافيا السورية وتتركز شرق الفرات السوري.

رويترز
سجن الصناعة في الحسكة، سوريا، 18 يناير 2025

وبحسب إحصائيات غير رسمية فإن "قسد" كانت تُدير نحو 26 سجنا فيها 12 ألف سجين، الآلاف منهم تم اعتقالهم أثناء المعارك ضد تنظيم "داعش" وهم من جنسيات سورية، وعربية، وأجنبية. وأبرز هذه السجون هي التي كانت "قسد" تضع فيها مقاتلي وقادة "داعش" من الجنسيات غير السورية، والقادة المهمين في التنظيم من السوريين. ومن هذه السجون سجن الصناعة في الحسكة، أو ما يُعرف أيضا باسم سجن غويران، الذي يحتوي نحو 4 آلاف سجين، المئات منهم من جنسيات أجنبية. إضافة إلى سجن علايا في القامشلي والذي يحتوي نحو 1700 سجين بينهم نحو 500 سجين غير سوري، وسجن الشدادي (الكم الصيني) وكان يحتوي على نحو 900 سجين بينهم نحو 300 غير سوريين، وسجن الأقطان في الرقة والذي يحتوي على نحو 2400 سجين، بينهم نحو 1000 من عناصر التنظيم السوريين وغير السوريين. أما بقية السجون فكانت بالغالب تحوي السوريين فقط، وعناصر التنظيم غير المهمين، إضافة لأصحاب الجنح الإجرامية أو المعارضة لـ"قسد".

قضية السجون حازت اهتماما دوليا واسعا كونها تشكل قنبلة موقوتة في حال انهيار دفاعات الحماية فيها وفرار قادة وعناصر التنظيم منها، والذين يقدر عددهم بالآلاف

خلال تقدم قوات الحكومة السورية في مناطق شمال دير الزور، بالقرب من منطقة الشدادي، حصل اجتماع بين ممثلين عن قوات التحالف السوري ووفد من الحكومة السورية في منطقة جبسة جنوب الحسكة، يوم 18 يناير/كانون الثاني، لبحث آليات التعامل مع السجون والمخيمات وسط تقدم قوات الحكومة، وقد أكد وفد دمشق أن الحكومة جاهزة لاستلام السجون والمخيمات بالتنسيق مع التحالف الدولي و"قسد"، وبناء عليه توقفت قوات الحكومة جنوب الشدادي بانتظار تسليم "قسد" لسجن الشدادي (الكم الصيني).

وبحسب معلومات "المجلة" فإن اليوم التالي شهد اشتباكات في منطقة السجن لم تكن الحكومة السورية جزءًا منها، وغالب الظن كانت نتيجة خلافات بين قادة "قسد" وعناصرها، وفي خلال أقل من ساعتين بدأ السجناء في الخروج من السجن بعد أن فُتحت الأبواب لهم. وقد اعتبرت الحكومة السورية ما حصل فرصة لإظهار قدرتها على ضبط الأمور، فقامت قوات وزارة الدفاع وقوات الأمن الداخلي بخلق طوق أمني حول منطقة الشدادي؛ لمنع أي عمليات هروب للسجناء من المنطقة، وطالبت الأهالي بعدم الخروج من منازلهم أثناء عمليات التمشيط. واستطاعت الحكومة استعادة أكثر من 80 سجينا في أقل من 24 ساعة، من أصل نحو 120، استطاعوا الفرار من السجن، وهم من السوريين، كون أن التحالف الدولي كان قد نقل العناصر الأجانب وقادة "داعش" المهمين من السجن نحو سجني الحسكة وعلايا مطلع شهر يناير/كانون الثاني. وبالتزامن مع هذه الفوضى في منطقة سجن الشدادي، كانت هناك اشتباكات وفوضى في محيط سجن الأقطان في الرقة، وسط عدم قبول عناصر "قسد" الخروج من السجن وتسليمه للحكومة السورية.

رويترز
تتقدم مركبات عسكرية أميركية أمام حافلات تنقل معتقلي تنظيم "داعش" من سوريا إلى العراق، في مدينة القامشلي بسوريا، 8 فبراير 2026

كانت قوات التحالف قد نقلت نحو 1000 سجين من الأقطان نحو سجني علايا والحسكة أيضا مطلع شهر يناير/كانون الثاني، في مؤشر على توقعات الجانب الأميركي بإمكانية تقدم الحكومة السورية إلى المنطقة وسط مخاوف من أن تسبب الاشتباكات حالة من الفوضى تسمح لعناصر التنظيم بالهروب من السجن. وقد أثارت الفوضى الأمنية في سجني الأقطان والشدادي مخاوف من أن تقوم "قسد" بإطلاق سجناء التنظيم من سجني الحسكة وعلايا لخلط الأوراق في المنطقة، أو أن يقوم التنظيم بشن هجمات على السجون، مستغلا الفوضى الحاصلة، في حال امتدت الاشتباكات إلى الحسكة والقامشلي. هذه المخاوف تُرجمت بزيارة مكثفة لمبعوث الرئيس الأميركي إلى سوريا توماس باراك إلى دمشق، والاتصال الذي حصل بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره السوري أحمد الشرع يوم الاثنين 19 يناير/كانون الثاني، وقد أفضت التحركات الأميركية إلى هدوء حذر في منطقة الحسكة والقامشلي وفتحت الأبواب نحو اتفاقات لاحقة بضغط أميركي على "قسد". وكان لافتا قيام قسد بإطلاق سراح معتقلين سوريين متهمين بالتعاون مع "داعش" من سجني علايا والحسكة، منتصف شهر يناير/كانون الثاني، ما يعكس الحاجة لمساحات في السجنين لاستقبال من تم نقلهم من الشدادي والأقطان.

بحسب معلومات "المجلة" فإن اليوم التالي شهد اشتباكات في منطقة السجن لم تكن الحكومة السورية جزءًا منها، وغالب الظن كانت نتيجة خلافات بين قادة "قسد" وعناصرها، وفي خلال أقل من ساعتين بدأ السجناء بالخروج من السجن بعد أن فُتحت الأبواب لهم

الجانب الأميركي وبعد تقييمه لمخاطر انهيار الهدنة بين الحكومة السورية و"قسد"، قرر بدء عملية نقل السجناء من "الحسكة" و"القامشلي" إلى العراق، وعلى الرغم من أن عملية النقل قد بدأت بالفعل رغم وجود عقبات سواء من ناحية عمليات النقل ومدتها، أو من ناحية وجود سجون في العراق جاهزة لاستقبال هذا العدد المتوقع- 7 آلاف سجين- الذي أعلنت عنه (سنتكوم)، وبحسب معلومات "المجلة"، فإن الجانب العراقي طلب قبل أيام من واشنطن التمهل في عمليات النقل قليلا، خاصةً وأن السجون ليست كلها جاهزة لاستقبال سجناء بأهمية عالية وخطورة كبيرة (قادة "داعش" وعناصره الأجانب)، كما أن هناك أسئلة لدى الحكومة العراقية حول كيفية التعامل معهم لاحقا، هل سيبقون في العراق لفترة طويلة؟ وهل سيتم إعادتهم إلى بلدانهم؟ وهل سيتم محاكمتهم في العراق على جرائم ارتكبوها في سوريا؟ ورغم كل ذلك استمرت عمليات النقل. وبحسب معلومات "المجلة" بلغ عدد الذين نقلهم حتى يوم 11 فبراير/شباط الجاري نحو 4850 سجينا، الأكثر خطورة تم نقلهم عبر طائرات، والأقل خطورة تم نقلهم عبر باصات نحو العراق.

وفي الوقت نفسه أثارت إمكانية وصول نوري المالكي إلى منصب رئاسة الوزراء في العراق كثيرا من الأسئلة عند بعض المسؤولين الأميركيين في التحالف الدولي، خصوصا وأن الرئيس الأميركي حذر من وصوله إلى المنصب، وهدد بقطع الدعم عن العراق، وهذا له أهميته إذا ما أُسقط على مصير التعامل مع السجناء الأجانب وقادة "داعش" الذين يتم نقلهم من سوريا نحو العراق، خصوصا في حال أصبحت العلاقة بين واشنطن والعراق متوترة، ووجود احتمالية أن تتراجع قوّة  التنسيق بين البلدين في ملفات أمنية عدّة.

وبالفعل أعلن الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، صباح النعمان، أن عملية نقل معتقلي "داعش" إلى بلاده جاءت وفق حسابات استراتيجية دقيقة، مشيرا إلى أنه تم نقل 4500 حتى نشر هذا التقرير في 12 فبراير/شباط.

أ.ف.ب
خلال حملة أمنية تشنها "قوات سوريا الديمقراطية" ضد "الخلايا النائمة" التابعة لتنظيم "داعش" في مخيم "الهول"بمحافظة الحسكة شمال شرق سوريا، في 18 أبريل 2025

أما التحالف الدولي فقد عقد اجتماعا يوم الاثنين 9 فبراير/شباط في العاصمة السعودية الرياض، وأكد التحالف في بيانه أن من أولويات المرحلة النقل الآمن والسريع لمعتقلي "داعش"، كما رحّب باستلام سوريا السجونَ والمخيماتِ التي تؤوي عناصر التنظيم وعائلاتهم، كما أشاد بدور العراق في احتجاز عناصر "داعش" الذين يتم نقلهم، ودعا الدول إلى تحمّل مسؤوليتها في استعادة مواطنيها من سوريا والعراق، إلا أن عدم وجود جدول زمني لتحقيق هذه الملفات (عمليات نقل المساجين وعودة المواطنين غير السوريين والعراقيين) يعكس عدم وجود توافقات صلبة بين الحضور على آليات التعامل مع هذه الملفات.

المخيمات.. خطط سريعة وعقبات في الطريق  

تنتشر في منطقة شرق الفرات العشرات من المخيمات التي نشأت نتيجةً لعمليات التحالف الدولي و"قسد" ضد تنظيم "داعش"، وأبرز هذه المخيمات مخيم "الهول" (يحتوي أكثر من 23 ألف شخص، نحو 6 آلاف هم من غير السوريين والعراقيين) ومخيم "روج" (يحتوي بضعة آلاف، هم من غير السوريين). ويتقسم مخيم "الهول" إلى عدّة أقسام، حيث يوضع الأجانب في أقسام تُسمى "الملاحق"، وهي تحت حراسة مشدّدة مفصولة عن بقية أقسام المخيم التي تحتوي العراقيين والسوريين. وخلال العمليات العسكرية الأخيرة شرق الفرات، شهد مخيم "الهول" حالة فوضوية كبيرة، خصوصا مع تراجع "قسد" وتركها للمخيم دون حراسة يوم 20 يناير/كانون الثاني.

وبحسب معلومات "المجلة" فإن عددا من سكان المخيم استطاعوا خرق السور المحيط والهروب منه، في حين كان الأجانب يبذلون جهدهم لدخول القطاعات السورية والعراقية والاختباء فيها استعدادا للفرار من المخيم. كما قامت النساء بأعمال تخريبية متمثلة بحرق مركز التوقيف الموجود في المخيم، والذي يطلقون عليه اسم "السجن الأحمر"، والدخول إلى مكاتب المنظمات الدولية وتخريبها. وقد وصلت الحكومة السورية إلى المخيم، وبدأت إجراءات تأمينه، وأعلنت في اليوم التالي أن محيط المخيم ومنطقة "الهول" هي منطقة عسكرية، وبدأت عملية بحث مكثفة لإعادة الفارّين من المخيم. وبعد أيام، وبالتحديد في 24 يناير/كانون الثاني، حصلت محاولة تهريب لنساء أجانب مع أطفالهن من المخيم، إلا أن قوات الأمن الداخلي السورية استطاعت إفشال العملية وحصلت اشتباكات مع خلية كانت تحاول مساعدة النساء على الهرب، أوقعت قائدها قتيلا، وخلفت عددا من الجرحى.

ورغم أنه من غير المعروف عدد النساء والرجال الذين استطاعوا الهروب من المخيم، فإنه، وبحسب مصادر "المجلة"، تمت إعادة العشرات منهم خلال الأيام اللاحقة لسيطرة الحكومة السورية على المخيم. وقد تزامن ذلك مع بدء الحكومة السورية إجراءات إحصاء واستصدار بطاقات تعريف جديدة في القطاعات السورية والعراقية في المرحلة الأولى، وفتحت المجال أمام منظمات الأمم المتحدة للدخول إلى المخيم، وبدأت بإجراءات إدخال الطعام والاحتياجات ودعم القطاعات الصحية بالتنسيق مع الأمم المتحدة. وعلى الرغم من أن المخيم يحتوي على سوريين وعراقيين لا علاقة لهم بـ"داعش"، فهم نازحون من المناطق التي شهدت اشتباكات بين "قسد" و"داعش"، فإنه يحتوي أيضا على عائلات لعناصر التنظيم من الأجانب، السوريين والعراقيين، وهم ما زالوا يؤمنون بفكر التنظيم، وهو أمر أدركته القوات السورية في الأيام الأولى لدخولها المخيم، فقطاعات الأجانب شهدت حالات كثيفة لهجمات على رجال الأمن السوري بالحجارة، وكانت النساء تتهم العناصر بأنهم عملاء للغرب وأن حكومتهم كافرة، كما أن عبارات على سبيل "عملاء الغرب" سمعها كثير من عناصر الأمن السوري في قطاعات العراقيين والسوريين.

أما مخيم "روج" الذي ما زال تحت سيطرة "قسد" حتى اللحظة، فإنه يحتوي على النساء والأطفال الأجانب الذين كانت تراهم "قسد" والتحالف أقل تشددا، أو من الذين تم تهديدهم من قبل خلايا "داعش" في مخيم "الهول"

أما مخيم "روج" الذي ما زال تحت سيطرة "قسد" حتى اللحظة، فإنه يحتوي على النساء والأطفال الأجانب الذين كانت تراهم "قسد" والتحالف أقل تشددا، أو من الذين تم تهديدهم من قبل خلايا "داعش" في مخيم "الهول". وكانت عمليات الترحيل إلى البلاد الأصلية تتم من مخيم "روج"، وليس من مخيم "الهول" في غالب الأحيان. وفي الوقت الحالي يشرف التحالف الدولي بشكل مكثف على حماية مخيم "روج" لمنع حصول حالة من الفوضى، كتلك التي حصلت في مخيم "الهول"، حال انهيار التوافقات بين الحكومة السورية و"قسد". وفي إجراء احترازي قامت قوات التحالف مطلع شهر يناير/كانون الثاني بنقل المئات من النساء والأطفال الأجانب من مخيم "الهول" نحو مخيم "روج".

وترى الحكومة السورية أن الطريق الأمثل للتعامل مع مخيمي "روج" و"الهول" هو عبر إخراج السوريين الذين يثبت عدم انتمائهم لـ"داعش"، وإعادة الأجانب والعراقيين إلى بلدانهم بأسرع وقت ممكن، وبذلك تنتهي إشكالية المخيمين. إلا أن هذا الطريق الذي يبدو ليس سهلا أو يمكن تحقيقه في وقت قصير، خصوصا وأن كثيرا من الدول سحبت جنسيات من النساء الذين غادرن بلدانهن وانضممن لـ"داعش"، إضافة إلى أن الدول ليست مستعدة لإعادتهم بشكل سريع إلى بلدانهم، خصوصا في ظل الإشكاليات والنقاشات الداخلية القانونية- المستمرة منذ سنوات- التي تخوضها الحكومات والبرلمانات الأوروبية حول عناصر ونساء تنظيم "داعش" الأوروبيين الموجودين في سوريا وإمكانية استعادتهم. وفي وقت سابق أخبرت الولايات المتحدة دمشقَ أنها ستبذل جهدها في الضغط على جميع الدول لاستعادة النساء والأطفال من المخيمات الموجودة في سوريا، إلا أن الجدول الزمني المتوقع لتنفيذ هذه المهمة ما يزال غير معروف للجانب الأميركي والسوري على حدّ سواء، وإلى حين إنهاء هذ الملف يبقى ملف تأمين المخيم وحمايته ومنع أي عمليات تهريب منه أولوية قصوى للحكومة السورية، بالتنسيق مع التحالف الدولي والجانب الأميركي.

أ.ف.ب
صورة جوية لما كان يُعرف سابقا بالقاعدة العسكرية الأميركية في مدينة الرقة شمال شرق سوريا، والتي كانت تُعتبر العاصمة الفعلية لتنظيم "داعش" في سوريا، في 21 يناير 2026

مراكز الإيواء... اليافعون دون خطط

من الملفات الشائكة أيضا ملف مراكز الإيواء (إعادة التأهيل) التي تم إنشاؤها من قبل "قسد"، وهي متخصصة في عملية إعادة تأهيل أبناء عناصر "داعش" الذكور من الجنسيات العربية والأجنبية، إضافة لما كان يسمى "أشبال الخلافة"، وهم الأطفال الذين أظهرهم تنظيم "داعش" في إصداراته المصورة يقومون بعمليات قتل وإعدامات. وفي مناطق "قسد"، تحديدا الحسكة والقامشلي، هناك أكثر من أربعة مراكز إيواء، أهمها مركز "هوري" لإعادة التأهيل، في قرية تل معروف، شرق مدينة القامشلي، والذي يحتوي على أكثر من 120 طفلا ويافعا بين أعمار 9 و22 عاما. في حين يحتوي كل مركز من المراكز الثلاثة المتبقية على نحو 50 طفلا ويافعا تتراوح أعمارهم بين 10 و17 عاما.

مراكز الإيواء هذه مخصصة للأطفال واليافعين الأجانب الذين يخضعون لبرامج إعادة التأهيل، حيث يحضر هؤلاء دروسا في الرياضيات واللغات، وبعض المهن اليدوية، كما يشهد عروضا لبرامج وثائقية وبرامج تسلية. إضافة إلى أن هذه المراكز تتم مراقبتها ومراقبة سلوك الأطفال واليافعين فيها للتأكد من طبيعة التغيير الذي يطرأ على سلوكهم بفعل برامج إعادة التأهيل الموجودة. ومن غير الواضح إن كانت عملية التأهيل هذه هدفها التحضير لمرحلة إعادتهم إلى بلدانهم أم لا، حيث إنه لم تكن هناك عمليات إعادة لافتة أو مكثفة من قبل الدول التي ينتمي إليها هؤلاء الأطفال خلال السنوات الماضية.

من الملفات الشائكة أيضا ملف مراكز الإيواء (إعادة التأهيل) التي تم إنشاؤها من قبل "قسد"، والتي هي متخصصة في عملية إعادة تأهيل أبناء عناصر "داعش" الذكور من الجنسيات العربية والأجنبية

وتبقى هذه المراكز دون خطط واضحة حتى اللحظة، سواء من قبل الجانب الأميركي، أو من قبل الحكومة السورية التي لم تتسلم هذه المراكز بعد من "قسد". هذه المراكز هي الأخرى بحاجة إلى حراسة وتنسيق مكثف من قبل الحكومة السورية والتحالف الدولي من جهة، والحكومة السورية والدول التي ينتمي إليها هؤلاء الأطفال واليافعون من جهة أخرى. خصوصا إذا ما كانت الحكومة السورية ترى الطريق الوحيد للتعامل مع هذه المراكز هو الطريق ذاته الذي تراه مناسبا لحلّ إشكالية الأجانب في مخيمي "الهول" و"روج".

إن السجون، والمخيمات، ومراكز الإيواء، ثلاثة ملفات يتجاوز الاهتمام بها حدود الجغرافيا السورية، خصوصا وأنها تؤوي أطفالا ورجالا ونساءً من أكثر من 50 دولة، كلهم أتوا وولِدوا خلال فترة قوّة تنظيم "داعش"، بين عامي 2014-2017، للانتماء له والمشاركة في بناء حلم "الدولة الإسلامية في العراق والشام". وسيكون على عاتق الحكومة السورية التي انضمت للتحالف الدولي رسميا، في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حمايةَ هذه المراكز والتنسيق مع دول التحالف الدولي، وتقديم ضمانات بأن لا تتحول هذه الملفات إلى كابوس جديد يؤرق العالم مرّة أخرى. وفي الوقت نفسه لن تكون الحكومة السورية قادرة على حمل هذا العبء وحدها، فهي بحاجة إلى دعم مكثف من قبل شركائها في التحالف الدولي من جهة، وتعاون أكبر من قبل الدول التي لديها مواطنين في هذه السجون، المخيمات، والمراكز. 

font change

مقالات ذات صلة