اليومي والغرائبي في "مجرد ظلال منسية" ليوسف المحيميد

بشر على حافة التلاشي

غلاف "مجرد ظلال منسية"

اليومي والغرائبي في "مجرد ظلال منسية" ليوسف المحيميد

ينتمي الكاتب السعودي يوسف المحيميد إلى جيل سردي أسهم في إعادة تشكيل الحساسية القصصية والروائية في الخليج والعالم العربي عبر انشغاله المبكر بالإنسان في حالته العارية من الأدوار الكبرى. انطلقت تجربته منذ الثمانينات، وتوزعت بين الرواية والقصة القصيرة والعمل الصحافي، وهو ما أتاح له احتكاكا مباشرا بالتحولات الاجتماعية والثقافية، وباللغة بوصفها أداة رصد قبل أن تكون أداة تعبير، حيث تتجاور في أعماله الخبرة الحياتية مع الخيال، ويتحول السرد إلى مساحة اختبار للوعي الفردي داخل سياقات متغيرة.

تميز مشروعه بقدرة لافتة على الانتقال بين المحلي والإنساني العام، إذ تنطلق نصوصه من بيئات محلية محددة، ثم تنفتح على أسئلة تتجاوز الجغرافيا، وهو ما أسهم في وصول أعماله إلى قارئ عالمي، وتوج بسلسلة ترجمات إلى لغات متعددة، إضافة إلى حضور مستمر في الجوائز الأدبية العربية والعالمية.

تقوم كتابته على حساسية عالية تجاه التفاصيل، وعلى ميل واضح إلى مساءلة المصائر الفردية من دون افتعال درامي. ضمن هذا السياق، تأتي مجموعته القصصية الجديدة، "مجرد ظلال منسية"، الصادرة حديثا عن "منشورات المتوسط" في ميلانو (2026)، بوصفها حلقة جديدة في مسار كاتب راكم تجربة ناضجة، وواصل الاشتغال على هموم ومشاغل الإنسان في لحظاته الأقل صخبا والأكثر كشفا.

تنحاز قصص المجموعة إلى الهامشي واليومي والعابر، مما يمنحها كثافة إنسانية عالية، إذ يتحول الظل من كونه أثرا بصريا تابعا للجسد إلى كائن دلالي مستقل، يحمل ذاكرة وقلقا ووجودا موازيا. يفتح العنوان نفسه باب التأويل على عالم يعيش في المنطقة الرمادية بين الحضور والتلاشي، حيث تتحرك الشخصيات كما لو أنها آثار بشرية أكثر منها ذوات مكتملة، وتظهر القصص بوصفها مشاهد قصيرة تشتغل على الإيحاء أكثر من السرد الخطي، وعلى السؤال أكثر من الحكاية المغلقة.

كل لقطة تحمل توترها الداخلي وتكتفي بذاتها، مما يمنحها طابعا تأمليا، ويجعل القارئ شريكا في إنتاج المعنى

تبتعد قصص المجموعة، في بنائها العام، عن الحكاية الكلاسيكية ذات البداية والمتن والنهاية، وتتقدم بدلا من ذلك عبر لقطات سردية مكثفة، كل لقطة تحمل توترها الداخلي وتكتفي بذاتها، مما يمنحها طابعا تأمليا، ويجعل القارئ شريكا في إنتاج المعنى، حيث يتقدم النص خطوة ويتراجع القارئ خطوة أخرى ليعيد ترتيب المشهد في ذهنه.

الشخصيات وهشاشة الكائن

يتجاوز الظل في المجموعة وظيفته البصرية ليغدو استعارة للذات المعلقة بين ما كانت عليه وما صارت إليه. الشخصيات تسير في المدن والقرى والأمكنة المغلقة، بينما ترافقها ظلالها بوصفها ذاكرة صامتة، تذكرها بما تهرب منه أو بما عجزت عن مواجهته. الظل هنا يحمل ثقل التجربة الإنسانية بكل ما فيها من فقد وتردد وتشظ، ويتحول إلى مرآة داخلية تعكس هشاشة الكائن في عالم سريع الزوال.

هذا الاشتغال على الظل يمنح القصص بعدا فلسفيا من دون خطاب مباشر، حيث تظهر الأسئلة الوجودية من خلال تفاصيل صغيرة: حركة جسد، نظرة عابرة، صورة في هاتف، أو صمت طويل بين شخصيتين. بهذه الطريقة، ينجح المؤلف في جعل القلق جزءا عضويا من النسيج السردي، قلق يتسلل بهدوء ويترك أثره من غير ضجيج.

تنتمي شخصيات "مجرد ظلال منسية" إلى عالم عادي ظاهريا، غير أنها تعيش لحظات استثنائية في عمقها. فهؤلاء ليسوا أبطالا بالمعنى الكلاسيكي، بل أفراد يواجهون لحظة انكشاف داخلي، يختلط فيها الواقع بالغرابة. رجل يضحك في الطائرة كمن يكتشف الحياة للمرة الأولى، أم تقف أمام بيت مهجور بحثا عن أثر ابن غائب، شاب يتتبع صورة غامضة في هاتفه فتقوده إلى مساءلة ذاته. تقدم هذه الشخصيات من خلال ملامح دقيقة، حيث يركز السرد على الجسد وتفاصيله، وعلى الحركة العابرة والإيماءة الصغيرة التي تحمل شحنة دلالية عالية.

تتسم لغة المجموعة بالاقتصاد والدقة، حيث تختار الكلمات بعناية لتؤدي أكثر من وظيفة في آن واحد. الجملة قصيرة نسبيا، مشحونة بالإيحاء، وتترك فراغا دلاليا متعمدا، مما يمنح القصص مرونة ويتيح تعدد التأويلات. اللغة هنا تسعى إلى بناء جو نفسي متماسك، يجعل القارئ يشعر بأنه داخل المشهد، يراقب الشخصيات من مسافة قريبة.

REUTERS/Susana Vera
ظلال رجل وشجرة على جدار في مدريد، 9 سبتمبر 2016

يتجلى هذا الأسلوب في المقاطع الوصفية التي ترسم ملامح الشخصيات من خلال تفاصيل جسدية دقيقة، كما في أحد مشاهد المجموعة حيث تتراكم الصفات لتشكل صورة إنسانية نابضة بالحياة، تحمل في طياتها تناقضا بين البهجة الظاهرة والقلق الكامن.

نهايات على الحافة

تتحول الأشياء المألوفة في "مجرد ظلال منسية" إلى بوابات نحو عوالم أخرى، من دون حاجة إلى أحداث خارقة أو مفارقات صاخبة: الهاتف المحمول، الظل، البيت المهجور، الحانة، كلها عناصر يومية، غير أنها تحمل دلالات جديدة ومغايرة عبر السياق السردي.

اللغة هنا تسعى إلى بناء جو نفسي متماسك، يجعل القارئ يشعر بأنه داخل المشهد، يراقب الشخصيات من مسافة قريبة

في قصة "ظلال منسية"، تظهر مجموعة من الأشخاص في حانة، يهزون رؤوسهم مع الموسيقى، يعيشون لحظة جماعية من الانسجام المؤقت. يلتقط السرد هذه اللحظة ويحولها إلى مشهد رمزي عن البشر الذين يتركون آثارهم خلفهم من غير انتباه: "لا أسود ولا أبيض، لا أصلع ولا أشيب، الكل في حانة الغرباء يطربون مع المغني: السوداء ذات الجدائل الألف تهز رأسها بشجن كما لو أنها تستعيد ترانيم الغابات الأفريقية. الأصلع الذي يسترجع صباه. التي تضع نظاراتها الشمسية فوق شعرها. ذو القبعة الرمادية. كلهم يهزون رؤوسهم بشجن وحب وذكريات".

يكثف المقطع السابق تجربة جماعية كاملة، حيث يتداخل الفرح بالحزن، والحنين باللحظة الراهنة، في مشهد يبدو بسيطا، غير أنه يحمل ثقل الجرح الإنساني الغائر.

تشكل الذاكرة محورا أساسا في هذه المجموعة، حيث تتحرك القصص على تخوم ما يتذكر وما ينسى. النسيان هنا حالة وجودية تفرضها الحياة الحديثة بإيقاعها السريع، فيما تحاول الشخصيات الإمساك بخيط ما من الماضي، غير أن هذا الخيط غالبا ما ينفلت، تاركا خلفه شعورا بالفقد.

REUTERS/Stefan Wermuth
رجل يُلقي بظله أثناء سيره في زقاق وسط لندن، 3 أكتوبر 2016

كما تلعب الصورة، في عدد من القصص، دور المرآة التي تعكس ما يحاول الإنسان تجاهله. الصورة الفوتوغرافية، أو انعكاس الظل، يصبحان وسيلة لمساءلة الذات. ففي قصة "في قلبك نافذة!"، تظهر لحظة مواجهة صامتة بين الشخصية وصورتها، حيث يفتح باب التأمل الداخلي عبر تفصيل بسيط:

"ناولته الجوال: نعم، عليك أن تفتحها.

وبينما هو يفتح الرقم السري، قالت له: أرني آخر صورة فقط!

كانت صورة ظله يمد يده نحو امرأة جالسة.

اقتربت منه ووشوشت: دع عنك الركض خلف ظلك، وافتح نافذة قلبك، كي ترى وتفهم".

يحمل المقطع السابق، رغم بساطته الظاهرية، دعوة ضمنية إلى الانفتاح على الداخل ومواجهة ما هو مؤجل ومسكوت عنه.

تنتهي قصص المجموعة غالبا عند حافة مفتوحة، حيث يتوقف السرد قبل تقديم حل أو إجابة نهائية. يعزز هذا الخيار البنائي الطابع التأملي للقصص، ويترك القارئ في حالة تفكير مستمر، فالنهاية هنا امتداد للسؤال داخل ذهن المتلقي، وهو ما يتناسب مع طبيعة الموضوعات المطروحة، حيث تتعلق القصص بأسئلة الهوية والوحدة والمعنى، وهي أسئلة بطبيعتها مفتوحة، تقاوم الإغلاق.

فضاءات العزلة والعبور

تبدو الأمكنة في "مجرد ظلال منسية" فضاءات فاعلة في تشكيل التجربة السردية، بعيدا من كونها مجرد خلفيات محايدة: الحانة، الشارع، البيت المهجور، الطائرة، كلها أماكن عبور، تعكس حالة الشخصيات الداخلية، حيث يشارك المكان هنا في السرد، يضغط على الشخصيات أو يمنحها لحظة انكشاف، وهذه الأمكنة غالبا ما تكون مؤقتة، غير مستقرة، مما ينسجم مع فكرة الظل بوصفه كائنا عابرا، يظهر ويختفي.

تحتفي مجموعة "مجرد ظلال منسية" بالهشاشة الإنسانية، وتمنح العابر قيمة جمالية ومعرفية

تأتي "مجرد ظلال منسية" امتدادا لمشروع يوسف المحيميد القائم على التقاط التفاصيل المنسية ومنحها مركزية فنية، فمنذ أعماله الأولى، اشتغل على الهامش، وعلى الشخصيات التي تعيش خارج الضوء والأسئلة التي تتوارى خلف الحياة اليومية. في هذه المجموعة، يصل هذا الاشتغال إلى درجة عالية من التكثيف، حيث تتخلى القصص عن الزوائد السردية وتكتفي بجوهر التجربة.

REUTERS/Wolfgang Rattay
رجل يسير بين واجهات زجاجية قرب برج بوست تاور في بون، 5 مارس 2013

تحتفي مجموعة "مجرد ظلال منسية" بالهشاشة الإنسانية، وتمنح العابر قيمة جمالية ومعرفية، حيث يقدم المؤلف، عبر لغة مقتصدة، وبناء مفتوح، وشخصيات تعيش على حافة التلاشي، قصصا تلامس القارئ بهدوء، وتدعوه إلى التأمل في معنى الوجود والذاكرة والظل الذي يرافق الإنسان أينما ذهب.

font change

مقالات ذات صلة