ترمب على حبل مشدود مع إيران... جائزة نوبل و"المطرقة" وانتخابات منتصف الولاية

في يونيو الماضي، عندما أمر ترمب بهجمات محدودة، هلّلت أجزاء من قاعدته، فيما انفجرت أجزاء أخرى غضبا، محذّرة من أن "المحافظين الجدد يختطفون نهج أميركا أولا"

رويترز
رويترز
حشد من الايرانيين قرب صاروخ اثناء الاحتفالات بالذكرى السابعة والاربعين للثورة الايراني في 11 فبراير في طهران

ترمب على حبل مشدود مع إيران... جائزة نوبل و"المطرقة" وانتخابات منتصف الولاية

هناك "ترمبان" يراقبان إيران، ولا تعرف الجمهورية الإسلامية ولا إسرائيل أيهما سيرفع سماعة الهاتف.

الأول هو "رئيس السلام"، الرجل الذي رُشّح لجائزة نوبل بعد وقف إطلاق النار عام 2025، والذي يسعى بإلحاح إلى تثبيت إرثه بوصفه صانع الصفقات الأبرز الذي روّض الشرق الأوسط من دون "حرب أبدية". وهو رجل ينفر من العنف لأسباب اقتصادية، إذ يراه تدميرا وهدرا للموارد والممتلكات والأرواح، وللفرص التي تتيحها الصفقات الجيدة.

أما الثاني فهو رئيس "تلاعبتَ، فتحمّلْ العواقب" (FAFO)، صاحب السجل في اللجوء إلى القوة العسكرية عند نهاية مفاوضات فاشلة. هو الرجل الذي أمر بغارة جريئة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بعدما رفض النظام الفنزويلي تقديم تنازلات، وأرسل قاذفات "بي-2" لقصف منشآت إيران النووية العام الماضي في خضم محادثات نووية. وهو نفسه الذي قتل خلال ولايته الأولى الجنرال الإيراني قاسم سليماني، وقصف ترسانة الأسلحة الكيماوية للرئيس السابق بشار الأسد. وهو الرجل ذاته الذي أمر لتوّه بإرسال مجموعة حاملة طائرات ثانية إلى الخليج، وحذّر قائلا: "منذ 47 عاما، وهم [الإيرانيون] يتحدثون ويتحدثون ويتحدثون، وفي الأثناء خسرنا كثيرا من الأرواح".

يعيش هذان "الترمبان" معا، وقد لا يكون الرئيس نفسه حسم مسار التحرك. وهذه الازدواجية المزعومة جزء من تكتيكات ترمب التفاوضية بقدر ما هي نتاج بيئته الداخلية والدولية. على الجبهة الداخلية، يتصدّع تحالف "ماغا" (اختصارا لشعار لنجعل أميركا عظيمة مجددا، الذي يشكّل قاعدة ترمب الشعبية)، بسبب احتمال التورط مجددا في الشرق الأوسط، مع تحذيرات من أن حربا مع إيران ستُعد خيانة لوعد "أميركا أولا". وفي المقابل، يدفع الصقور الرئيس إلى الوفاء بوعده الأولي للشعب الإيراني بأن "المساعدة في الطريق"، وقد أقرّ الرئيس نفسه بأن تغيير النظام سيكون "أفضل شيء يمكن أن يحدث".

وعلى الصعيد الدولي، يواجه ترمب ضغطا من إسرائيل التي التقى رئيس وزرائها لتوّه، لوضع خطوط حمراء واضحة من شأنها على الأرجح جعل المفاوضات الصعبة شبه مستحيلة. لكن في الوقت نفسه، تضغط مجموعة من الحلفاء الإقليميين، من الخليج إلى مصر وتركيا، على الرئيس لتجنّب سيناريو قد يشعل المنطقة.

الفخ الداخلي: "ماغا" والنفط وانتخابات منتصف الولاية

على الصعيد الداخلي، تقيّد ترمب اعتبارات تبدو واضحة، وأخرى لا تنال ما يكفي من الانتباه. وأبرز هذه القيود هو الانقسام داخل حركته نفسها. فمن جهة، يقف انعزاليون من تيار "ماغا" مثل تاكر كارلسون وستيف بانون ومارجوري تايلور غرين، ويجادلون بأن حربا جديدة في الشرق الأوسط ستخون الوعد بإنهاء "الحروب الأبدية"، وستصرف الانتباه عن أولويات الداخل، مثل الترحيل الجماعي للمهاجرين غير النظاميين ومعارك الثقافة المحلية. ومن الجهة الأخرى، يقف صقور مثل تيد كروز وتوم كوتون وليندسي غراهام، يرون فرصة للتخلص من الجمهورية الإسلامية، أحد أعداء أميركا، بعدما أضعفتها الحرب والاحتجاجات. ويقول هؤلاء إن ترمب يملك فرصة تاريخية لـ"إنهاء المهمة" ضد إيران، فرصة لا ينبغي مقايضتها بتنازلات، أيا تكن.

وقد كشفت ضربات يونيو/حزيران 2025 على المنشآت النووية الإيرانية هذا الشرخ. فعندما أمر ترمب بهجمات محدودة، هلّلت أجزاء من قاعدته، فيما انفجرت أجزاء أخرى غضبا، محذّرة من أن "المحافظين الجدد يختطفون نهج أميركا أولا". وتشير الاستطلاعات منذ ذلك الحين إلى أن ناخبي "ماغا" يظلون شديدي العداء لإيران، لكنهم متشككون أيضا في حروب كبرى جديدة. إنهم يريدون الردع وصناعة الصفقات، لا "عراقا" آخر. ويدرك ترمب أنه إذا خرجت مواجهة مع إيران عن السيطرة وتحولت إلى حملة طويلة مع خسائر أميركية، فسيتجه الغضب إليه هو، لا إلى جنرالات مجهولين.

يسير ترمب على حبل مشدود مع خيارات قليلة. غير أن الخيارات الأفضل تبدو واضحة: إما صفقة "جيدة" يستطيع ترمب تسويقها انتصارا، وإما عملية عسكرية فعالة تفضي إلى تغيير في إيران

أما القيد الثاني فاقتصادي. فقد حذّر محللو الطاقة مرارا من أن أي اضطراب، حتى لو كان جزئيا، في مضيق هرمز، وهو مسار يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية تقريبا، قد يدفع أسعار الخام من نحو 70 دولارا إلى قرابة 100 دولار أو أكثر، ما يرفع التضخم في الولايات المتحدة بما يصل إلى نصف نقطة مئوية، ويعقّد مسار الاحتياطي الفيدرالي نحو خفض الفائدة. وقد نمذجت "غولدمان ساكس" سيناريوهات تشير إلى أن اضطرابا حادا قد يرفع الأسعار إلى 110 دولارات للبرميل، بما يطيل أمد ارتفاع أسعار الوقود والسلع الاستهلاكية حتى أواخر عام 2025.
ويحب مستشارو ترمب حاليا القول إن انخفاض أسعار النفط يمنحه نفوذا على طهران من دون المخاطرة بصدمة ركودية تضخمية، لكن كل قاذفة إضافية ومدمرة إضافية في الخليج هي رهان على أن إيران لن تسيء الحسابات فتستهدف ناقلات أو خطوط أنابيب. وفي الوقت نفسه، يتجه ترمب إلى انتخابات منتصف الولاية عام 2026 بأكثريات جمهورية هشة، وتراجع في نسب الرضا، وناخبين غاضبين أصلا من التضخم والرسوم الجمركية. ويحذّر مخططو الحزب من أن صدمة نفطية جديدة ستجعل استعادة الديمقراطيين لمجلس النواب أكثر ترجيحا. حرب تنتج بنزينا بسعر 7 دولارات للغالون وركودا اقتصاديا ليست مجرد جيوسياسة سيئة لترمب، بل قد تكون مميتة لموقعه الداخلي.

 أ ب
الرئيس الاميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو اثناء مؤتمر صحافي في مارا لاغو فلوريدا في 29 ديسمبر

ثم تأتي طبقة التناقض الأخيرة: ترمب نفسه. فالرئيس يريد إرثا يستطيع أن يفتخر به، وهذا بحد ذاته يفرض تحديا عندما يتعلق الأمر بإيران. والفخ هنا مزدوج. فمن جهة، قد يبالغ ترمب في الرهان، ويستخدم القوة، ويفجّر صراعا مدمّرا يدفع أسعار النفط إلى مستويات صاروخية، ويساعد الديمقراطيين على حسم انتخابات منتصف الولاية. ومن جهة أخرى، قد يفاوض على صفقة سيئة تتيح لإيران شراء الوقت، وربما بنية نقضها حين يتراجع تهديد القوة. ومن المرجح أن تُقارن مثل هذه الصفقة باتفاق 2015 الذي انتقده ترمب ثم قضى عليه، أو بقرار الرئيس باراك أوباما تفضيل الدبلوماسية مع سوريا عام 2012 بعد إبراز "الخطوط الحمراء" لواشنطن بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية، وهي خطوط جرى تجاهلها إلى حد كبير.


 
استراتيجيات الخروج


وبناء على ذلك، يسير ترمب على حبل مشدود مع خيارات قليلة تبدو واعدة. غير أن الخيارات الأفضل تبدو واضحة نسبيا: إما صفقة "جيدة" يستطيع ترمب تسويقها انتصارا أمام قاعدته وأمام نفسه، وإما عملية عسكرية فعالة تفضي إلى تغيير في إيران من دون جر الولايات المتحدة أكثر إلى المنطقة، ومن دون إحداث صدمة نفطية.

الأهداف واضحة، لكن المسارات التي تقود إلى نجاح دبلوماسي أو عسكري شديدة الضيق. فعلى المسار الدبلوماسي، ينبغي للصفقة "الجيدة" أن تعالج "الملف الإيراني" لمدة كافية كي تُعد نجاحا. ويقتضي ذلك أولا حلّ ملف إيران النووي. وحتى هنا تتكاثر العراقيل. فقد أشار مبعوث ترمب ستيف ويتكوف مرارا إلى أن الخط الأحمر الرسمي لواشنطن هو "صفر تخصيب" (وقف التخصيب بالكامل)، وهي صياغة تلقى قبولا لدى صقور الولايات المتحدة وإسرائيل، وتتيح لترمب الادعاء بأنه يطلب ما هو أكثر مما طلبه اتفاق 2015 النووي. وقد توجد مساحة لاتفاق يمنح إيران "حقا مؤجلا في التخصيب" مستقبلا، لكنه يضيّق قدرتها على التخصيب الآن. غير أن انتزاع مثل هذا الاتفاق، رغم ما يتطلبه من براعة دبلوماسية، لن يكون سهلا. إذ سيسعى النظام الإيراني إلى رفع العقوبات، فيما يبدو ترمب مقتنعا بأن على طهران الاكتفاء بالشكر لأنها لم تتلقَّ "المطرقة".
وفوق ذلك، لن يعالج أي اتفاق نووي قلق إسرائيل الجوهري من صواريخ إيران الباليستية، ولا من وكلاء طهران في المنطقة. وقد كانت إيران واضحة في رفضها التفاوض حول هذه الملفات، إذ تعدها جوهر عقيدتها الدفاعية التي اهتزت بفعل سلسلة من النكسات. وقد تلعب الصواريخ الباليستية، خصوصا، دورا محوريا في ردع هجمات إسرائيلية أخرى إذا نجحت إيران في تكديس عدد كاف من الصواريخ بعيدة المدى.

جزء "تجاوزتَ الخطوط، فادفعْ الثمن" في المعادلة


وعلى المسار العسكري، ينبغي لأي تدخل أن يحقق أمرين: أولا، أن يقلّص بصورة جذرية قدرات إيران على الرد، بما يضمن شلّ قدرات طهران قبل أن تتمكن من الرد. وثانيا، أن يغيّر على نحو جذري حسابات النظام عندما يتعلق الأمر بالمفاوضات، أو أن يقود إلى تغيير النظام. وتبدو هذه أهدافا صعبة التحقيق، ولا سيما أن ترمب يُرجّح أنه يريد نافذة عمليات قصيرة، أي أيام قتال لا أسابيع ولا أشهرا. ولهذا تدفع واشنطن بقوة بحرية إضافية إلى المنطقة عبر مجموعة ثانية من حاملات الطائرات. وإذا أطلق ترمب جزء "تحمّلْ العواقب" من معادلة "FAFO"، فسيتعين أن يكون ذلك استعراضا للقوة على طريقة "الصدمة والرعب"، يلحق أضرارا هائلة ببنية القيادة الإيرانية وترسانة الصواريخ والقدرات البحرية خلال ساعات أو أيام قليلة. وقد تدربت إيران لسنوات على هذا الاحتمال تحديدا، معتمدة على قدرات غير متكافئة مثل المسيّرات والصواريخ الباليستية والمستودعات العميقة تحت الأرض والألغام والزوارق السريعة، وهي قدرات يسهل إخفاؤها ويصعب تدميرها بضربة واحدة سريعة.

ينبغي لأي تدخل أن يقلّص بصورة جذرية قدرات إيران على الرد، بما يضمن شلّ قدرات طهران قبل أن تتمكن من الرد

والأكثر من ذلك أن تحقيق الهدف الثاني، أي تغيير حسابات النظام، سيتطلب استهداف "المرشد الأعلى" لإيران آية الله علي خامنئي، وخليفته المحتمل أو خلفائه المحتملين، ومجموعة من الموالين لخامنئي الذين عيّنهم بوصفهم امتدادا له. ولا يعد هذا أمرا مستحيلا، إذ أظهرت إسرائيل أنها تستطيع إلحاق خسائر فادحة بقيادة إيران خلال ساعات، لكنه يتطلب عملية أكبر وأعقد تنهار معها البنية العسكرية والسياسية للجمهورية الإسلامية. وحتى عندها، سيصعب توقع ما إذا كانت قيادة متماسكة ستظهر، أم قيادة ستكون أقرب إلى القبول بصفقة.

"تحدثْ.. أطلقْ النار، ثم تحدثْ"


ومع ذلك، يظل هناك مسار يتجاوز "ثنائية القصف بدل التفاوض"، وربما يفضله ترمب. يقوم هذا السيناريو على تسلسل "تحدث، أطلق النار، ثم تحدث"، وهو أسلوب ظل ترمب يميل إليه. لكن حتى هذا المسار بالغ الخطورة، إذ يتطلب قدرا من الدقة العسكرية والدبلوماسية نادرا ما يحققه أحد.

رويترز
متظاهرون في مسيرة للتضامن مع المحتجين الايرانيين في مدينة لوس انجلس الاميركية في 14 فبراير

وستكشف محادثات جنيف المقررة هذا الأسبوع ما إذا كانت ازدواجية ترمب استراتيجية أم شللا. فإذا عرضت إيران تجميد التخصيب عند مستوى منخفض بنسبة 3.67 في المئة، وإعادة تفعيل التفتيش، وتخفيف مخزونها، مقابل رفع تدريجي للعقوبات، فسيواجه ترمب خيارا: أن يقتنص المكسب ويخاطر بغضب نتنياهو وباتهامات الصقور بأن هذه "صفقة سيئة" جديدة، أو أن يتمسك بملفي الصواريخ والوكلاء ويخاطر بالانسحاب من الاتفاق الوحيد الذي يُرجّح أن يناله.
غير أن المشكلة أن الوقت لا ينتظر الرؤساء كي يحسموا أمرهم. إذ تتجه حاملة الطائرات "جيرالد آر فورد" إلى الخليج ولا ترسو. وتأتي انتخابات منتصف الولاية في نوفمبر/تشرين الثاني، وليس في العام المقبل. وفي الأثناء، يعيد مهندسو الصواريخ في إيران بناء مواقع الإطلاق بينما يتجادل الدبلوماسيون حول الفواصل في جنيف.

font change