روسيا والسعودية... آفاق واسعة للشراكة بعد مئة عام من العلاقات الثنائية

البرغماتية والعلاقات الشخصية المتينة تبني جسورا نحو المستقبل

شاترستوك
شاترستوك
علما المملكة العربية السعودية وروسيا الاتحادية

روسيا والسعودية... آفاق واسعة للشراكة بعد مئة عام من العلاقات الثنائية

بعد مئة عام من المدّ والجزر، تشهد العلاقات الروسية-السعودية واحدة من أفضل حقبها التاريخية على الإطلاق. وتسمح إمكانات البلدين ببناء شراكات أعمق تصب في مصلحة موسكو والرياض. وتسهم العلاقات الشخصية بين قادة البلدين والقائمة على الاحترام المتبادل، وفصل الملفات، والبرغماتية، والمصالح المشتركة في إمكانية الارتقاء بالعلاقات أكثر في عالم يشهد مرحلة انتقالية حساسة تؤثر في طبيعة التحالفات والاصطفافات المستقبلية.

بدايات مشجعة

وتعود جذور العلاقات إلى زمن الإمبراطوريتين الروسية والعثمانية. حيث افتتحت روسيا قنصلية في مدينة جدة، للمرة الأولى، في 1891، وساعدت القنصلية في الإشراف على تنظيم آلية حج المسلمين الروس، وتنقلهم بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتوقف عملها في عام 1914 بسبب الحرب العالمية الأولى.

وبعد انهيار الإمبراطوريتين الروسية والعثمانية، استأنف الطرفان العلاقات الثنائية، وتبادلا الدبلوماسيين. وبعد نقاشات طويلة حول ضرورة افتتاح قنصلية سوفياتية في جدة، التي كانت ضمن مملكة الحجاز حينها، ومراعاة القدرة على التحرك في المشاعر المقدسة، قرر المفوض الشعبي للشؤون الخارجية في الاتحاد السوفياتي غيورغي تشيتشرين في 1924، إرسال قنصل إلى جدّة لمواكبة الأحداث الجارية في قلب العالم الإسلامي. ولعب اختيار الدبلوماسي المسلم كريم حكيموف قنصلا عاما للاتحاد السوفياتي دورا مهماً في بناء علاقة مميزة مع الملك الراحل عبد العزيز آل سعود. واستطاع حكيموف وأربعة دبلوماسيين آخرين، أوفدوا إلى جدة صيف 1924، قراءة الواقع بشكل دقيق، وعليه كان الاتحاد السوفياتي أول دولة غير عربية تعترف بمملكة الحجاز ونجد والمناطق الملحقة، وتبادل الطرفان الاعتراف الدبلوماسي في 19 فبراير/شباط 1926، حسب موقع وزارة الخارجية الروسية. وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن حكيموف انتقل بسيارته في 16 فبراير 1926، وغامر رغم المعارك الدائرة حينها ونقل اعتراف الاتحاد السوفياتي بالمملكة الوليدة تحت اسم مملكة الحجاز ونجد، للملك الراحل عبد العزيز. وللعلم فإن الولايات المتحدة لم تعترف بمملكة الحجاز ونجد إلا في 1931.

في سبتمبر 1924، شارك وفد سوفياتي مسلم في المؤتمر الإسلامي العالمي في مكة المكرمة الذي بايع الحضور فيه الملك عبد العزيز

وفي سبتمبر 1924، شارك وفد سوفياتي مسلم في المؤتمر الإسلامي العالمي في مكة المكرمة، وهو المؤتمر الذي بايع الحضور فيه الملك عبد العزيز آل سعود. وبعد إعلان المملكة العربية السعودية في عام 1932 اعترف الاتحاد السوفياتي بها. وتمتنت علاقات حكيموف، المتحدر من جمهورية بوشكرتستان السوفياتية ذات الغالبية المسلمة، مع القيادات السعودية بعد أداء العمرة في عام 1925.

وبذل حكيموف في منصبه الدبلوماسي كقنصل عام ولاحقا رئيس بعثة ( 1924-1928)، (1935-1937)، وخلفه نظير تيورياكولوف (1928-1935)، كل ما في وسعهما لتطوير العلاقات بين موسكو والسعودية. وفي عام 1930 تحولت القنصلية العامة في جدة إلى بعثة دبلوماسية.

أ ف ب
خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين بموسكو في 5 أكتوبر 2017.

ونظم حكيموف وتيورياكولوف زيارة للملك الراحل فيصل بن عبد العزيز، وزير خارجية المملكة حينها، إلى الاتحاد السوفياتي ما بين 27 مايو/أيار و7 يونيو/حزيران 1932. ولم تكن الزيارة على مستوى الطموح، فبعد مماطلة، لم يستقبل الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين الأمير السعودي. كما ربط الاتحاد السوفياتي أي قرض للمملكة بتوقيع اتفاقية صداقة تتضمن التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية. ورغم تأثير الزيارة السلبي عموما، فقد حافظ الدبلوماسيان السوفياتيان على صداقتهما مع العائلة الحاكمة، وساهما في توقيع عقود في مجالات التجارة والمشتقات النفطية، ورفع مستوى التمثيل الدبلوماسي.

وبعد عودة الدبلوماسيين إلى الاتحاد السوفياتي واجها الإعدام في حقبة القمع الستالينية، واعتقل تيورياكولوف في يوليو/تموز 1937، وبعد محاكمة صورية أعدم رميا بالرصاص في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه بتهمة التحريض والدعوة لمقاومة السلطات السوفياتية ودعم التوجهات القومية التركية. وبعد استدعائه إلى موسكو في صيف 1937، ألقي القبض على حكيموف في خريف العام ذاته بتهم التجسس والنشاط المعادي للثورة، وأعدم في يناير/كانون الثاني 1938.

وتشير بعض المؤلفات عن سيرة حكيموف إلى أن الملك الراحل عبد العزيز حاول إقناع الدبلوماسي الروسي بعدم الذهاب إلى موسكو، ولكن حكيموف أصر وواجه لاحقا الإعدام.

في خطوة لتحسين العلاقات مع العالم الإسلامي، طرح الرئيس بوتين في 2003، مبادرة لانضمام روسيا إلى عمل منظمة المؤتمر الإسلامي، كمراقب في البداية

وصدمت أنباء إعدام الدبلوماسيين السوفياتيين الملك عبد العزيز الذي قرر خفض البعثة السوفياتية أولا، ولاحقا أغلقها في عام 1938 بعد رفض السوفيات تقديم إيضاحات.

وحرمت سياسات ستالين الاتحاد السوفياتي لعقود من شريك مهم في الشرق الأوسط، كان يمكن المراهنة عليه خاصة في ظل وجود عشرات الملايين من المسلمين في الاتحاد السوفياتي، وكذلك إمكانية التعاون الثنائي بعد اكتشافات النفط الهائلة في المملكة منذ نهاية ثلاثينات القرن الماضي.

وبدأت فترة الجزر في علاقات الاتحاد السوفياتي والمملكة منذ 1938، وفي ظل الحرب الباردة، نظرت المملكة بعين الريبة إلى مساعي الاتحاد السوفياتي نشر الفكر الشيوعي، و"محاربة الأديان"، وتقربت أكثر من الولايات المتحدة والعالم الغربي.

أ ف ب
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال حفل استقبال في العاصمة الرياض في 6 ديسمبر 2023.

ولم يسهم استئناف العلاقات الدبلوماسية في عام 1990، واعتراف المملكة لاحقا بروسيا وريثة شرعية للاتحاد السوفياتي في نهاية 1991، في تحسن كبير طوال حقبة التسعينات، على خلفية انشغال روسيا بقضاياها الداخلية، والتركيز على الشراكة مع النظام الغربي، إضافة إلى كيل نخب سياسية وإعلامية روسية اتهامات للمملكة ودول عربية أخرى بالتسبب في انهيار الاتحاد السوفياتي عبر إغراق الأسواق بالنفط منتصف ثمانينات القرن الماضي، وقبلها الدور في أفغانستان. وذهب بعض النخب المهيمنة على القرار في حقبة الرئيس بوريس يلتسين إلى اتهامات تخص حرب الشيشان الأولى.

براعم أولى

وشهد مطلع الألفية الحالية ذوبان الجليد وبروز البراعم الأولى للعلاقة. وعمليا بدأ تحسن العلاقات، وانطلق التعاون الحقيقي منذ صعود الرئيس فلاديمير بوتين الذي تبنى انعطافة مهمة نحو الشرق. كما ساهم اختبار العلاقات السعودية-الأميركية بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، في إعطاء دفعة لعلاقات المملكة مع روسيا في إطار جهود القيادة السعودية لتنويع علاقاتها السياسية والاقتصادية الدولية.

وفي أبريل/نيسان 2002، وصل وزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل إلى موسكو. وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه عُقد أول اجتماع مشترك للجنة الحكومية الروسية-السعودية للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتقني وأول منتدى أعمال روسي-سعودي.

وفي خطوة لتحسين العلاقات مع العالم الإسلامي، طرح الرئيس بوتين في 2003، مبادرة لانضمام روسيا إلى عمل منظمة المؤتمر الإسلامي، كمراقب في البداية. ولاقت الخطوة ترحيبا من المملكة بصفتها الاعتبارية في العالم الإسلامي، وتسارعت الخطوات لتوسيع التعاون الثنائي. وشكلت زيارة الملك الراحل عبدالله إلى موسكو في عام 2003، محطة مهمة، وكانت الزيارة الأولى لولي عهد للمملكة، منذ 77 عامًا.

في أكتوبر 2017، بعثت زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إشارة إضافية إلى متانة العلاقات، ووقع الجانبان 14 اتفاقا ومذكرة تفاهم

وناقش الجانبان قضايا توسيع التعاون التجاري والاقتصادي، وخاصة في قطاع النفط والغاز. وتم توقيع اتفاقيات حول التعاون بين البلدين في مجال النفط والغاز والعلوم والرياضة.

وتوالت الزيارات لاحقا، وفي جولته الشرق أوسطية الأولى في عام 2007، زار بوتين المملكة في فبراير/شباط 2007، وأثناء الزيارة شدد بوتين على أن "اهتمام روسيا بمنطقة الخليج، والشرق الأوسط بشكل عام كان كبيرا جدا في جميع الحقب"، وأشار إلى شبه تطابق في الآراء بشأن عدد واسع من القضايا الدولية.

وتكثفت العلاقات مع تكرار الزيارات الثنائية، وتحسنت العلاقات التجارية، لكن العلاقة تعرضت لاختبار صعب بعد الثورة السورية على نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد.

وفي حين وقفت المملكة مع الشعب السوري، قررت روسيا دعم الأسد دبلوماسيا واقتصاديا، ولاحقا التدخل العسكري لإنقاذ نظامه في عام 2015.

"أوبك بلس"

وعلى عكس التوقعات، ونظرا لتبني قادة البلدين مبادئ البرغماتية وفصل الملفات، تجاوز البلدان الأزمة بشأن سوريا. وشهد العام ذاته نقلة نوعية جديدة، تمثلت بمشاركة ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان في منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي، والتقى مع بوتين. وكشفت الأحداث التالية أن الزعيمين تمكنا من بناء علاقة شخصية متينة، عكستها أجواء الاجتماعات اللاحقة، وتوافق البلدين على اتفاق "أوبك بلس" في 2016 لخفض إنتاج النفط من قبل منظمة أوبك والمنتجين المستقلين. وساهمت الاتفاقية في تحسين الأوضاع المالية في البلدين، وتأمين موارد لتنفيذ مخططاتهما لتنويع الاقتصاد وفق "رؤية 2030" السعودية واسترايجية "روسيا 2030".

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2017، بعثت زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إشارة إضافية إلى متانة العلاقات. ووقع الجانبان 14 اتفاقا ومذكرة تفاهم، من ضمنها: خريطة طريق للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتقني، وبرامج التعاون في مجال الثقافة والزراعة والطاقة النووية، ومذكرة بشأن شراء وتوطين إنتاج المنتجات العسكرية، بالإضافة إلى اتفاق إنشاء صندوق استثمار في مجال الطاقة وآخر في مجال التقنيات الدقيقة، تبلغ قيمة كل منهما مليار دولار أميركي. وبعد الزيارة زاد التبادل التجاري.

وفي عام 2020، وعلى خلفية الإخفاق في تمديد "أوبك بلس" شهدت العلاقات نكسة مؤقتة، وبعد محاولة روسيا العمل منفردة في السوق النفطية، ضخت المملكة قسما من فائضها الإنتاجي الضخم، ما أجبر روسيا على العودة إلى الاتفاقات السابقة، وهي اتفاقات أسهمت لاحقا في إنقاذ الموازنة الروسية منذ 2022، فالمملكة رفضت طلبات غربية لزيادة الإنتاج لتعويض كميات النفط الروسي بعد الحظر الغربي على المشتريات من روسيا بعد الحرب على أوكرانيا.

وزار بوتين المملكة للمرة الثانية في 2019. ووقع الجانبان، أثناء الزيارة في أكتوبر 2019، على ميثاق التعاون بين الدول المنتجة للنفط و20 اتفاقا ومذكرة تعاون بين البلدين في مجالات الطاقة والاقتصاد والتجارة والاستثمار والفضاء، لكن التعاون الاقتصادي والعسكري لم يتطور حسب الطموح.

تسعى روسيا إلى رفع حجم محفظة الاستثمارات السعودية في روسيا من 2.5 مليار دولار إلى 10.7 مليار دولار، من ضمنها الاستثمار في نحو 40 مشروعاً قائماً بالفعل

وسعت روسيا إلى التوازن في علاقاتها مع المملكة، وشراكتها مع إيران. ولم تشكل النظرة إلى نظام الحكم في إيران عائقا كبيرا لاستمرار التعاون الروسي-السعودي. وفي 2019، ومع تصاعد حرب الناقلات والتوتر في الخليج العربي، عرضت روسيا في يونيو/حزيران 2019 مشروع رؤية طورته على مدى عقدين من أجل ضمان الأمن في الخليج. وحاولت روسيا إقناع الأطراف الخليجية العربية وإيران بمبادرة أمنية جماعية، عبر آليات للتنسيق والمراقبة لجميع الأطراف الإقليمية والدولية المهتمة، لكن هذه المبادرة لم يكتب لها النجاح.

أ ف ب
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال المحادثات التي جرت في الرياض، المملكة العربية السعودية، في 14 أكتوبر 2019.

وفي واحدة من الزيارات النادرة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، زار بوتين المملكة في 2023، وأظهرت نتائج الزيارة توافقا في مختلف القضايا الإقليمية، وأكدت على استمرار التعاون الاقتصادي والاستثماري وبخاصة في مجال الطاقة.

ورغم أن العقد الأخير شهد تطورا لافتا في العلاقات السياسية والشخصية بين قادة البلدين، فإن التعاون الأساسي يتمثل في التنسيق عالي المستوى في أسواق الطاقة. وما زالت الاستثمارات الثنائية أقل بكثير من مستوى الطموح، فحسب رئيس الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة كيريل ديميترييف في نهاية 2023، تسعى روسيا إلى رفع حجم محفظة الاستثمارات السعودية في روسيا من 2.5 مليار دولار إلى 10.7 مليار دولار، من ضمنها الاستثمار في نحو 40 مشروعاً قائماً بالفعل، وبداية 12 مشروعاً جديداً من الصفر، وأبرزها استثمارات شركة "المملكة القابضة" في "غازبروم"، و"روسنفت".

وحسب موقع وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية، فإن التبادل التجاري بين روسيا والمملكة وصل إلى قرابة 13 مليار ريال، من ضمنها 12.8 مليار ريال من الواردات من روسيا تشمل مشتقات نفطية، والزيوت والحبوب واللحوم، وهو ما لا يزيد على 2 في المئة من واردات المملكة. فيما بلغت الصادرات السعودية إلى روسيا 151.6 مليون ريال فقط أي ما يعادل أقل من 0.02 في المئة من صادرات المملكة. وذكر وزير الصناعة والتجارة الروسي أنطون أليخانوف أن التبادل التجاري بين البلدين وصل إلى 4 مليارات دولار في عام 2025.

font change

مقالات ذات صلة