رؤية عربية للأمن الإقليمي.. من التبعية إلى الفاعلية الاستراتيجية

رغم أن الشرق الأوسط ما يزال يحتفظ بأهميته، فإنه لم يعد في قلب الحسابات الاستراتيجية الأميركية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
أنقاض المباني المدمرة في حي الزهراء، جنوب غرب مدينة النصيرات وسط قطاع غزة، في 6 فبراير 2026

رؤية عربية للأمن الإقليمي.. من التبعية إلى الفاعلية الاستراتيجية

شهد الشرق الأوسط دورات متكررة من الصراع، غير أن اللحظة الراهنة تختلف في جوهرها؛ فالحروب تتقاطع، والتحالفات في حالة سيولة، والمسلَّمات الراسخة بشأن الحماية الخارجية والنظام الإقليمي تتآكل. أما بالنسبة إلى العالم العربي، فنحن أمام منعطف استراتيجي، ولسنا أمام طور عابر من الاضطراب.

والسؤال الذي تواجهه الدول العربية اليوم واضح: هل ستواصل العمل ضمن منظومة إقليمية يصوغها الآخرون، أم ستشرع في تشكيل بيئتها الأمنية بنفسها؟

لم يعد ممكنا تأجيل هذا السؤال. فقد ارتفعت كلفة التشرذم، وأصبحت هشاشة المنطقة نابعة من نقص في الرؤية الجماعية أكثر منها نتيجة عجز في عناصر القوة. وبعد عقود من التدخلات الخارجية، والصراعات الداخلية، وتآكل المؤسسات، يجد العالم العربي نفسه أمام خيار حاسم: الاستمرار في مسار الانقسام والارتهان، أو بلورة إطار أمني إقليمي متماسك يعيد للعرب قدرتهم على الفعل والتأثير.

لقد كشفت الحرب على غزة، واتساع الحضور الإقليمي لإسرائيل، وتراجع انخراط الولايات المتحدة بوصفها الضامن التاريخي لأمن المنطقة، هشاشة النظام القائم، وأصابت أسسه المعيارية في الصميم. فقد بدا أن السياسات الغربية تميل إلى الانتقائية في تطبيق القانون الدولي، وإلى الازدواجية في حماية المدنيين وصون السيادة. ولم يمر هذا التآكل في الاتساق من دون ملاحظة. إذ بدأ قادة غربيون يعترفون بأن المعايير المزدوجة أضعفت مصداقية المنظومة التي يفترض بها أن تحفظ الاستقرار. وبالنسبة إلى الدول العربية، فقد كرست هذه اللحظة حقيقة صعبة وهي أن الاعتماد على الوصاية الخارجية لم يعد خيارا قابلا للاستمرار من الناحية الاستراتيجية، ولا مقبولا على الصعيد السياسي.

فقدت جامعة الدول العربية تدريجيا كثيرا من فعاليتها مع اتجاه الدول إلى إعطاء الأولوية لترتيبات أمنية ثنائية مع قوى خارجية

ورغم الكلفة الإنسانية الفادحة في غزة، فإن هذه المأساة ربما شكلت محفزا لمراجعة استراتيجية عميقة تعيد صياغة التفكير العربي في مفاهيم الأمن والسيادة والمسؤولية.

تآكل الاستقلالية الاستراتيجية العربية

على امتداد العقود الثلاثة الماضية، جرى تصور أمن الشرق الأوسط في المقام الأول من خلال عدسات خارجية. فقد اتسمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة بالغزو العراقي للكويت، وهو الحدث الذي مهد لغزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003، وما تبعه من تدخلات عسكرية استندت إلى اعتقاد بأن التفوق العسكري قادر على إعادة تشكيل الوقائع السياسية. وقد أدى غزو عام 2003 إلى تفكيك مؤسسات الدولة وإطلاق ديناميات طائفية ما تزال تداعياتها تتردد حتى اليوم. أما انتفاضات عام 2011، التي انطلقت من مظالم شعبية حقيقية، واستغلتها قوى إقليمية ودولية غير عربية، فلم تفض في كثير من الحالات إلى تحول ديمقراطي، بل أدت إلى انهيار دول، وحروب أهلية، وفراغات في السلطة استثمرتها جماعات متطرفة وأطراف إقليمية متنافسة.

أ.ف.ب
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يلقي خطابه خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بتاريخ 20 يناير 2026

وزاد من تعقيد هذه الإخفاقات اتساع الفجوة بين الخطاب الغربي والممارسة الفعلية. فقد ترافقت الدعوات إلى نظام دولي قائم على القواعد مع تطبيق انتقائي، لا سيما في الشرق الأوسط. وكما أقر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في كلمته أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، فإن مصداقية الغرب تضررت بفعل الانطباع، والواقع أيضا، بوجود معايير مزدوجة في تطبيق القانون الدولي وحماية المدنيين. ولا تكمن أهمية هذا الإقرار في رمزيته، بل في دلالته على أن تآكل السلطة المعيارية الغربية كان بنيويا لا عارضا. وبالنسبة إلى الدول العربية، عمَّقَ ذلك الإدراك بأن أطر الأمن التي تستند أساسا إلى شرعية خارجية تظل هشة في جوهرها.

وقد أضعفت هذه التطورات العمل العربي المشترك على نحو عميق. إذ فقدت جامعة الدول العربية تدريجيا كثيرا من فعاليتها مع اتجاه الدول إلى إعطاء الأولوية لترتيبات أمنية ثنائية مع قوى خارجية. وتباينت المقاربات الاستراتيجية؛ حيث اعتمدت بعض الدول على الضمانات الأمنية الأميركية، فيما سعت دول أخرى إلى الموازنة عبر علاقات مع روسيا أو الصين، وحاولت قلة منها أن تتموضع كوسطاء إقليميين. وكانت النتيجة تشرذما وافتقارا إلى الاتساق الاستراتيجي، وبات العالم العربي في موقع رد الفعل على الأزمات بدلا من صياغة مساراتها.

كشفت الحرب في غزة عن نوايا إسرائيل في السعي إلى تكريس هيمنة إقليمية أوسع، لكنها أفضت أيضا إلى قدر من الوضوح الاستراتيجي

وعززت الوثائق الاستراتيجية الأميركية هذا الاتجاه. فقد أوضحت كل من استراتيجية الأمن القومي لعام 2022 في عهد إدارة بايدن، وتحديث عام 2025 في عهد إدارة ترمب، التحول نحو أولوية التنافس بين القوى الكبرى مع الصين وروسيا. ورغم أن الشرق الأوسط ما يزال يحتفظ بأهميته، فإنه لم يعد في قلب الحسابات الاستراتيجية الأميركية. وهذا التحول يمنح الدول العربية هامشا نظريا أوسع من الاستقلال، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن مخاطر استمرار الارتهان. فمن دون إطار جماعي جامع، قد تتحول المنطقة إلى ساحة تنافس خارجي، بدلا من أن تكون فاعلا يمتلك مصالح واضحة ويعمل على صونها.

انهيار نموذج أمني مأزوم

على مدى عقود، استند الأمن الإقليمي إلى نموذج مختل: ضمانات خارجية، وردع عسكري منفصل عن أية تسوية سياسية، وافتراض بأن الانقسامات العربية يمكن احتواؤها إلى ما لا نهاية. وهذا النموذج لم يعالج النزاعات، بل اكتفى بتأجيل انفجارها.

وقد عزز التفوق العسكري الإسرائيلي الساحق، المدعوم بغطاء غربي، النزعة الأحادية، ورسخ قناعة بأن القوة قادرة على أن تحل محل الدبلوماسية بصورة دائمة. وجرت إزاحة القضية الفلسطينية إلى الهامش، والتعامل معها بوصفها عبئا سياسيا مزعجا لا مسألة جوهرية. كما شجعت الدول العربية على الانخراط في ترتيبات وطنية ضيقة على حساب بناء استراتيجية جماعية.

أ.ف.ب
فلسطينيون يتجهون إلى مدينة غزة عبر "ممر نتساريم" من النصيرات وسط قطاع غزة في 11 أكتوبر 2025

وقد أفرغ هذا النهج النفوذ العربي من مضمونه، وأتاح لقوى غير عربية، إقليمية ودولية، أن تحدد منسوب التصعيد وضوابط التهدئة وقواعد الاشتباك. فنتج نظام إقليمي تحكمه موازين القوة أكثر مما تحكمه قواعد القانون، وتغلب عليه أدوات الإكراه على حساب التوافق. واليوم، يتهاوى ذلك النموذج بصورة جلية.

وقد تسارع انهيار هذا النموذج مع تراجع البعد المعياري، الذي كان يلازم القوة الغربية. فالهيمنة العسكرية التي لا يقترن بها التزام ثابت بالقانون الدولي أضعفت الردع ذاته. وكما أقر كارني في دافوس، فإن القواعد حين تطبق بانتقائية تفقد صفتها كقواعد، وتتحول إلى أدوات نفوذ. وفي سياق الشرق الأوسط، انعكس ذلك في بيئة أمنية تحكمها السوابق والإملاءات بدلا من المبادئ والرضا، وهي شروط تتعارض في جوهرها مع أي استقرار طويل الأمد.

غزة باعتبارها محطة مراجعة استراتيجية

كشفت الحرب في غزة عن نوايا إسرائيل في السعي إلى تكريس هيمنة إقليمية أوسع، لكنها أفضت أيضا إلى قدر من الوضوح الاستراتيجي. فقد بددت الوهم القائل بإمكان تهميش القضية الفلسطينية إلى أجل غير مسمى من دون كلفة. كما أن حجم المعاناة المدنية أطلق موجة ضغط شعبي غير مسبوقة في المجتمعات العربية، دفعت الحكومات إلى مراجعة مقاربات سابقة أثبتت قصورها.

وأظهرت الأزمة إفلاس السياسات التي تعاملت مع الحقوق الفلسطينية بوصفها موضوعا قابلا للمساومة، وقبلت مسارات التطبيع من دون أفق سياسي واضح. وفي الوقت نفسه، برزت إمكانات لتجديد التنسيق العربي. فقد شكّلت القمة العربية الإسلامية التي عقدت استجابة للحرب، رغم محدودية أثرها الفوري، تحركا دبلوماسيا مهماً حول مبادئ مشتركة، وفي مقدمتها إحياء مسار جاد لحل الدولتين.

من أبرز التحولات التي ترسم ملامح الشرق الأوسط اليوم التراجع المطرد لأولوية المنطقة في التفكير الاستراتيجي الأميركي

وخلال أزمة غزة، اتسم الأداء الدبلوماسي العربي بقدر أكبر من الحزم، مستندا إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، لا إلى الاصطفاف السلبي مع مواقف غربية. وقد تعزز هذا التحول بإدراك متنام، حتى داخل عواصم غربية، بأن الالتزام الانتقائي بهذه المعايير أضعف فعاليتها وهيبتها. ويعكس ذلك وعيا متزايدا بأن لدى الدول العربية أدوات دبلوماسية واقتصادية وقوة ناعمة معتبرة. وعندما تتكامل هذه الأدوات في إطار منسق، تصبح قادرة على التأثير في الخطاب الدولي وكبح السلوكيات المزعزعة للاستقرار. والخلاصة واضحة: الانكفاء لم يعد يضمن الاستقرار، بل يؤجل لحظة المواجهة.

الاستراتيجية الإسرائيلية والمأزق العربي

من منظور عربي، يعكس السلوك الإسرائيلي في غزة وسوريا ولبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة استراتيجية إقليمية أوسع: حرية حركة عسكرية من دون التزامات متبادلة، وتطبيع من دون تسوية سياسية، واندماج من دون اعتراف بسيادة أو مساواة.

وباتت التوغلات والضربات العسكرية الإسرائيلية في سوريا أمرا معتادا، وتتواصل مظاهر تآكل السيادة اللبنانية. أما رفض قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، فقد انتقل من كونه توجها ضمنيا إلى إعلان صريح. وتشير العمليات الإسرائيلية التي أعقبت انهيار نظام الأسد في سوريا، من ضربات عميقة وتدمير للبنية التحتية وتقدم ميداني إلى ما بعد الجولان، إلى طموحات تتجاوز ذريعة الدفاع المباشر عن النفس.

رويترز
عربات اسرائيلية قرب خط وقف اطلاق النار بين سوريا وهضبة الجولان التي تحتلها اسرائيل في 9 ديسمبر 2024

ولا يمكن لأي انخراط عربي مع إسرائيل، حيثما وجد، أن يعزل نفسه عن هذا السلوك الأوسع. كما لا يمكن للدول العربية أن تقبل بنظام إقليمي يطبق فيه القانون الدولي بانتقائية، وتعامل فيه الأرواح العربية باعتبارها كلفةً هامشية. إن أي إطار أمني قابل للاستمرار يحتاج إلى أفق سياسي واضح، وضبط متبادل للنفس، واحترام ثابت للسيادة.

ولا تستدعي مواجهة الأحادية تكافؤا عسكريا، فإطار عربي متماسك ينسق المواقف الدبلوماسية، ويوظف العلاقات الاقتصادية، ويواصل الضغط القانوني الدولي، قادر على رفع كلفة العدوان وكبح السلوكيات المزعزعة للاستقرار.

إيران وتركيا وإعادة التموضع الإقليمي

تظل إيران تحديا لأمن المنطقة العربية، غير أن طبيعة هذا التحدي تبدلت. فقد اتسع نفوذ طهران الإقليمي بفعل الانقسام العربي واستدامة النزاعات أكثر مما كان نتيجة قوة ذاتية خالصة. ومع تراجع شبكة وكلائها، انكشفت هشاشة عقيدتها القائمة على الدفاع المتقدم.

والدرس الجوهري من هذا هو أن النزاعات العربية غير المحسومة تفتح الباب أمام تدخلات خارجية. كما أن استراتيجية عربية متماسكة تركز على استعادة الدولة، وتسوية الصراعات، وبناء أمن جماعي، من شأنها أن تحد من النفوذ الإيراني بدرجة تفوق ما تحققه المواجهة المباشرة وحدها.

وبموازاة ذلك، تمثل تركيا تحديا وفرصة في آن. فإمكاناتها العسكرية، وصناعتها الدفاعية، وموقعها الجيوسياسي، يمكن أن تسهم في استقرار المنطقة إذا اندمجت في إطار تعاوني يستند إلى السيادة والشفافية والتكافؤ. ومن ثم، ينبغي أن ينتقل الانخراط العربي مع القوى الإقليمية غير العربية من دبلوماسية رد الفعل إلى تفاعل يسهم في صياغة القواعد الناظمة.

الانكفاء الأميركي وعبء الاختيار

من أبرز التحولات التي ترسم ملامح الشرق الأوسط اليوم التراجع المطرد لأولوية المنطقة في التفكير الاستراتيجي الأميركي. فما تزال واشنطن حاضرة، لكنها أقل ميلا إلى استثمار الرأسمال السياسي اللازم لتحقيق استقرار إقليمي طويل الأمد. قدرات روسيا مقيدة بفعل الحرب في أوكرانيا، فيما تركز الصين على الشراكات الاقتصادية أكثر من الالتزامات الأمنية.

يظل الانخراط البناء مع كل من إيران وتركيا ضرورة استراتيجية. وينبغي أن يكون الحوار مع إيران مشروطا ومتبادلا، ويفضل أن يتم في إطار متعدد الأطراف

وبالنسبة إلى الدول العربية، يحمل هذا الواقع دلالة ثقيلة. لم يعد الاتكال على الضمانات الخارجية كافيا. فالتعددية القطبية تتيح فرصا لمن يتحرك جماعيا. وعلى مستوى كل دولة منفردة، تبقى أدوات التأثير محدودة، أما في حال العمل المشترك، فإن العرب يشكلون ثقلا جيوسياسيا واقتصاديا وازنا. والاختيار واضح: إما البقاء ساحات تنافس للآخرين، وإما التحول إلى فاعلين يمتلكون زمام المبادرة.

من الرؤية إلى السياسة: أجندة عربية معززة للأمن الإقليمي

إن بناء إطار أمني عربي ذي مصداقية يقتضي الانتقال من مستوى المبادئ إلى مستوى التنفيذ. فلم تكن إخفاقات الماضي نتيجة خلل في التشخيص بقدر ما كانت حصيلة ضعف في التطبيق وتفادي مقايضات صعبة. وتحويل الرؤية إلى ممارسة يستلزم ائتلافات مرنة ومؤسسات إقليمية مجددة قادرة على صون التنسيق واستدامته.

أولا، ينبغي للدول العربية أن تضفي طابعا مؤسسيا على التنسيق الاستراتيجي ضمن نواة قيادية مستعدة لتحمل المسؤولية. إذ إن السعي إلى إجماع كامل أدى مرارا إلى الجمود. ومن ثم، يمكن لتحالف أصغر، ترتكز ركائزه على دول خليجية رئيسة ومصر والأردن، أن يطلق تعاونا منظما مفتوحا للتوسع التدريجي. وينبغي أن تتركز الجهود الأولية على مجالات دفاعية تتقاطع فيها المصالح: أمن الملاحة، حماية البنى التحتية الحيوية، منع تعارض أنظمة الدفاع الجوي، وتعزيز قدرات التصدي للطائرات المسيرة. وتحقيق نتائج ملموسة في هذه الميادين كفيل ببناء الثقة وترسيخ تقاليد التعاون.

أ.ف.ب
قادة العرب يلتقطون صورة جماعية قبل الجلسة الافتتاحية للقمة الرابعة والثلاثين لجامعة الدول العربية في بغداد في 17 مايو 2025

ثانيا، يتعين أن تصبح الدبلوماسية العربية متزامنة ومستدامة، لا موسمية أو ظرفية. فثمة حاجة إلى آلية تنسيق دائمة لمواءمة المواقف في المحافل الدولية، والانخراط مع القوى الكبرى، والاستجابة الجماعية للأزمات الإقليمية. وفي هذا السياق، تضطلع جامعة الدول العربية، بعد إصلاحها، بدور محوري. إذ ينبغي أن توفر منتدى دائما للنقاش الاستراتيجي، وأن تضع آليات متفقا عليها لتنفيذ رؤية أمنية مشتركة، وأن تحافظ على أدوات لمتابعة الالتزام وإنفاذ التعهدات. وإذا أعيد تأهيلها بصورة مناسبة، أمكنها الجمع بين وظيفتي التنسيق والرقابة، من خلال مواءمة المبادرات بين الدول الأعضاء وضمان احترام الاتفاقات. وهذا يعالج مباشرة تهميشها التاريخي وضعفها المؤسسي، ويمنح التعاون العربي شرعية وأثرا عمليا. كما أن دبلوماسية منسقة، مدعومة بإشارات اقتصادية وسياسية محسوبة، قادرة على مضاعفة النفوذ العربي على الساحة الدولية.

ثالثا، يجب إعادة تموضع القضية الفلسطينية بوصفها أولوية أمنية إقليمية، لا شعارا رمزيا. وينبغي أن يقترن أي انخراط عربي، سواء في مسارات التطبيع أو التعاون الاقتصادي أو التكامل الإقليمي، بالتزامات سياسية قابلة للقياس، من بينها وقف التوسع الاستيطاني وصون قابلية قيام دولة فلسطينية على أرض متصلة. هذا ليس نهجا صداميا، وإنما اتساق استراتيجي. ومن دونه، لن يحظى أي بناء أمني إقليمي بشرعية أو قدرة على الاستمرار.

رابعا، يتعين على الدول العربية الاستثمار في خفض التصعيد واستعادة الدولة في ساحات هشة مثل السودان وليبيا واليمن وسوريا ولبنان. فهذه الأزمات تمثل ثغرات بنيوية تستدعي التدخل الخارجي وتكرس عدم الاستقرار. والوساطة الموحدة، والمساعدات المالية الموجهة، والضغط الجماعي على الفاعلين المحليين ورعاتهم الخارجيين، يمكن أن تسهم تدريجيا في تقليص التشرذم.

خامسا، يظل الانخراط البناء مع كل من إيران وتركيا ضرورة استراتيجية. إذ ينبغي أن يكون الحوار مع إيران مشروطا ومتبادلا، ويفضل أن يتم في إطار متعدد الأطراف، ويرتكز على احترام السيادة وعدم التدخل وأولوية مؤسسات الدولة. فالأطر متعددة الأطراف، خلافا للمسارات الثنائية المجزأة، تحد من اختلالات القوة وتقلص ديناميات التفريق بين الأطراف، وتوضح في الوقت ذاته التوقعات والخطوط الحمراء. أما فيما يتعلق بتركيا، فالمهمة الاستراتيجية أمام الدول العربية تكمن في الانتقال من رد الفعل إلى الفعل المبادر، عبر صياغة حوافز وقواعد ومؤسسات توجه طموحات أنقرة نحو نظام إقليمي تعاوني. وإذا استند هذا المسار إلى السيادة والاحترام المتبادل والشمول، فإن التعاون العربي التركي يمكن أن يعزز بنية أمنية ناشئة في الشرق الأوسط.

كثيرا ما تتكرر عبارة أن العالم العربي يقف عند مفترق طرق، غير أن اللحظة الراهنة تفرض قرارا لا انتظار فيه

وأخيرا، ينبغي أن يتجاوز التعاون الأمني النطاق العسكري. فالضغوط المناخية، وانعدام الأمن الغذائي، وندرة المياه، وتحولات الطاقة، أصبحت عوامل مركزية في زعزعة الاستقرار. ومبادرات الصمود المشتركة، وتعميق التكامل الاقتصادي عبر شبكات طاقة مترابطة، وممرات نقل، وتسهيل التجارة، يمكن أن ترفع كلفة النزاع وتعزز في الوقت ذاته القدرة التفاوضية الإقليمية إزاء الشركاء الخارجيين.

اختيار الفاعلية بدل التكيف

كثيرا ما تتكرر عبارة أن العالم العربي يقف عند مفترق طرق، غير أن اللحظة الراهنة تفرض قرارا لا انتظار فيه. يمكن للعرب أن يواصلوا التكيف مع ترتيبات يصوغها الآخرون، أو أن يخوضوا المهمة الشاقة لبناء نظام أمني إقليمي يقوم على المسؤولية الجماعية والحلول السياسية.

لقد جعلت فظائع غزة، وتآكل الأعراف الإقليمية، وتحول ميزان القوى العالمي، حقيقة واحدة جلية: النظام القديم انهار استراتيجيا ومعياريا؛ وما سيخلفه يتوقف على ما إذا كان العرب سيختارون الفاعلية على حساب التكيف، وهل سيستمرون في الاتكال على أطر خارجية تتراجع مصداقيتها، أم سيباشرون العمل الجاد لتشييد نظام أمني إقليمي يستند إلى المسؤولية المشتركة، والحلول السياسية، واحترام ثابت للسيادة. وللمرة الأولى منذ أعوام، عاد هذا الخيار إلى الطاولة بوضوح، فيما ترتفع كلفته على المنطقة وعلى الاستقرار العالمي إلى مستويات غير مسبوقة.

font change