المساعدات الخليجية بعد ستة عقود... من التضامن العربي الى حسابات الجدوى

أزمات الإقليم وتنامي المطالب الداخلية يعيدان رسم سياسات الإنفاق الخارجي

.أ.ف.ب
.أ.ف.ب
آلاف أكياس الذرة الرفيعة التابعة لبرنامج الأغذية العالمي في مستودع جاهزة للتوزيع في مابان، جنوب السودان، 20 أغسطس 2025

المساعدات الخليجية بعد ستة عقود... من التضامن العربي الى حسابات الجدوى

لم تكن المساعدات الخليجية للعالم العربي مجرد استجابة لأزمات عابرة أو تضامن ظرفي، بل لطالما كانت تعبيرا عن تصور أوسع للدور الاقتصادي والمسؤولية العربية. فمنذ ستينيات القرن الماضي، تبلورت قناعة لدى دول الخليج بأن الاستقرار والتنمية في المحيط العربي يشكلان امتدادا مباشرا لأمنها الاقتصادي والاجتماعي، مما دفعها إلى ابتكار أدوات تمويلية مؤسسية تجاوزت منطق المساعدات التقليدية. اليوم، ومع تغير موازين الاقتصاد وضغوط الداخل والخارج، تطرح هذه التجربة أسئلة جديدة حول طبيعة الدعم المالي وحدوده وشروطه في المرحلة المقبلة.

نموذج التمويل الخليجي

مضى على تأسيس الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية 64 عاما، إذ انطلقت أعماله بعد استقلال الكويت في يونيو/حزيران 1961.

يُعَدّ هذا الصندوق التنموي من أولى المؤسسات الخليجية الهادفة لدعم الدول العربية، كونه ينشط بشكل رئيس في مجال توفير تمويلات ميسرة للدول العربية الساعية لتحقيق التنمية من خلال مشاريع البنية التحتية والمرافق. بعد ذلك، موّل الصندوق عددا آخر من الدول النامية في لآسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وكذلك بلدانا في أوروبا الشرقية ووسط آسيا.

تأسست بعده صناديق عديدة، مثل الصندوق السعودي للتنمية وصندوق أبوظبي للتنمية والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.

تلتزم هذه الصناديق تقديم القروض بفوائد مخفضة جدا يمكن سدادها خلال آجال طويلة. على سبيل المثل، قدم الصندوق الكويتي منذ إنشائه حتى نهاية عام 2025 قروضا إنمائية بقيمة لامست 23 مليار دولار. أما الصندوق السعودي للتنمية فقد مول أكثر من 800 مشروع وبرنامج في أكثر من 100 دولة منذ إنشائه عام 1974، بقيمة إجمالية ناهزت 21 مليار دولار.

هناك مشكلات في الدول النامية تُقوّض الاستفادة من المساعدات، أبرزها الفساد وضعف المؤسسات وغياب البرامج الفاعلة 

كذلك، تقدم هذه الصناديق مساعدات فنية واستشارات لمساعدة الدول المتلقية للقروض فضلا عن الدعم في دراسة المشاريع والتأكد من ضرورتها وجدواها.

تتمحور معايير التمويل الإنمائي التي اشترطت عليه الأمم المتحدة حول تحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDG). تؤكد هذه الشروط التمويل البعيد عن الأخطار ودعم المؤسسات الوطنية لتطوير المهارات الهادفة لضمان الاستدامة التنموية. وطالبت المنظمات الأممية بأن يكون الدعم الإنمائي من الدول الغنية للدول النامية، وهو دعم يختلف عن القروض الإنمائية، ولا يقل عن 0.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لأي من الدول المانحة. لا تلتزم بعض الدول الغنية هذه النسبة وربما تمنح عونا يقل كثيرا عن المستهدف.

واس
رئيس الوزراء الأردني لدى استقباله الرئيس التنفيذي لصندوق التنمية السعودي سلطان المرشد، في عمان للمشاركة في تمويل مشروع بقيمة 17 مليون دولار

ويزعم الكثير من الدول المانحة أن هناك مشكلات في الدول النامية تُقوّض الاستفادة من المساعدات المالية ومنها انتشار الفساد الإداري والسياسي وضعف المؤسسات ذات الصلة وغياب البرامج المفيدة. إلا أن دول الخليج ربما قدمت على مدى سنوات طويلة مساعدات إنمائية وقروضا ميسرة تفوق نسبة  0.7 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي. قد تكون غالبية المعونات والقروض الخليجية توجهت إلى الدول العربية، وهو أمر طبيعي في سياق الاهتمام السياسي والاقتصادي، لكن العون يظل يشمل دولا عديدة نامية غير عربية.

الدعم المالي والودائع المركزية

مما لا شك فيه أن الدول الخليجية اعتمدت أساليب عديدة لدعم الدول العربية ومنها إيداع أموال في البنوك المركزية في هذه البلدان لدعم سعر صرف عملاتها الوطنية وتمكينها من مواجهة استحقاقات الواردات من السلع.

أقر عدد من الدول العربية الخليجية تحويل مبالغ كبيرة كانت موظفة كودائع في البنوك المركزية العربية إلى استثمارات مباشرة. فعملت الإمارات على تحويل مبلغ 11 مليار دولار من وديعة إلى استثمار مباشر في مشروع رأس الحكمة في مصر، الذي تقدر تكلفته بنحو 35 مليار دولار. أما السعودية والكويت فأودعتا أموالا مهمة في البنك المركزي المصري. 

لا يتوقع أن تتوقف المساعدات والدعم المالي للدول العربية، بيد أن شروطا أكثر توازنا باتت ضرورية

وتحتفظ السعودية بـ 10.3 مليارات دولار على شكل ودائع قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل في مصر. وللكويت أيضا ودائع في البنك المركزي المصري تبلغ 4 مليارات دولار، تم تجديدها حتى نهاية أبريل/نيسان2026. هناك مفاوضات لتحويل هذه الودائع أو جزء منها الى استثمارات مباشرة في مشاريع مصرية على غرار النموذج الإماراتي.

القروض الميسرة وحدود القوة الناعمة

 وفّرت دول الخليج أيضا الدعم والتمويل من خلال إسهاماتها في مؤسسات وصناديق تمويل عديدة، من أهمها الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي الذي تأسس في عام 1968 ومقره الكويت. قدّم هذا الصندوق قروضا كثيرة، يبلغ عددها حتى الآن 675 استفادت منها 22 دولة وبلغت قيمة التمويل الاجمالية 10.8 مليارات دينار كويتي، ما يعادل 35.2 مليار دولار، وظفت في مشاريع حيوية في البلدان العربية. يعمل الصندوق العربي على تمويل المشاريع الاستثمارية العامة والخاصة وتقديم المنح والخبرات.

.أ.ف.ب
مساعدات غذائية يتم تحمليها من مطار المنامة الدولي باتجاه أفغانستان، 4 سبتمبر 2021

من جهة أخرى، أسست منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" (OPEC) "صندوق أوبك للتنمية الدولية"، أوفيد (OFID) في عام 1976. كان الهدف من هذا الصندوق هو تطوير العلاقات بين الدول ذات العضوية في "أوبك" مع الدول النامية وتطوير الشراكة الاقتصادية بين الطرفين.

ويعمل هذا الصندوق على توفير التمويل الميسر وتمويل نشاطات القطاع الخاص في البلدان النامية. ركز صندوق "أوبك" على أهداف تنموية واضحة، منها تطوير إمكانات الدول النامية والسعي للقضاء على الفقر. 

هناك مطالبات من قطاعات مجتمعية وخبراء لإعادة النظر في سياسات الدعم وتوجيه الأموال للإنفاق على مشاريع واستثمارات داخل الدول الخليجية

وبلغت قيمة التمويل التراكمي لهذا الصندوق 27 مليار دولار منحت لـ4 آلاف مشروع في 125 دولة. ولا بد من الإشارة إلى الدور المحوري الذي تلعبه الدول الخليجية الأعضاء في "أوبك" في إدارة هذا الصندوق وتسهيل أعمال التمويل والعون الإنمائي.

الدعم الخليجي أمام اختبار الاستدامة

في المحصلة، وعلى الرغم من إدراك الدول الخليجية، كلٌ وفق مقارباتها وخياراتها، لأهمية تنويع القاعدة الاقتصادية وتعزيز إيرادات الخزينة من مصادر غير نفطية، فإن هذه المساعي لا تزال تصطدم بجملة من التحديات الهيكلية والمؤسسية التي تحدّ من تسارعها وفاعليتها. وبالتالي، لم تعد القدرة على تقديم العون، من خلال قروض ميسرة أو إيداعات في البنوك المركزية في الدول العربية أو النامية أو مساعدات مباشرة، متاحة بشكل مريح للإدارات الاقتصادية في دول الخليج.

.أ.ف.ب

يضاف إلى ذلك أن هناك مطالبات من قطاعات مجتمعية وخبراء لإعادة النظر في سياسات الدعم وتوجيه الأموال للإنفاق على مشاريع وأنشطة داخل الدول الخليجية. في طبيعة الحال، ليس من المتوقع أن تتوقف عمليات الدعم ، خصوصا للدول العربية، بيد أن شروطا أكثر توازنا باتت ضرورية. بالإضافة إلى ذلك، هناك أهمية قيام الدول العربية وغيرها من الدول النامية الساعية للحصول على الدعم من دول الخليج، بتطوير بنيتها الاقتصادية ومؤسساتها وأنظمتها القانونية لتوفير المزيد من الشفافية والرقابة.

كما أن البلدان المستفيدة من الدعم يجب أن توضح لمواطنيها أهمية الدعم المالي وبيان مصادره وكشف الإنجازات التي نتجت بعد الحصول عليه. تبرز الآن مطالبات لتوفير الأموال لإعادة إعمار غزة أو إعادة بناء المدن في سوريا أو دعم الاقتصاد اللبناني في وقت يطالب المواطنون والمختصون في دول الخليج بتوفير آليات واضحة لاستخدام أو توظيف أموال الدعم المتوقعة.

font change